النَّحْلُ
وَالْيَاءُ خَفِيفًا وَكَأَنَّهُ اسْمٌ عَجَمِيٌّ «جُودَى» مِثْلَ حُبْلَى وَقَالَ: وَالْعَرَبُ تَقْلِبُ مِثْلَ هَذِهِ الْيَاءِ فِي الْأَسْمَاءِ الْأَعْجَمِيَّةِ أَلِفًا إِذَا عَرَّبُوهُ «شَتِي»، «مَاهِي» وَ«شَاهِي» فَيَقُولُونَ «سَتَا» وَ«شَاهَا» وَ«مَاهَا»، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا، أَيْ: جُودِي بِالْمَطَرِ، ثُمَّ دَخَلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فَبَقِيَتِ اللَّفْظَةُ، وَقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ فِي أَلْفَاظٍ عَنِ الْعَرَبِ دُخُولُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَى الْأَفْعَالِ «الْيُتَقَصَّعُ» وَ«الْيُتَتَبَّعُ» وَ«اليجدع».
- قوله تعالى: ﴿شركائي الَّذِينَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِرِوَايَةِ الْبَزِّيِّ، فِي رِوَايَةِ شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ «شُرَكَايْ» غَيْرَ مَمْدُودٍ مثل هداي وبشراي.
وقرأ الباقون «شركائي الَّذِينَ» لِأَنَّ شُرَكَاءَ مَدَّتُهَا مِثْلُ فُقُهَاءَ وَسُفَهَاءَ، ثُمَّ أَضَفْتُهَا إِلَى يَاءِ النَّفْسِ، وَهِيَ مَفْتُوحَةٌ.
فَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنُ كَثِيرٍ، فَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: لَا وَجْهَ لَهَا.
وَقَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ: سَأَلْتُ أَبَا عَمْرٍو عَنْهَا فَقَالَ: لَحَنَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَلَهُ وَجْهٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَثْقِلُ الْهَمْزَةَ فِي الِاسْمِ الْمُنْفَرِدِ فَلَمَّا اجْتَمَعَ في «شركائي» أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ كُلُّهَا مُسْتَثْقَلَةٌ: الْجَمْعُ، وَالْهَمْزَةُ وَالْكَسْرَةُ، وَالْيَاءُ، خُزِلَ الْهَمْزُ تَخْفِيفًا، وَكُلُّ مَدَّةٍ فَهِيَ زَائِدَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ شَاعِرٍ إِذَا احْتَاجَ إِلَى قَصْرِ الْمَمْدُودِ حَذَفَ الْمَدَّةَ غَيْرَ متهيب كقول الشاعر:
لا بد مِنْ صَنْعَا وَإِنْ طَالَ السَّفَرُ
وَصَنْعَاءُ مَمْدُودٌ وَقَالَ آخَرُ:
فَلَوْ أَنَّ الْأَطِبَّا كَانَ حَوْلِي وَكَانَ مَعَ الْأَطِبَّاءِ الْأُسَاةِ
أَرَادَ: فَلَوْ أَنَّ الْأَطِبَّاءَ، فَهَذَا وَاضِحٌ بَيِّنٌ، وَيَزِيدُهُ وُضُوحًا أَنَّ الْمَمْدُودَ يَجُوزُ أَنْ تَقِفَ عَلَيْهِ مَقْصُورًا بِحَذْفِ الْمَدَّةِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ بِالْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، وَالْأَمْرُ بينهما قريب كقوله «فنادته الملائكة» و«فناداه
[ ٢٠٥ ]
الْمَلَائِكَةُ» وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْغَلَّةَ فِيمَا سَلَفَ.
وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ قَالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾. وَلَمْ يَقُلْ:
«قَالَ».
وحمزة والكسائي يميلان «تتوفاهم» مِنْ أَجْلِ الْيَاءِ الَّتِي تَرَاهَا فِي اللَّفْظِ أَلِفًا، وَفَخَّمَهَا الْبَاقُونَ قَالُوا: لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلِفَ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْيَاءِ، وَالْأَصْلُ: تَتَوَّفَيَهُمُ فَاسْتَثْقَلُوُا الضَّمَّةَ عَلَى الْيَاءِ فَحَذَفُوهَا فَصَارَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، وَالْعِلَّةُ فِي الْيَاءِ وَالتَّاءِ كَالْعِلَّةِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يَضِلُّ﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: «لَا يَهْدِي» بِفَتْحِ الْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «يُهْدَى» بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَعْنِي السَّبْعَةُ وَلَا أَحَدٌ فِي الْيَاءِ مِنْ «يُضِلُّ» أَنَّهَا مَضْمُومَةٌ مَكْسُورَةُ الضَّادِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالضَّمِّ فِي «يُهْدَى» فَالتَّقْدِيرُ: مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ لَا يَهْدِيهِ أَحَدٌ، وَاحْتَجُّوا بِقِرَاءَةِ أُبَيٍّ: «لَا هَادِيَ لِمَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ» فَاسْمُ اللَّهِ تَعَالَى اسْمُ «إِنَّ» وَ«يُضِلُّ» الْخَبَرُ.
