«التَّوْبَةُ»
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَابْنُ عَامِرٍ، بِهَمْزَتَيْنِ، الْأُولَى أَلِفُ الْجَمْعِ، وَالثَّانِيَةُ أَصْلِيَّةٌ، لِأَنَّهُ جَمْعُ إِمَامٍ مِثْلُ حِمَارٍ وَأَحْمِرَةٍ وَرِدَاءٍ، وَأَرْدِيَةٍ، وَوَزْنُهُ: أَفْعِلَةٌ، وَالْأَصْلُ: أَأِمْمَةٌ فَنَقَلُوا كَسْرَةَ الْمِيمِ إِلَى الْهَمْزَةِ وَأَدْغَمُوُا الْمِيمَ فِي الْمِيمِ.
وَالْبَاقُونَ كَرِهُوُا الْجَمْعَ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ فَلَيَّنُوُا الثانية فصارت لفظة كياء ﴿أئمة الْكُفْرِ﴾.
وَالْيَاءُ سَاكِنَةٌ، وَبَعْدَهَا الْمِيمُ الْمُدْغَمَةُ سَاكِنَةٌ، وَلَا بَأْسَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حَرْفُ لِينٍ نَحْوَ قَوْلِكَ فِي تَصْغِيرِ أَصَمٍّ: أُصَيْمٌ فَاعْلَمْ، إِلَّا الْمُسَيَّبِيَّ، عَنْ نَافِعٍ فَإِنَّهُ قَرَأَ «آئِمَّةَ الْكُفْرِ» مَمْدُودَةً، كَأَنَّهُ أَدْخَلَ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ، أَلِفًا وَلَيَّنَ الثَّانِيَةَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «إِنَّهُمْ لَا إِيمَانَ لَهُمْ» بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ جَعَلَهُ مَصْدَرًا مِنْ آمَنَ إِيمَانًا، وَلَهُ حُجَّتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ: لَا دِينَ لَهُمْ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ: لَا أَمَانَ لَهُمْ.
وقرأ الباقون: «إنهم لَا أَيْمَانَ لَهُمْ» بِالْفَتْحِ جَمْعُ يَمِينٍ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّهُ فِي التَّفْسِيرِ: لَا عَهْدَ لَهُمْ وَلَا مِيثَاقَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِالتَّوْحِيدِ، أَرَادَا: بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ خَاصَّةً، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ بَعْدَهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوُا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ وَ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مَسَاجِدَ» جَمْعًا، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْخَاصَّ يَدْخُلُ فِي الْعَامِّ وَالْعَامُّ لَا يَدْخُلُ فِي الْخَاصِّ فَأَمَّا الثَّانِي: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ فَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى جَمْعِهِ، لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا كُلَّ مَسْجِدٍ، لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، إِلَّا مَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أَنَّهُ قَرَأَ بالتوحيد أيضا.
[ ١٤٣ ]
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّنْوِينِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.
فَمَنْ نَوَّنَ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ أَعْجَمِيًّا فَهُوَ خَفِيفٌ، وَتَمَامُ الِاسْمِ فِي الِابْنِ.
وَحُجَّةٌ أُخْرَى: أَنْ تَجْعَلَهُ عَرَبِيًّا، لِأَنَّهُ فِي مِثَالِ الْمُصَغَّرَاتِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَهُ اشْتِقَاقٌ، «وَعُزَيْرٌ» رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ «وَابْنُ» خَبَرُهُ، وَإِنَّمَا يُحْذَفُ التَّنْوِينُ مِنَ الِاسْمِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ إِذَا كَانَ الِابْنُ نَعْتًا لِلِاسْمِ نَحْوَ جَاءَنِي زَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنْ قُلْتَ: كَانَ زَيْدُ بْنَ عبد الله فلا بد مِنَ التَّنْوِينِ، لِأَنَّهُ خَبَرُهُ، وَحُجَّةٌ أُخْرَى: أَنَّ عزيزا قَدْ أُضِيفَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَالْعَرَبُ إِذَا أَضَافَتِ الِاسْمَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ نَوَّنُوا لِقِلَّةِ الِاسْتِعْمَالِ.
فَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ لَمْ يُنَوِّنْ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ اسْمًا أَعْجَمِيًّا، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ مُصَغَّرًا وَقَالَ: إِنْ كَانَ الْأَعْجَمِيُّ ثُلَاثِيًّا نَحْوَ عَادٍ وَنُوحٍ وَلُوطٍ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَدَعُ صَرْفَهُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ تَأَمَّلْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَوَجَدْتُ فِيهِ مِائَةً وَخَمْسِينَ حَرْفًا مِمَّا يُنَوَّنُ وَلَا يُنَوَّنُ وَسَأَذْكُرُهَا جُمْلَةً لِيَسْهُلَ حِفْظُهَا عَلَى مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ.
فَأَوَّلُ ذَلِكَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ قَرَأَ زُهَيْرٌ الْفُرْقُبِيُّ: «لَا رَيْبَ فِيهِ».
وَقَرَأَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: «لَا خَوْفَ عَلَيْهِمْ».
وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: «اهْبِطُوا مِصْرَ» قَالَ الْأَخْفَشُ: وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنَى» مثل «ولله الأسماء الحسنى» الأعراف.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ: «وَلَا تَقُولُوا رَاعِنَا».
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ «فِدْيَةُ طَعَامِ».
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبو عمرو: «فَلَا رَفَثٌ وَلَا فُسُوقٌ».
وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ المدني: «ولا جدال» بالرفع أيضا.
وقرأ أبو عمرو وَابْنُ كَثِيرٍ: «لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا خُلَّةَ وَلَا شَفَاعَةَ».
وَ«لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا خلال»، «لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ».
وَقَرَأَ عَطَاءٌ: «فَنَاظِرُهُ إِلَى مَيْسُرِهِ».
وَفِي آلِ عِمْرَانَ «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» نَوَنَّهَا أَبُو حَيْوَةَ.
وَفِيهَا «وَكَأَيِّنْ» وَلَهَا نَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ.
[ ١٤٤ ]
وَفِي النِّسَاءِ قَرَأَ الْحَسَنُ: «غَيْرَ مُضَارِّ وَصِيَّةٍ» مُضَافًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ.
وَفِي الْمَائِدَةِ «وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ» قَرَأَ بِهَا الشَّعْبِيُّ.
وَفِيهَا: «أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ» لَمْ يُنَوِّنْهَا نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ.
وَفِيهَا: «فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ» نَوَنَّهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يُنَوِّنْهَا الْبَاقُونَ.
وَفِي الْأَنْعَامِ «خَالِصُهُ لِذُكُورِنَا» بِهَاءٍ مَكْنِيَّةٍ، قَرَأَ بِهَا بَعْضُهُمْ.
وَفِيهَا: «نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ» وَكَذَلِكَ فِي يُوسُفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ يُنَوِّنُونَهُ وَالْبَاقُونَ يُضِيفُونَهُ.
وَفِي الْأَعْرَافِ قَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «جَعَلَا لَهُ شِرْكًا» مُنَوَّنًا.
وَفِيهَا: «جَعَلَهُ دَكًّا».
وَفِي الْكَهْفِ، مِثْلُهُ، حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ لَا ينونانه.
وفي الأنفال حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، «مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ» مُضَافًا.
وَفِيهَا: «وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعَفَاءَ» جَمْعُ ضَعِيفٍ، قرأ بها أبو جعفر.
وفي براءة: «عزيز ﴿ابْنُ اللَّهِ» نَوَّنَهَا عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ.
وَفِي الْقُرْآنِ نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا مِنْ ذِكْرِ ثَمُودٍ نَوَّنَهَا الْأَعْمَشُ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يُنَوِّنْهَا حَمْزَةُ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ.
وَأَمَّا الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ فَيَخْتَلِفُونَ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ سَيَجِيءُ بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ هُودٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَفِي الْقُرْآنِ نَيِّفٌ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا فِي قوله: «فبأي آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ» نَوَّنَهَا أَبُو دِينَارٍ الْأَعْرَابِيُّ.
وَفِي إبراهيم «وآتاكم من كل ما سألتموه» نونها سلام أبو المنذر.
وَفِي مَرْيَمَ قَرَأَ أَبُو نُهَيْكٍ: «كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ».
وَفِي الْكَهْفِ، قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: «فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى».
وَفِي بَنِي إِسْرَائِيلَ «كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ» قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الشَّامِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.
وَفِيهَا «فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ» نَوَّنَهَا نَافِعٌ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ فِي الْقُرْآنِ.
