يونس ﵇
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آلر﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «آلر» بِكَسْرِ الرَّاءِ.
وَكُلُّهُمْ يَقْصِرُ «آلر» فَمَنْ فَتَحَ فَعَلَى الْأَصْلِ، وَمَنْ كَسَرَ وَأَمَالَ فَتَخْفِيفًا، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ «يَا» وَ«تَا» وَغَيْرُهُمْ يَقُولُونَ «يَاءٌ» وَ«تَاءٌ» وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ «طَا» وَ«حَا» وَغَيْرُهُمْ يَقُولُونَ «طَاءٌ» وَ«حَاءٌ».
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ، أَعْنِي حُرُوفَ الْمُعْجَمِ يَجُوزُ تَذْكِيرُهَا وَتَأْنِيثُهَا وَفَتْحُهَا وَكَسْرُهَا وَمَدُّهَا وَقَصْرُهَا، كُلُّ ذَلِكَ صَوَابٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَسَاحِرٌ مبين﴾.
فَمَنْ قَرَأَ بِأَلِفٍ أَرَادَ النَّبِيَّ - ﷺ - وَمَنْ قَرَأَ بِغَيْرِ أَلِفٍ أَرَادَ: الْقُرْآنَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: سَاحِرَانِ ﴿تَظَاهَرَا﴾. وَ«سِحْرَانِ» فَ «سَاحِرَانِ» أَرَادَ مُوسَى وَمُحَمَّدًا ﵉، وَ«سِحْرَانِ» أَرَادَ التَّوْرَاةَ وَالْفُرْقَانَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالنُّونِ فَاللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِلَفْظِ الْجَمَاعَةِ، لِأَنَّهُ مَلِكُ الْأَمْلَاكِ.
وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَالتَّقْدِيرُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: اللَّهُ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ وَيُفَصِّلُ الْآيَاتِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ: «لَقَضَى إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ» بِفَتْحِ الْقَافِ، أَيْ: لَقَضَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ، وَحُجَّتُهُ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ﴾.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ» عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَكِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ حَسَنَةٌ، وَمِثْلُهَا قَوْلُهُ ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا الْمَوْتُ﴾ وَ«قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتُ».
[ ١٥٥ ]
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحْدَهُ فِي رواية قنبل «ضئاء» بِهَمْزَتَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: هُوَ غَلَطٌ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «ضِيَآءً» بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْأَلِفِ وَهُوَ الصَّوَابُ.
قال أبو عبد اللَّهِ: ضِيَاءٌ جَمْعُ ضَوْءٍ مِثْلُ بَحْرٍ وَبِحَارٍ فَالضَّادُ فَاءُ الْفِعْلِ وَالْوَاوُ عَيْنُ الْفِعْلِ، وَالْهَمْزَةُ لَامُ الْفِعْلِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ وَجَبَ أَنْ تَقُولَ: ضِوَاءٌ، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا كَمَا تَقُولُ: مِيزَانٌ وَمِيقَاتٌ، وَالْأَصْلُ: مِوْزَانٍ وَمِوْقَاتٍ، وَكَمَا قَالُوا:
سِيَاطٌ وَحِيَاضٌ، وَالْأَصْلُ: سِوَاطٍ وَحِوَاضٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الضِّيَاءُ مَصْدَرًا مِثْلَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَقَدْ حُكِيَ ضِوَاءٌ قَالُوا: عَلَى الْأَصْلِ لُغَةً، وَمِنْهُ صَامَ صِيَامًا وَقَامَ قِيَامًا وَالْأَصْلُ: صِوَامٌ وَقِوَامٌ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً فَاعْرَفْ ذَلِكَ.
وَكَأَنَّ ابْنَ كَثِيرٍ شَبَّهَ «ضِئَآءً» حَيْثُ قَرَأَ بهمزتين بقول «رِئَآءَ النَّاسِ» فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «ضِئَآءً» مَصْدَرًا لِقَوْلِهِمْ: ضَاءَ الْقَمَرُ يَضُوءُ ضَوْءًا وَضِئَاءً كَمَا تَقُولُ: قَامَ يَقُومُ قِيَامًا، وَالِاخْتِيَارُ أَضَاءَ الْقَمَرُ يضيء إِضَاءَةً، وَزَادَ اللَّحْيَانِيُّ ضِوَاءَ الْقَمَرِ لُغَةً ثَالِثَةً، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾.