وَمَنْ فَتَحَ فَالتَّقْدِيرُ: مَنْ يَهْدِهِ لَا يُضِلُّهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَابْنُ عَامِرٍ بِالنَّصْبِ نَسَقًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ﴾
وَكَذَلِكَ فِي يس.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ عَلَى مَعْنَى: إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ له كن فهو يكون.
- وقوله تعالى: ﴿أولم يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ فِي الْعَنْكَبُوتِ.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّاءِ جَمِيعًا عَلَى الْخِطَابِ.
وَقَرَأَهَا الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ إِخْبَارًا عَنْ غَيْبٍ وَتَوْبِيخًا لَهُمْ، لِأَنَّ الْأَلِفَ فِي «ألم» أَلِفُ تَوْبِيخٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَبَّخَهُمْ كَيْفَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَيُنْكِرُونَ الْبَعْثَ وَيُعْرِضُونَ عَنْ
[ ٢٠٦ ]
آياته، «ألم يروا إلى الطير مسخرات»، «أ ﴿لم يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ» إِلَّا عَاصِمًا فَإِنَّهُ قرأ في النحل بالياء وفي العنكبوت بالتاء اختلف عنه.
- وقوله تعالى: ﴿يتفيؤا ظِلَالُهُ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، فَمَنْ أَنَّثَ فَلِتَأْنِيثِ الظِّلَالِ، لِأَنَّهُ جَمْعُ ظِلٍّ، وَكُلُّ جَمْعٍ خَالَفَ الْآدَمِيِّينَ فَهُوَ مُؤَنَّثٌ تَقُولُ: هَذِهِ الْأَمْطَارُ وَهَذِهِ الْمَسَاجِدُ.
وَمَنْ ذَكَّرَ فَالظِّلَالُ، وَإِنْ كَانَ جَمْعًا، فَإِنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الْوَاحِدِ مِثْلَ جِدَارٍ، لِأَنَّ جَمْعَ التَّكْسِيرِ يُوَافِقُ الْوَاحِدِ.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا عمرو لا حجة عليه إذا أنث «تتفيأ ظِلَالُهُ» فَلِمَ لَمْ يُؤَنِّثْ كَمَا أَنَّثَ ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾.
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ عَلَامَةَ التَّأْنِيثِ فِي «الظُّلُمَاتِ» حَاضِرَةٌ فَقَرَأَهَا بِالْيَاءِ، وَفِي الظِّلَالِ الْعَلَامَةُ مَعْدُومَةٌ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِذَلِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾.
روى حفص عن عاصم «نوحي إليهم».
روى حفص عن عاصم «نوحي إِلَيْهِمْ» بِالنُّونِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، اللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يُوحَى» عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ يُمِيلَانِ، لِأَنَّ الْأَلِفَ مُنْقَلِبَةٌ مِنْ يَاءٍ، الْأَصْلُ: «يُوحِي» فَانْقَلَبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا.
وَالْبَاقُونَ يُفَخِّمُونَ عَلَى اللَّفْظِ، لِأَنَّ الْإِمَالَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ مِنْ أَجْلِ الْيَاءِ، فَإِذَا زَالَتْ صُورَتُهَا زَالَتِ الْإِمَالَةُ.
وَالْعَرَبُ تَقُولُ: وَحَيْتُ إِلَيْهِ وَأَوْحَيْتُ، وَوَحَيْتُ لَهُ، وَأَوْحَيْتُ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾.
بِفَتْحِ الرَّاءِ، جَعَلَهُمْ مَفْعُولَيْنِ، لِأَنَّهُ فِي التَّفْسِيرِ ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ أَيْ: مَنْسِيُّونَ، قال أَبُو عَمْرٍو: مُقَدَّمُونَ إِلَى النَّارِ.
[ ٢٠٧ ]
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «مُفْرِطُونَ» بِكَسْرِ الرَّاءِ كَأَنَّهُ جَعَلَ الْفِعْلَ لَهُمْ، أَيْ أَفْرَطُوا فِي الْكُفْرِ وَفِي الْعُدْوَانِ يُفَرِّطُونَ إِفْرَاطًا فَهُمْ مُفْرِطُونَ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «مُفْرَطُونَ» أَيْ: مَنْسِيُّونَ مُمَهَّلُونَ مَتْرُوكُونَ.