وَفِي طَهَ «طَوَى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ» وَمِثْلُهُ فِي النَّازِعَاتِ نَوَّنَهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الشَّامِ.
[ ١٤٥ ]
وَفِي الْأَنْبِيَاءِ «وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ» قَرَأَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ.
وَفِي قَدْ أَفْلَحَ «رُسُلُنَا تَتْرًا» نَوَّنَهَا أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ.
وَفِي الزُّمُرِ حَرْفَانِ، «كَاشِفَاتٌ ضُرَّهُ» وَ«مُمْسِكَاتٌ رَحْمَتَهُ» نَوَّنَهَا أَبُو عَمْرٍو وَمِثْلُهُ فِي الْمُؤْمِنِ «عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» وَفِي الْأَحْزَابِ قرأ ابن مسعود: «وكان عبد الله وجيها».
ومثله: «ترهبون به عدو الله».
وفي الصف: «كونوا أنصار الله».
وَفِي النَّمْلِ: «مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ».
وَفِيهَا أَيْضًا: «بِشِهَابٍ قَبَسٍ» نَوْنَّهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ.
وَفِيهَا: «وَمَا أَنْتَ بِهَادٍ الْعُمْيَ» نَوَّنَهَا وَنَصَبَهَا ابْنُ عَامِرٍ، وَلَمْ يُنَوِّنْهَا عُمَارَةُ بْنُ عُقَيْلِ بْنِ بِلَالِ بْنِ جَرِيرٍ.
وَفِي قَدْ أَفْلَحَ «هَيْهَاتٍ هَيْهَاتٍ» نَوَّنَهَا أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ، وَفِي النَّازِعَاتِ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: «إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ مَنْ يَخْشَاهَا» بِالتَّنْوِينِ.
وَفِي الْأَنْعَامِ أَيْضًا قَرَأَ الْحَسَنُ «فله عشر أمثالها» وفي سبأ والنمل «لَقَدْ كَانَ لِسَبَأَ» غَيْرُ مَصْرُوفَيْنِ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي عَمْرٍو.
وَفِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ حَرْفَانِ أَيْضًا، قَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ: «مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفَارِفَ خُضْرٍ وَعَبَاقِرِيَّ حِسَانٍ» غَيْرَ مُنَوَّنَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ التَّنْوِينُ عَنْهُ.
وَفِي سُورَةِ «هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ» ثَلَاثُ أَحْرُفٍ «سَلَاسِلَ» لَمْ يُنَوِّنْهَا ابْنُ كَثِيرٍ، وَ«قَوَارِيرَ قَوَارِيرَ» نَوَّنَهَا بَعْضُهُمْ وَتَرَكَ التَّنْوِينَ بَعْضُهُمْ، وَسَنُفَسِّرُهُ إِذَا مَرَرْنَا بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَفِي النُّورِ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: «سَحَابُ ظُلُمَاتٍ» غَيْرُ مُنَوَّنٍ.
وَفِي إِبْرَاهِيمَ قَرَأَ عِكْرِمَةُ: «مِنْ قَطِرَانٍ» وَقَرَأَ أَيْضًا فِي النَّحْلِ «حِينًا تُرِيحُونَ وَحِينًا تَسْرَحُونَ» وَلَهُمَا ثَلَاثَةُ نَظَائِرَ، فِي الرُّومِ «حِينًا تُمْسُونَ وَحِينًا تُصْبِحُونَ وَعَشِيًّا وَحِينًا تُظْهِرُونَ».
وَفِي الْمُدَّثِّرِ قَرَأَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ» وَفِي بَرَاءَةَ قَرَأَ نَافِعٌ: «قُلْ أُذُنٌ خَيْرٌ لَكُمْ».
[ ١٤٦ ]
وَفِي الْحِجْرِ قَرَأَ ابْنُ سِيرِينَ «هَذَا صِرَاطٌ عَلَيُّ مُسْتَقِيمٌ» وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَنَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ» وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ: «وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ اللَّهُ وَفِي الْأَرْضِ اللَّهُ».
وَفِيهَا قَرَأَ أُبَيٌّ: «أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ» بِغَيْرِ هَاءٍ وَبِغَيْرِ تَنْوِينٍ.
وَفِي هُودٍ قَرَأَ الزُّهْرِيُّ: «وَإِنْ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ».
وَفِي لُقْمَانَ: «وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمه ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً».
وَفِي الْكَهْفِ قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «ثَلَاثَمِائَةِ سِنِينَ» مُضَافًا.