فإن سأل سائل فقال: لم قال الله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: قَدَّرَهُمَا؟
فَفِي ذَلِكَ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْهَاءَ تَعُودُ عَلَى الْقَمَرِ فَقَطْ، إِذَا كَانَ يُعْلَمُ بِهِ انْقِضَاءُ السَّنَةِ وَالشُّهُورِ وَالْحِسَابِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ قَدَّرَهُمَا فَاجْتَزَى بِأَحَدِهِمَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾. أَنْشَدَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ:
رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي بَرِيئًا مِنْ أَجْلِ الطَّوِيِّ رَمَانِي
وَلَمْ يَقُلْ: بَرِيئَيْنِ، وَيُرْوَى وَمِنْ جُولٍ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالْجُولُ وَالْجَالُ: جَانِبُ الْبِئْرِ، وَمَعْنَى هَذَا الْبَيْتِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي شَتَمَنِي وَقَذَفَنِي يَرْجِعُ مَغَبَّةُ فِعْلِهِ عَلَيْهِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَابْنِ عَامِرٍ بِرِوَايَةِ هِشَامٍ «وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ» بِالْفَتْحِ، مَعْنَاهُ: وَلَا أَعْلَمَكُمْ بِهِ، مِنْ درى يدري.
وقرأ الباقون بالإمالة «أدريكم» مِنْ أَجْلِ الرَّاءِ وَالْيَاءِ، فَمَنْ فَخَّمَ فَعَلَى أصل الكلمة،
[ ١٥٦ ]
وَكَانَ الْأَصْلُ: «أَدْرِيكُمْ» فَانْقَلَبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا فَهِيَ أَلِفٌ فِي اللَّفْظِ يَاءٌ فِي الْخَطِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾.
وَالْأَصْلُ: يَتَوَفَيَهُنَّ.
وَفِيهَا قِرَاءَةٌ ثَالِثَةٌ: حَدَّثَنِي أحمد بن عبدان، عن علي، عن أبي عُبَيْدٍ أَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ قَرَأَ: «وَلَا أَدْرَأْتُكُمْ بِهِ» بِالْهَمْزِ وَالتَّاءِ.
قَالَ النَّحْوِيُّونَ: هُوَ غَلَطٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَهْمِزُ بَعْضَ مَا لَا يُهْمَزُ تَشْبِيهًا بِمَا يُهْمَزُ فَيَقُولُونَ: حَلَّأْتُ السَّوْقَ وَالْأَصْلُ: حَلَّيْتُ تَشْبِيهًا بِحَلَأْتُ الْإِبِلَ عَنِ الْمَاءِ، يَقُولُونَ:
رَثَأْتُ الْمَيِّتَ وَالْأَصْلُ: رَثَيْتُ تَشْبِيهًا بِالرَّثِيئَةِ، وَهِيَ اللَّبَنُ، وَيَقُولُونَ: لَبَأْتُ لِفُلَانٍ، وَالْأَصْلُ لَبَيْتُ تَشْبِيهًا بِاللَّبَاءِ، وَيَقُولُونَ: نَشِئْتُ رِيحًا وَأَصْلُهُ تَرْكُ الْهَمْزَةِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: «اهْتَزَّتْ وَرَبَأَتْ» تَشْبِيهًا بِالرَّبِيئَةِ، وَهُوَ مِنْ رَبَأْتُ الْقَوْمَ: إِذَا كُنْتُ لَهُمْ حَافِظًا وَعَيْنًا.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةِ قُنْبُلٍ: «وَلَأَدْرَاكُمْ» بِغَيْرِ مَدٍّ، لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى مَدَّ حَرْفٍ بِحَرْفٍ مِثْلَ: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وَالْبَاقُونَ يَمُدُّونَ، وَهُوَ الصَّوَابُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ بِالْيَاءِ هَاهُنَا وَحَرْفَيْنِ فِي النَّحْلِ وَفِي الرُّومِ وَقَرَأَ فِي النَّمْلِ بِالتَّاءِ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْقُرَّاءُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ كُلَّ ذَلِكَ بِالْيَاءِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّاءِ كُلَّ ذَلِكَ.
فَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ جَعَلَ الإِخْبَارَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ غَيْبٌ، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ أَيْ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا تُشْرِكُونَ يَا كَفَرَةُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُسَيِّرُكُمْ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «يَنْشُرُكُمْ» بِالشِّينِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «يُسَيِّرُكُمْ» بِالسِّينِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ.
فَالشُّينُ مِنَ النَّشْرِ، وَمِنْهُ نَشَرْتُ الثَّوْبَ وَمَعْنَاهُ: يَبْسُطُكُمْ عَنِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَيُنْبِتُكُمْ، وَشَاهِدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وَ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ والسين من السير، وشاهده ﴿سيروا﴾ و«أولم يَسِيرُوا» وَاخْتَارَهَا بِغَيْرِ التَّاءِ لِقَوْلِهِ: «جَرَيْنَ» وَقَالَ:
[ ١٥٧ ]
لِأَنَّهُمَا أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ وَالْوَجْهَانِ مُخْتَارَانِ.
وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي النَّشْرِ لِغَيْرِ هَذَا بِسَيْرٍ وَغَيْرِهِ.
- وَقَوْلُهُ: ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
رَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «مَتَاعَ» بِالنَّصْبِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَنْ تَجْعَلَهُ خَبْرَ: «إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعُ».
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَتِمَّ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ثُمَّ تَبْتَدِئُ:
﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. عَلَى تَقْدِيرِ: هُوَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ﴾ أَيْ: هِيَ النَّارُ، وَمَتَاعٌ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ وَمِثْلُهُ الْأَثَاثُ، وَالْمَتَاعُ فِي اللُّغَةِ: كُلُّ مَا الْتُذَّ بِهِ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَرَحَلْتَ مِنْ سَلْمَى بِغَيْرِ مَتَاعِ قَبْلَ الْفِرَاقِ وَرُعْتَهَا بِوَدَاعِ
قَالَ: مَعْنَى «بِغَيْرِ مَتَاعٍ» هُنَا: قُبْلَةٌ كَانَتْ وَعَبْرَتُهُ، وَيُقَالُ: مَتَاعٌ وَأَمْتِعَهٌ وَأَثَاثٌ وَأَثَثَةٌ، وَقِيلَ: أَثَاثٌ وَأَثَثٌ، وَقِيلَ: أَثَاثَةٌ وَاحِدٌ، وَالْجَمْعُ: أُثَاثٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: أُثَاثٌ وَأُثُثٌ وَآثَاثٌ وَآثَّةٌ، وَمِتَاعٌ وَأَمْتِعَةٌ وامِّتَاعٌ وَمُتُعٌ وَحُجَّةُ حَفْصٍ فِي نَصْبِ «مَتَاعٍ» أَنَّهُ جَعَلَهُ حَالًا وَقَطْعًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَالْكِسَائِيُّ «قِطَعًا» بِإِسْكَانِ الطَّاءِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ وَمَعْنَاهُ بِسَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ تَقُولُ الْعَرَبُ: مَضَى هَزِيعٌ مِنَ اللَّيْلِ، وَطَبِيقٌ من الليل، ووهل مِنَ اللَّيْلِ، وَقِطَعٌ مِنَ اللَّيْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ: قِطَعًا فَأَسْكَنَ كَمَا تَقُولُ:
نِطْعٌ، وَالْأَصْلُ نِطَعٌ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «قِطَعًا» جَمْعُ قِطْعَةٍ مِثْلَ كِسْرَةٍ وَكِسَرٍ وَكِسْفَةٍ وَكِسَفٍ وَقَالَ الْفَرَّاءُ ﵁: «بِقُطُعٍ مِنَ اللَّيْلِ» جَمْعُهُ أْقَطَاعٌ، وَقَالَ الْخَلِيلُ ﵁: الْقِطْعُ طَائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ وَأَنْشَدَ:
افْتَحِي الْبَابَ فَانْظُرِي فِي النُّجُومِ كَمْ عَلَيْنَا مِنْ قِطْعِ لَيْلٍ بهيم
- وقوله تعالى: ﴿هنالك تبلوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بالتاء، «تتلو» من التلاوة.