وَقِرَاءَةٌ ثالثة: حدثني أحمد بن عبدان عن علي عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ قَرَأَ: «وَأَنَّهُمْ مُفَرِّطُونَ» وَمَعْنَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ أَيْ: مُقَصِّرُونَ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِبَادَةِ، يُقَالُ: فُلَانٌ فَرَّطَ فِي الْأَمْرِ: قَصَّرَ، وَأَفْرَطَ: جَاوَزَ الْحَدَّ، وَمُضَارِعُ فَرَّطَ يُفَرِّطُ تَفْرِيطًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يا حسرتى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: فَرَّطَ فُلَانٌ الْقَوْمَ إِذَا تَقَدَّمَهُمْ فَهُوَ فَارِطٌ، وَالْجَمْعُ فُرَّاطٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
فَاسْتَعْجَلُونَا وَكَانُوا مِنْ صَحَابَتِنَا كَمَا تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ
وَمِنْ ذلك حديث رسول الله - ﷺ -: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ»
أَيْ: أَتَقَدَّمُكُمْ، وَرَوَى النَّابِغَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: «أنا والنبيون فراط لقاصفين» أَيْ: لِلْمُذْنِبِينَ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أبي بكر وابن عامر «نسقيكم» بفتح النون وَكَذَلِكَ فِي قَدْ أَفْلَحَ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ.
فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ قَوْمٌ: سَقَى وَأَسْقَى لُغَتَانِ وَأَنْشَدُوا:
سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وَأَسْقَى نُمَيْرًا وَالْقَبَائِلَ مِنْ هِلَالِ
وَقَالَ آخَرُونَ سَقَيْتُهُ مَاءً لِشَفَتِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ وَأَسْقَيْتُهُ:
سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَهُ، وَأَنْشَدُوا لِذِي الرُّمَّةِ:
وَقَفْتُ عَلَى رَبْعٍ لِمَيَّةَ نَاقَتِي فَمَا زِلْتُ أَبْكِي عِنْدَهُ وَأُخَاطِبُهْ
وَأَسْقِيهِ حَتَّى كَادَ مِمَّا أَبُثُّهُ تُكَلِّمُنِي أَحْجَارُهُ وَمَلَاعِبُهْ
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: أَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْأَنْهَارِ وَبُطُونِ الْأَنْعَامِ فَبِالضَّمِّ.
وَفِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ: ذَكَرَ أبو عبيدة، قَالَ: مَا سَقَى مَرَّةً وَاحِدَةً، قُلْتُ: سَقَيْتُهُ شَرْبَةً، وَمَا كَانَ دَائِمًا قُلْتُ: أَسْقَيْتُهُ كَقَوْلِكَ: أَسْقَيْتُهُ غَيْرَ مَاءٍ.
[ ٢٠٨ ]
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَبِنَعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ بِالتَّاءِ، أَيْ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: أَفَمِنْ أَجْلِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أَشِرْتُمْ وَبَطَرْتُمْ وَجَحَدْتُمْ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، اللَّهُ تَعَالَى يُوَبِّخُهُمْ عَلَى جُحُودِهِمْ، وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ هَذَا الْحَرْفَ، عَنْ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ، لَا عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، وَلَعَلَّهُ غَلِطَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَعْرِشُونَ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عَامِرٍ بِضَمِّ الرَّاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ عِلَّتَهُ فِي الْأَعْرَافِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾. قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَابْنُ عَامِرٍ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ ظَعَنَ زَيْدٌ ظَعْنًا وَظَعَنًا، وَطَعَنَ بِالرُّمْحِ طَعْنًا وَطَعَنًا فِي نَسَبِهِ طِعَانًا، وَضَرَبَ ضَرْبًا وَالْفِعْلُ أَصْلٌ لِكُلِّ مَصْدَرٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يَوْمَ ظَعْنِكُمْ» بِالْفَتْحِ، وَإِنَّمَا حَرَّكُوهُ لِأَنَّ الْعَيْنَ مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ مِثْلَ نَهْرٍ وَنَهَرٍ وَشَمْعٍ وَشَمَعٍ؟ وَقَدْ ذَكَرْتُ لِمَ صَارَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْأَنْعَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ:
﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ بِرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ بِالنُّونِ، وَحُجَّتُهُمْ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى: «وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ» بِالنُّونِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، لَذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ قَبْلَهُ: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ﴾ فَإِذَا عَطَفْتَ الْآيَةَ عَلَى شَكْلِهَا كَانَتْ أَحْسَنَ مِنْ أَنْ تُقْطَعَ مِمَّا قَبْلَهَا، وَكُلٌّ صَوَابٌ بِحَمْدِ اللَّهِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْيَاءِ.