وَفِي الْعَنْكَبُوتِ قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وَابْنِ عَامِرٍ وَأَبُو زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو: «إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بَيْنَكُمْ» وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ عَاصِمٍ «مَوَدَّةً» بِالرَّفْعِ مُنَوَّنًا.
وَفِي الْفَجْرِ قَرَأَ الْحَسْنُ: «بِعَادِ إِرَمَ».
وَفِي اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ قَرَأَ زُهَيْرٌ الْفُرْقُبِيُّ: «إِلَّا ءَالَ لُوطَ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرَ» غَيْرَ مَصْرُوفٍ.
وَفِي الْأَعْرَافِ قَرَأَ الْحَسَنُ «بِعَذَابِ بِئَيْسٍ» غَيْرَ مُنَوَّنٍ.
وَفِي الصَّافَّاتِ قَرَأَ حَمْزَةُ «بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ» وَقَرَأَ عَاصِمٌ «بِزِينَةٍ» مُنَوَّنَةٍ أَيْضًا وَنَصَبَ يَحْيَى «الْكَوَاكِبَ» فَأَمَّا قِرَاءَةُ الْحَسَنِ فِي ق «أَلْقِيَنْ فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ» فَهِيَ نُونٌ خَفِيفَةٌ وَلَيْسَتْ تَنْوِينًا، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ أَحَدٌ أن الفعل ينون، وكذلك ﴿من لدن﴾، ﴿وَكَأَيِّنْ﴾. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُمَا لِأُبَيِّنَ عِلَّتَهُمَا فِي كِتَابٍ قَدْ أَفْرَدْتُهُ.
وَفِي ص قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ «بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ» مُضَافًا.
وَفِي يُوسُفَ قَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ «إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلُ وَمِنْ دُبُرُ» مَبْنِيَّيْنِ عَلَى الضَّمِّ.
وَفِي الْأَنْبِيَاءِ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَيَحْرُمُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا».
وَفِي النِّسَاءِ قَرَأَ الْحَسَنُ: «إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أُنْثَى».
وَفِي هُودٍ «مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ» حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَكَذَلِكَ فِي الْمُؤْمِنُونَ.
فَذَلِكَ مِائَةُ حَرْفٍ وَخَمْسُونَ حَرْفًا، وَإِنَّمَا لَمْ أَذْكُرْ عِلَلَهَا لِأَنِّي قَدْ تَقَصَّيْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ أَفْرَدْتُهُ لِذَلِكَ، وَقَدْ وَجَدْتُ حَرْفًا فِي سُورَةِ الْجِنِّ، قَرَأَ عِكْرِمَةُ: «وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدًّا»
[ ١٤٧ ]
رَبُّنَا» أَيْ: حَقًّا، مِنْ قَوْلِهِمْ: «إِنَّ عَذَابَكَ الجد ملحق».
- وقوله تعالى: ﴿يضاهؤن قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ: «يُضَاهِئُونَ» بِالْهَمْزِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَهُمَا لُغَتَانِ، ضَاهَيْتُ وَضَاهَأْتُ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
وَضَاهَانِي الثَّرِيدُ وَكُلُّ حُلْوٍ مِنَ الْفَالُوذِ وَالْعَيْشِ الرَّقِيقِ
يُقَالُ: فَالُوذُ، وَفَالُوذَجُ، فَأَمَّا الْعَرَبُ فَتُسَمِّيهِ السِّرْطِرَاطَ وَاللَّمَصَ وَالرَّعْدَدَ الْأَصْفَرَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، النَّسِيءُ عَلَى فَعِيلٍ مَهْمُوزٌ مَمْدُودٌ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ، وَالْأَصْلُ: مَنْسُوءٌ مَفْعُولٌ، فَرُدَّ إِلَى فَعِيلٍ كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ جَرِيحٌ وَصَرِيعٌ، وَالْأَصْلُ مَجْرُوحٌ وَمَصْرُوعٌ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُعَظِّمُ أَشْهُرَ الْحُرُمِ فَتَدَعَ فِيهَا الْغَارَةَ وَالْقِتَالَ، فَإِذَا أَحَبُّوا ذَلِكَ أَخَّرُوُا الْمُحَرَّمَ إِلَى صَفَرٍ مِنْ قَوْلِكَ: نَسَأَ اللَّهُ فِي أَجَلِكَ، وَرَوَى عُبَيْدُ بْنُ عُقَيْلٍ، عَنْ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «إِنَّمَا النَّسِيُ» مُشَدَّدَةَ الْيَاءِ، وَمِثْلُهُ: خَطِيئَةٌ وَخَطِيَّةٌ وَهَنِيئًا وَهَنِيًّا، وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا: «إِنَّمَا النَّسْءُ» عَلَى وَزْنِ النَّسْعِ، جَعَلَهُ مَصْدَرًا مِثْلَ الضَّرْبِ، ضَرَبْتُ ضَرْبًا وَنَسَأْتُ نَسْأً، وَرُوِيَ عَنْهُ وَجْهٌ رَابِعٌ «إِنَّمَا النُّسَى» بِالْيَاءِ عَلَى وَزْنِ الدُّمَى.