[ ١٥٨ ]
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْبَاءِ وَحُجَّتُهُمْ: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾.
- وقوله تعالى: ﴿كذلك حقت كلمة رَبِّكَ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ «كَلِمَاتُ» بِالْجَمْعِ، وإنما أختار ذَلِكَ لِأَنَّهَا فِي الْمُصْحَفِ مَكْتُوبَةٌ بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّوْحِيدِ وَ«أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنْ «كَلِمَةُ».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «أَمَّنْ لَا يَهْدِي» بِإِسْكَانِ الْهَاءِ، خَفِيفَةَ الدَّالِ، مِنْ هَدَى يَهْدِي هِدَايَةً.
وَقَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ وَرْشٍ، وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو «أَمَّنْ لَا يَهَدِّي» بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، أَرَادُوا يَهْتَدِي فَنَقَلُوا فَتْحَةَ التَّاءِ إِلَى الْهَاءِ فَأَدْغَمُوُا التَّاءَ فِي الدَّالِ، وَاحْتَجُّوا بِقِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَمَّنْ لَا يَهْتَدِي إِلَّا أَنْ يُهْدَى» وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ اللَّهَ وَبَّخَهُمْ لِعِبَادَةِ مَنْ لَا يُحْسِنُ التَّنَقُّلَ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ حَتَّى يُنْقَلَ، وَلَا يَهْتَدِي إِلَّا حَتَّى أَنْ يُهْدَى.
وَقَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بَكْرٍ «أَمَّنْ لَا يَهِدِّي» بِكَسْرِ الْيَاءِ وَالْهَاءِ، أَرَادَ: يَهْتَدِي أَيْضًا فَأَدْغَمَ التَّاءَ فِي الدَّالِ، فَالْتَقَى سَاكِنَانِ فَكَسَرَ الْهَاءَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَكَسَرَ الْيَاءَ لِمُجَاوَرَةِ الْهَاءِ، كَمَا قِيلَ فِي رَمِيٍّ رِمِيٌّ وَفِي مُنْتِنٍ مِنْتِنٌ.
وَرَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «يَهِدِّي» بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَتَفْسِيرُهُ كَتَفْسِيرِ الْأَوَّلِ.
وَرَوَى قَالُونٌ عَنْ نَافِعٍ: «أَمَّنْ لَا يَهْدِّي» بِإِسْكَانِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ وَهُوَ رَدِيءٌ، لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا حَرْفَ لِينٍ.
قَالَ الْأَخْفَشُ: الْعَرَبُ تَقُولُ: فُلَانٌ يَحْتَجِمُ وَيُحَجَّمُ وَيَحْجِمُ وَيَحْجُمُ وَيَحِجِّمُ فَأَمَّا مَا رَوَى الْيَزِيدِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ يُسْكِنُ الْهَاءَ وَيُشِمُّهَا الْفَتْحَةَ فَتَرْجَمَةٌ غَلَطٌ، لِأَنَّ السُّكُونَ ضِدَّ الْحَرَكَةِ وَهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فَكَأَنَّ أَبَا عَمْرٍو أَخْفَى الْفَتْحَةَ فَتَوَهَّمَ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ أَسْكَنَ وَلَمْ يُسْكِنْ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «فليفرحوا» بالياء، عَلَى أَصْلِ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ للغائب والحاضر فلا بد مِنْ لَامٍ تَجْزِمُ الْفِعْلَ، كَقَوْلِكَ: لِيَقُمْ زَيْدٌ، ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ﴾
[ ١٥٩ ]
﴿سَعَتِهِ﴾ وَكَذَلِكَ إِذَا قُلْتَ قُمْ وَاذْهَبْ وَالْأَصْلُ: لتقم ولتذهب بإجماع النحويين، غير أن المواجه كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فَحُذِفَتِ اللَّامُ اخْتِصَارًا وَاسْتَغْنَوْا بِ «افْرَحُوا» عَنْ «لِتَفْرَحُوا» وَبِ «قُمْ» عَنْ «لِتَقُمْ» وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ «فَبِذَلِكَ فَافْرَحُوا» فَأَمَّا اللَّامُ مِنَ الْغَائِبِ فَلَا يَجُوزُ حَذْفُهَا إِلَّا فِي ضَرُورَةِ شِعْرٍ كَمَا قَالَ:
مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ أَمْرٍ تبالا
وكذلك قرأ الْبَاقُونَ: «فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا» بِالْيَاءِ عَلَى أَمْرِ الْغَائِبِ وَشَاهِدُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَمَعْنَاهُ: فَبِذَلِكَ يَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فَلْتَفْرَحُوا أَيْ: بِالْقُرْآنِ وَهُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُ الْكَافِرُونَ، لِأَنَّ قَبْلَ الْآيَةِ: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي:
الْقُرْآنَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ: «وَمَا يَعْزِبُ» بِكَسْرِ الزَّايِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ، وَهُمَا لُغَتَانِ «يَعْزُبُ» وَ«يَعْزِبُ» مِثْلَ عَكَفَ يَعْكُفُ وَيَعْكِفُ، وَمَعْنَى لَا يَعْزُبُ عَنْهُ: لَا يَبْعُدُ عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ دَقَّ أَوْ جَلَّ، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾.
قَرَأَهُمَا حَمْزَةُ بِرَفْعِ الرَّاءِ فِيهِمَا رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾. لِأَنَّ مَوْضِعَ «مِثْقَالِ» رَفْعٌ قَبْلَ دُخُولِ «مِنْ» لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ وَالتَّقْدِيرُ، لَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ وَلَا أَصْغَرُ وَلَا أَكْبَرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِهِ﴾.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى أَنَّهُمَا مَوْضِعُ خَفْضٍ إِلَّا أَنَّهُمَا لَا يَنْصَرِفَانِ لِأَنَّ أَفْعَلَ إِذَا كَانَ صِفَةً أَوْ لَمْ يَنْصَرِفْ، وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ وَلَا مِنْ أَصْغَرَ وَلَا مِنْ أَكْبَرَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾.
رَوَى خَارِجَةُ، عَنْ نَافِعٍ «فَاجْمَعُوا» بِوَصْلِ الْأَلِفِ مِنْ جَمَعْتُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «فَأَجْمِعُوا» مِنْ أَجْمَعْتُ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: أَجْمَعْتُ عَلَى الْأَمْرِ إِذَا أَحْكَمْتُهُ وَعَزَمْتُ عَلَيْهِ، أَنْشَدَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ ﵁:
يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى لَا تَنْفَعُ هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْمًا وَأَمْرِي مجمع
[ ١٦٠ ]
فَهَذَا مِنْ أَجْمَعْتُ، وَلَوْ كَانَ مِنْ جَمَعْتُ لَكَانَ مَجْمُوعًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَشُرُكَاءَكُمْ» فَقَرَأَ الْقُرَّاءُ بِالنَّصْبِ قَالَ الْفَرَّاءُ: نَصَبَهُ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ وَالتَّقْدِيرُ: فَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ وَادْعُوا شُرُكَاءَكُمْ.
وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: هُوَ مَفْعُولٌ مَعَهُ، لِأَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى «مَعَ» والتقدير: فاجمعوا أمركم مع شركائكم.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَحْدَهُ «وَشُرُكَاؤُكُمْ» بِالرَّفْعِ فَعَطَفَ ظَاهِرًا عَلَى مَكْنِيٍّ مَرْفُوعٍ، وَإِنَّمَا صَلُحَ ذَلِكَ حَيْثُ فَصَلَ بَيْنَهُمَا الْمَفْعُولُ فَنَابَ عَنِ التَّأْكِيدِ، وَالتَّأْكِيدُ أَنْ تَقُولَ: فَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرُكَاؤُكُمْ.
كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ شَاهِدًا لِأَجْمَعُوا بِقَطْعِ الْأَلِفِ.
أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ بِلَيْلٍ فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «آلسِّحْرُ» بِالْمَدِّ جَعَلَ «مَا» بِمَعْنَى أَيْ وَالتَّقْدِيرُ: أَيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ آلسِّحْرُ هُوَ؟ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ وَهَذِهِ الْأَلِفُ تَوْبِيخٌ فِي لَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ فَهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ سِحْرٌ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ» أَيِ: الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، وَ«مَا» ابْتِدَاءٌ وَ«جِئْتُمْ بِهِ» صِلَتُهُ، وَ«السِّحْرُ» خَبَرُ الِابْتِدَاءِ كَمَا تَقُولُ: الَّذِي مَرَرْتُ بِهِ زَيْدٌ، وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَفِي قِرَاءَتِنَا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَكُلُّ نَكِرَةٍ إِذَا أُعِيدَتْ صَارَتْ مَعْرِفَةً، وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ: «مَا أَتَيْتُمْ بِهِ السِّحْرُ».
وَحَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٌ، عَنِ السِّمَّرِيِّ، عَنِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: يَجُوزُ فِي النَّحْوِ «مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرَ» بِالنَّصْبِ، عَلَى أَنْ يَجْعَلَ «مَا» شَرْطًا، وَجَوَابُهُ الْفَاءُ مُضْمَرَةٌ فِي قَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عمل المفسدين» وتلخيصه: إن اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ بِرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ «تَتَّبِعَانِ» بِتَخْفِيفِ النُّونِ.
وَالْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِهَا، وَهِيَ النُّونُ الَّتِي تَدْخُلُ لِلتَّوْكِيدِ وَالنَّهْيِ تَكُونُ مُخَفَّفَةً وَمُشَدَّدَةَ التَّاءِ مِنْ تَبِعَ يَتْبَعُ.
[ ١٦١ ]
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الذي آمنت به بنوا إِسْرَائِيلَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، «إِنَّهُ» بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ فَيَكُونُ الْوَقْفُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عَلَى «آمَنْتُ» تَامًّا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «آمَنْتُ أَنَّهُ» عَلَى تَقْدِيرِ: آمَنْتُ بِأَنَّهُ فَلَمَّا سَقَطَ الْخَافِضُ عَمِلَ الْفِعْلُ فَنَصَبَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ وَرْشٍ «آلَانَ» بِفَتْحِ اللَّامِ وَإِسْقَاطِ الْهَمْزَةِ نَقَلَ فَتْحَةَ الْهَمْزَةِ إِلَى اللَّامِ وَحَرَّكَ الْهَمْزَةَ تَخْفِيفًا كَمَا قَرَأَ: «قَدْ أَفْلَحَ» يُرِيدُ: قَدْ أَفْلَحَ، وَغَيْرُهُ لَا يَنْقِلُ وَلَكِنْ يَهْمِزُ بَعْدَ اللَّامِ.
وَاخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي «الْآنَ» فَقَالَ الْفَرَّاءُ ﵀ أَصْلُهُ: أَوَان فَقَلَبُوُا الْوَاوَ أَلِفًا، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: آنَ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا أَيْ: حَانَ لَكَ، فَيَكُونُ فِعْلًا مَاضِيًا فَلَمَّا دَخَلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَيْهِ تَرَكُوهُ عَلَى فَتْحِهِ كَمَا قَالُوا: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَمَنْعٍ وَهَاتٍ» وَأَنْشَدَ:
تَفَقَّأَ فَوْقَهُ الْقِلَعُ السَّوَارِي وَجُنَّ الْخَازِبَازِ بِهِ جُنُونًا
فَ «خَازِبَازِ» مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وُحُكْمُ مَا كَانَ مَبْنِيًّا إِذَا أُضِيفَ أَوْ دَخَلَهُ أَلِفٌ وَلَامٌ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ الْبِنَاءُ وَيُعْرَبُ، فَهَذَا الشَّاعِرُ، أَدْخَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ وَبَقِيَ الِاسْمُ مَبْنِيًّا.