فَمَنْ قَرَأَ «النَّسَى» جعل الهمز ياء، والاختيار «النسء» ما عليه الناس، النسء:
اللَّبَنُ الْمُتَغَيِّرُ، قَالَ جَرِيرٌ:
بَلَغْتَ نَسِيءَ الْعَنْبَرِيَّ كأنما ترى بنسيء العنبري جنى النحل
فأما النسء بِإِسْكَانِ السِّينِ فَقِيلَ: الْخَمْرُ فِيمَنْ هَمَزَ، وَقِيلَ هِيَ مَا يُنْسِي الْعَقْلَ لِمَنْ لَمْ يَهْمِزْ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «نُضِلُّ» وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ أَيْضًا بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ، وَاحْتَجُّوا بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ قَرَأَهَا كَذَلِكَ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
قَرَأَ الْبَاقُونَ «يَضِلُّ» بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ جَعَلَ الْفِعْلَ لَهُمْ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ يضل
[ ١٤٨ ]
وَيَهْدِي، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَلَّهُمْ عُقُوبَةً لِمَا ضَلُّوا هُمْ، فَاسْتَوْجَبُوُا الْعُقُوبَةَ بِالْعَمَلِ، وَقِيلَ:
أَضَلَّهُمْ سَمَّاهُمْ ضَالِّينَ، وَقِيلَ: أَضَلَّهُمْ صَادَفَهُمْ كَذَلِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: «أَنْ يُقْبَلَ» بِالْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، لِأَنَّ النَّفَقَاتِ تَأْنِيثُهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وَلِأَنَّهُ جَمْعٌ مُشَبَّهٌ بِجَمْعِ مَنْ يَعْقِلُ فَجَازَ تَذْكِيرُهُ وَتَأْنِيثُهُ، وَقَدْ مَرَّ لَهُ نَظَائِرُ فِيمَا سَلَفَ، فَمَوْضِعُ أَنَّ الْأُولَى نَصْبٌ وَالثَّانِيَةُ رَفْعٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا مَنَعَهُمْ مِنْ قُبُولِ نَفَقَاتِهِمْ إِلَّا كُفْرُهُمْ، وَكُلُّ نَفَقَةٍ كَانَتْ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ فَغَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾.
قَرَأَ النَّاسُ كُلُّهُمْ «يَلْمِزُكَ» بِكَسْرِ الْمِيمِ إِلَّا مَا رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «يُلَامِزُكَ».
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أَيْضًا وَالْحَسَنِ وَيَعْقُوبَ «يَلْمُزُكَ» بِضَمِّ الْمِيمِ وَهُمَا لُغَتَانِ يَلْمِزُ وَيَلْمُزُ مِثْلَ: عَكَفَ يَعْكِفُ وَيَعْكُفُ.
يُلَامِزُكَ كَقَوْلِكَ: يُقَاتِلُكَ وَيُشَاتِمُكَ، وَمَعْنَى اللَّمْزِ فِي اللُّغَةِ: الْعَيْبُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾. فَالْهَامِزُ: الْمُغْتَابُ وَاللَّامِزُ: الْعَائِبُ، قَالَ زَيَّادٌ الْأَعْجَمُ:
إِذَا لَقِيتُكَ تُبْدِى لِي مُكَاشَرَةً فَإِنْ أَغِيبَ فَأَنْتَ الْهَامِزُ اللُّمَزَهْ
يُقَالُ: امْرَأَةٌ هُمَزَةٌ وَرَجُلٌ هُمَزَةٌ وَرَجُلٌ فَرُوقَةٌ وَامْرَأَةٌ فَرُوقَةٌ، وَرَجُلٌ هَلْبَاجَةٌ إِذَا كَانَ أَحْمَقَ أَكُولًا ضَخْمًا ثَقِيلَ الرَّوْحِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ: «قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ» بِإِسْكَانِ الذَّالِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الذَّالِ، وَهُمَا لُغَتَانِ أُذُنٌ وَآذَانٌ مِثْلُ: أُطُمٍ وَآطَامٍ وَأُذُنٍ وَآذَانٍ مِثْلُ، قُفْلٍ وَأَقْفَالٍ.
وَالْقُرَّاءُ كُلُّهُمْ يُضِيفُونَ إِلَّا مَا رَوَى إِسْمَاعِيلُ، عَنْ نَافِعٍ أُذُنٌ خَيْرٌ بِالرَّفْعِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وحده «ورحمة».
[ ١٤٩ ]
وَيَعْقُوبُ عَنْ نَافِعٍ بِالْخَفْضِ عَلَى مَعْنَى أُذُنُ خَيْرٍ وَرَحْمَةٍ وَصَلَاحٍ، لَا أُذُنُ شَرٍّ، يُقَالُ: رَجُلٌ أُذُنٌ: إِذَا كَانَ حَسَنَ الْخُلُقِ يَسْمَعُ مِنْ كُلٍّ وَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّا نَذْكُرُ مُحَمَّدًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ فَإِذَا بَلَغَهُ اعْتَذَرْنَا فَإِنَّهُ يَقْبَلُ، لِأَنَّهُ رَجُلُ أُذُنٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ لَا أُذُنُ شَرٍّ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ «نَعْفُ» بِالنُّونِ نُعَذِّبْ مِثْلَهُ. اللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ الْأُولَى بِالْيَاءِ، وَالثَّانِيَةُ بِالتَّاءِ، وَالطَّائِفَةُ فِي اللُّغَةِ:
الْجَمَاعَةُ، وَقَدْ تَكُونُ الطَّائِفَةُ رَجُلًا وَاحِدًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ أَيْ: رَجُلٌ وَاحِدٌ، أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الطَّائِفَةُ هَاهُنَا، أَرْبَعَةٌ فَمَا فَوْقَهُمْ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ الطَّائِفَةُ، هَاهُنَا: الرَّجُلُ الْوَاحِدُ.
حَدَّثَنِي بِذَلِكَ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنِ السِّمَّرِيِّ، عَنِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ وَمِنْدَلٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: الطَّائِفَةُ: رَجُلٌ وَاحِدٌ فَمَا فَوْقَهُ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي السِّمَّرِيُّ، عَنِ الْفَرَّاءِ، عَنْ حيان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أنه قال الطَّائِفَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ الْوَاحِدُ فَمَا فَوْقَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿دَائِرَةُ السُّوءِ﴾.
قَرَأَ ابن كثير وأبو عمرو «السَّوْءِ» بِضَمِّ السِّينِ، عَلَى مَعْنَى دَائِرَةِ الشَّرِّ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «السُّوءِ» بِفَتْحِ السِّينِ مِثْلَ: «ظَنِّ السوء» أي: السيئ، وَهُوَ مَصْدَرٌ، يُقَالُ: سُؤْتُ زَيْدًا أَسُوؤهُ سُوءًا وَمَسَاءَةً وَمَسَايَةً.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، «مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ» فَزَادَ «مِنْ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ «مِنْ».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالتَّوْحِيدِ، وَكَذَلِكَ فِي هُودٍ وَقَدْ أَفْلَحَ إِلَّا حَفْصًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْجَمْعِ، فَأَمَّا الَّتِي فِي ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ فَلَمْ يَخْتَلِفِ الْقُرَّاءُ فيها، لأنها
[ ١٥٠ ]
كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ، عَلَى التَّوْحِيدِ، فَمَنْ وَحَّدَ اجتزأ بالواحد عن الجمع، لأن الصلاة، هاهنا، بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أَيِ:
ادْعُ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ دُعَاءَكَ يُسْكِنُ قُلُوبَهُمْ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمَ
وَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ: الْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ، وَمِنَ الْمَخْلُوقِينَ: الِاسْتِغْفَارُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾. وَالصَّلَاةُ: بَيْتُ النَّصَارَى، قَالَ الشَّاعِرُ:
اتَّقِ اللَّهَ والصلاة فدعها إن في الصوم والصلاة فسادا