وَالْخَازِبَازِ: الذُّبَابُ، وَالْخَازِبَازُ: صَوْتُ الذُّبَابِ، وَالْخَازِبَازِ: دَاءٌ يَأْخُذُ فِي الْوَجْهِ فَيُقَبِّحُهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا خَازِبَازِ أَرْسِلِ اللَّهَازِمَا
بَنَاهُ عَلَى الْكَسْرِ وَفِيهِمَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ كَمَا قَالَ الْآخَرُ:
وَإِنِّي حُبِسْتُ الْيَوْمَ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ بِبَابِكَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ
تَرَكَ أَمْسِ مَبْنِيًّا عَلَى الْكَسْرِ مَعَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ.
[ ١٦٢ ]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ خَالَوَيْهِ ﵁:
وَفِيهِ لُغَاتٌ: الْخَازِبَازِ، وَالْخَازِبَازَ، وَالْخَازِبَازُ، وَالْخُزْبَاءِ، وَالْخِزْبَازَ، وَالْخَازِبَاءَ، سِتُّ لُغَاتٍ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ ﵀: الْآنَ: إِشَارَةٌ إِلَى وَقْتٍ أَنْتَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ هَذَا، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ تَدْخُلُ لِعَهْدٍ تَقَدَّمَ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَى الْآنَ لِغَيْرِ عَهْدٍ تُرِكَ مَبْنِيًّا.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ويوم نحشرهم﴾ على خمس وأربعين:
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ بِالْيَاءِ إِخْبَارًا عن الله تعالى وقرأ الباقون بالنون يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ «نُنْجِ» خَفِيفَةً مِنْ أَنْجَى يُنْجِي وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «نُنَجِّي» مُشَدَّدًا مِنْ نَجَّى يُنَجِّي وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلَ كَرَّمَ وَأَكْرَمَ، غَيْرَ أَنَّ التَّشْدِيدَ الِاخْتِيَارُ، لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى التشديد الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ الثَّانِي مِثْلَهُ، وَقَدْ كُتِبَتَا بِنُونَيْنِ.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ بِالنُّونِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ.
وَالرِّجْسُ وَالرِّجْزُ جَمِيعًا: الْعَذَابُ كَمَا يُقَالُ: الْأَزَدُ وَالْأَسَدُ، وَفُلَانٌ يُزْدِي وَيُسْدِي إِلَى فُلَانٍ خَيْرًا، وَقَالَ آخَرُونَ: الرِّجْزُ: الْعَذَابُ، وَالرِّجْسُ: الْنَتْنُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبُوءَا لِقَوْمِكُمَا﴾.
اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى هَمْزَه فِي الدَّرَجِ، لِأَنَّهُ مِنْ بَوَّأَ يُبَوِّئُ إِذَا أَنْزَلَ نزل ﴿لنبوئنهم من الجنة غرفا﴾، ﴿والذين تبوؤا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْفِ فَكَانَ حَمْزَةُ يَقِفُ «تَبَوَّا» بِغَيْرِ هَمْزٍ، يُشِيرُ بِصَدْرِهِ، وَوَقَفَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ: «أَنْ تَبَوَّيَا» بِيَاءٍ.
وَالْبَاقُونَ يَقِفُونَ كَمَا يَصِلُونَ عَلَى لَفْظِ الِاثْنَيْنِ بالهمز.
[ ١٦٣ ]
وفي هذه السورة من الياءات المختلف فيها.
«لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي»، «إِنِّي أَخَافُ».
«أَيْ وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ»، «إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ» فَتَحَهُنَّ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو.
وَفَتَحَ ابْنُ كَثِيرٍ «لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ» وَ«إِنِّي أَخَافُ» وَفَتَحَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَاحِدَةً «إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا» وَأَسْكَنَهُنَّ الْبَاقُونَ (^١).
_________________
(١) قال ابن الجزري في النشر ص/ ٣١٧: «(وفيها من ياءات الإضافة) خمس (لي أن إبداله من؛ إني خاف) فتحهما المدنيان وابن كثير وأبو عمرو (نفسي إن، وربي إنه) فتحهما المدنيان وأبو عمرو (أجري إلا) فتحها المدنيان وأبو عمرو وابن عامر وحفص. (وفيها زائدة) (تنظرون) أثبتها في الحالين يعقوب».
[ ١٦٤ ]