وَالصَّلَاةُ: مَغْرَزُ عُجْبِ الذَّنْبِ، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلفْرَسِ إِذَا جَاءَ بَعْدَ السَّابِقِ: الْمُصَلِّي، لِأَنَّ رَأْسَهُ عِنْدَ صَلَا السَّابِقِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁: «سَبَقَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَالصَّلَاةُ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلُفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أَيْ: زَوَالِهَا، قَالَ الرَّاجِزُ:
وَاضِحَةُ الْغُرَّةِ غَرَّاءُ الضَّحِكْ تَبَلُّجَ الزَّهْرَاءِ فِي قَرْنِ الدَّلَكِ
فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فَقِيلَ: الْعَصْرُ، وَقِيلَ: الظُّهْرُ، وَقِيلَ:
الْغَدَاةُ، وَقِيلَ الْمَغْرِبُ، وَقِيلَ الصَّلَاةُ: كُلُّ الصَّلَوَاتِ، وَالِاخْتِيَارُ أَنْ تَكُونَ الْعَصْرَ لِعَشْرِ حُجَجٍ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ: «قُرُبَةٌ لَهُمْ» بِضَمَّتَيْنِ مِثْلَ الرُّعُبِ وَالسُّحُبِ وَأَكْثَرُ مَا تَأْتِي الضَّمَّتَانِ فِيمَا لَا هَاءَ فِيهِ نَحْوَ قَوْلِ الْعَرَبِ وَاللَّهِ لِأُوجِعَنَّ قُرُبَتَكَ يَعْنِي: الْخَاصِرَتَيْنِ، وَيُقَالُ لَهَا:
الْقُرْبُ وَالْأُطْلُ وَالْكَشْحُ وَالْخَاصِرَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْأَيْطَلُ وَالْخَوْشَانُ وَالنَّاطِفَةُ أَيْضًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «قُرْبَةٌ» خَفِيفَةٌ «وَهُوَ الِاخْتِيَارُ مِثْلُ: غُرْفَةٍ وَجُرْعَةٍ تَقُولُ الْعَرَبُ:
قَرُبْتُ مِنْكَ قُرْبًا وَمَا قَرُبْتُكَ قُرْبَانًا وَقَرُبْتُ الْمَاءَ قُرْبًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ بِالْهَمْزِ. وَالْبَاقُونَ بِتَرْكِ الهمز.
[ ١٥١ ]
- قوله تَعَالَى: ﴿جُرُفٍ هَارٍ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: «جُرْفٍ» بِإِسْكَانِ الرَّاءِ وَالْبَاقُونَ بِالتَّحْرِيكِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جُرُفٍ هَارٍ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «هَارَ» بِالْفَتْحِ، وَالْبَاقُونَ «هَارٍ» مِنْ أَجْلِ كَسْرَةِ الرَّاءِ، وَالْأَصْلُ فِي هَارٍ: هَايِرٍ، وَكَذَلِكَ فِي شَاكٍ: شايك، قال الشاعر:
فتعرفوني إنني أنا ذاكم شَاكٍ سِلَاحِيَ فِي الْحَوَادِثِ مُعْلَمُ
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَابْنُ عَامِرٍ «تَقَطَعَّ» فِعْلُ مُضَارِعٍ، وَالْقُلُوبُ رُفِعَ بِفِعْلِهَا، وَالْأَصْلُ: إِلَّا أَنْ تَتَقَطَّعَ، فَحَذَفُوا إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «تُقَطَّعَ» عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَمَعْنَى ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ إِلَّا أَنْ يَمُوتُوا، وَقَالَ آخَرُونَ: إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، فَتُقَطَّعُ قُلُوبُهُمْ نَدَامَةً عَلَى مَا فَرَّطُوا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ «أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ» على ما لم يسم فاعله، ﴿أفمن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ مِثْلَهُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «أَسَّسَ» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فِيهِمَا، وَالْبُنْيَانُ: نُصِبَ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوًى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى الْكُفْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ بَنُوا مَسْجِدًا لِيَنْفَضَّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ مُصَلَّاهُمْ وَيَصِيرُوا إِلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ.
وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى تَقْوَى بِتَرْكِ التَّنْوِينِ إِلَّا عِيسَى بْنَ عُمَرَ فَإِنَّهُ نَوَّنَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «فَيُقْتَلُونَ وَيَقْتُلُونَ» يبدءان بالمفعول قبل الفاعلين.
والباقون يبدءون بِالْفَاعِلَيْنِ قَبْلَ الْمَفْعُولَيْنِ.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فِي قِرَاءَةِ مَنْ بَدَأَ بِالْمَفْعُولَيْنِ فَقَالَ: إِذَا قُتِلُوا كَيْفَ يَقْتُلُونَ؟ فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: قَتَلَ بَنُو تَمِيمٍ بَنِي أَسَدٍ، وَإِنَّمَا قُتِلَ بَعْضُهُمْ فَقَتَلَ الْبَاقُونَ الْقَاتِلِينَ.
[ ١٥٢ ]
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ «الَّذِينَ» بِغَيْرِ وَاوٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْوَاوِ «وَالَّذِينَ» وَكَذَلِكَ فِي مَصَاحِفِهِمْ «وَضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا» يَنْتَصِبُ بِشَيْئَيْنِ:
عَلَى الْمَصْدَرِ: لِأَنَّ اتِّخَاذَهُمْ مَسْجِدًا لِمَا قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ ضِرَارًا فَكَأَنَّهُ فِي التَّقْدِيرِ:
ضَارُوا ضِرَارًا، وَكَفَرُوا كُفْرًا وَفَرَّقُوا تَفْرِيقًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَجْعَلَهَا مَفْعُولَاتٍ كَأَنَّهُ فِي التَّقْدِيرِ: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا لِلضِّرَارِ وَالْكُفْرِ والتفريق، وكلا الوجهين حسن.
- وقوله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فريق منهم﴾.
فِيهِ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ:
قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «يَزِيغُ» بِالْيَاءِ، وَالْقُلُوبُ جَمْعٌ عَلَى تَذْكِيرِ «كَادَ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى التَّقْدِيمِ، وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ قُلُوبُ فَرِيقٍ تَزِيغُ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو «كَادَ تَزِيغُ» بِإِدْغَامِ الدَّالِ على التَّاءِ لِقُرْبِ الْمَخْرَجَيْنِ، يُقَالُ: زَاغَ قَلْبُهُ وَزَاغَ بَصَرُهُ وَزَاغَ الْقَوْمُ وَأَزَاغَهُمُ اللَّهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾. قَرَأَ عَمْرُو بْنُ فَايِدٍ «رَبَّنَا لَا تَزِغْ قُلُوبُنَا» جَعَلَ الْفِعْلَ لِلْقُلُوبِ، وَهَذَا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ «أَزَاغَ الله قلوبهم».
- وقوله تعالى: ﴿ليجدوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ فِي رِوَايَةِ الْمُفَضَّلِ، «غَلْظَةً» بِفَتْحِ الْغَيْنِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ.
وَقَرَأَ أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ، وَيُكْنَى أَبَا سَعْدٍ: «غُلْظَةً» بِالضَّمِّ وَهُنَّ لُغَاتٌ ثَلَاثٌ: غِلْظَةٌ وَغَلْظَةٌ وَغُلْظَةٌ بِمِعْنَى وَاحِدٍ، مِثْلُ: رِكْوَةٍ وَرِبْوَةٍ.
- وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿أولا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ «أَوَ لَا تَرَوْنَ» بِالتَّاءِ، أَيْ: أَنْتُمْ فَقَطْ، جَعَلَ الرؤية لمحمد -
[ ١٥٣ ]
ﷺ - وَأَصْحَابِهِ وَعِظَةً لَهُمْ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كل عام مرة أو مرتين» يَمْرَضُونَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَعِيَ أَبَدًا﴾ وَ﴿مَعِيَ عَدُوًّا﴾.
فَتَحَ الْيَاءَ فِيهِمَا كِلَيْهِمَا حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ.
وَأَسْكَنَهَا حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَابْنِ عَامِرٍ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو «مَعِيَ أَبَدًا» بِالْفَتْحِ «وَمَعِيَ عَدُوًّا» ساكنا (^١).
_________________
(١) قال ابن الجزري في النشر ص/ ٣١٥: «(وفيها من ياءات الإضافة ثنتان) (معي أبدا) أسكنها يعقوب وحمزة والكسائي وخلف وأبو بكر (معي عدوا) فتحها حفص والله المستعان».
[ ١٥٤ ]