وَالْبَاقُونَ «يُلْحِدُونَ» بِالضَّمِّ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ وَالْإِلْحَادُ: مَصْدَرُ أَلْحَدَ يُلْحِدُ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى جَيِّدَةً، قَالَ الشَّاعِرُ:
حُجَّةً لِأَلْحَدَ يُلْحِدُ يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النَّبِيِّ وَرَهْطِهِ
بَعْدَ الْمُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ الْمَلْحَدِ وَلَوْ كَانَ مِنْ لَحَدَ لَقَالَ مَلْحُودٌ
وَقَالَ آخَرُونَ: لَحَدْتُ فِي الْقَبْرِ، وَأَلْحَدْتُ فِي الدِّينِ، فَأَمَّا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَقَدْ خَطَبَ النَّاسَ: يَا قِصَّةً عَلَى مَلْحُودٍ، أَرَادَ: يَا جُصًّا عَلَى قَبْرٍ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْكَلَامُ عَنْ زَيْنَبَ ﵂.
[ ٢٠٩ ]
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾.
ابْنُ كَثِيرٍ يُسْكِنُ الدَّالَ.
وَالْبَاقُونَ يَضُمُّونَ، وَقَدْ مَرَّتْ عِلَّتُهُ فِي الْبَقَرَةِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «فَتَنُوا» جَعَلَ الْفِعْلَ لَهُمْ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَرْدُوهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَعَرَضُوهُمْ عَلَى الْكُفْرِ فَقَالُوا ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَقَلْبُهُمْ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، ثُمَّ أَخْبَرُوُا النَّبِيَّ - ﷺ - بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ:
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ وَالِاخْتِيَارُ أَنْ تُجْعَلَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ «فَتَنُوا» فِعْلًا لِلْكُفَّارِ، أَيْ: فَتَنُوُا الْمُؤْمِنِينَ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: فَتَنْتُ زَيْدًا، وَهِيَ اللُّغَةُ الْجَيِّدَةُ، وَأَجَازَ آخَرُونَ: أَفْتَنْتُ، وَالْفِتْنَةُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى عَشْرَةِ أَوْجُهٍ؟ وَقَدْ أَمْلَلْتُهَا فِي إِعْرَابِ أَعُوذُ بالله من الشيطان الرجيم.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ نَافِعٍ «فِي ضِيقٍ» بِكَسْرِ الضَّادِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، فَمَنْ فَتَحَ أَرَادَ: ضَيِّقٍ فَخَفَّفَ مِثْلَ مَيِّتٍ وَمَيْتٍ وَهَيِّنٍ وَهَيْنٍ، وَمَنْ كَسَرَ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهُ لُغَتَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضِّيقُ اسْمًا، وَالضَّيِّقُ مَصْدَرًا، وَالِاخْتِيَارُ أَنْ تَقُولَ: الضَّيْقُ فِي الْمَكَانِ وَالْمَنْزِلِ وَالضَّيِّقُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَالِاخْتِيَارُ «فَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ». لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَعَالَى ضِيقَ الْمَعِيشَةِ وَلَا ضِيقَ الْمَنْزِلِ، وَالْعِلَّةُ فِي النَّمْلِ، كَالْعِلَّةِ فِي النَّحْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ سَقَطَتِ النُّونُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَكُ﴾.
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْأَصْلَ، وَلَا تَكُونُ فَاسْتَثْقَلُوُا الضَّمَّةَ عَلَى الْوَاوِ فَنَقَلُوهَا إِلَى الْكَافِ فَالْتَقَى سَاكِنَانِ الْوَاوُ وَالنُّونُ فَحَذَفُوُا الْوَاوَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فَصَارَ لَا تَكُنْ وَالْمَوْضِعُ الَّذِي حُذِفَتِ النُّونُ مَعَ الْوَاوِ فَلِأَنَّ النُّونَ يُضَارِعُ حُرُوفَ الْمَدِّ وَاللِّينِ، وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُ كَانَ يَكُونُ فَحَذَفُوهَا لِذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: لَمْ يَكُونَا، وَالْأَصْلُ: لَمْ يَكُونَانِ فَأَسْقَطُوُا النُّونَ لِلْجَزْمِ فَشَبَّهُوا لَمْ يَكُ فِي حَذْفِ النُّونِ بِلَمْ يَكُونَا فَاعْرَفْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: رِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ نَافِعٍ «وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ» غَلَطٌ يَعْنِي: أَنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ عَنْ نَافِعٍ «ضَيْقٍ».
[ ٢١٠ ]
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِبَاسُ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾.
قَرَءُوا كُلُّهُمْ بِكَسْرِ الْفَاءِ.
وَرَوَى نَصْرٌ وَعُبَيْدٌ وَعَبَّاسٌ وَدَاوُدُ الْأَوْدِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو: «لِبَاسُ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ» كَأَنَّهُ أَضْمَرَ فِعْلًا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ابْتَلَاهُمْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالْقَحْطِ وَالْجُوعِ وَالْخَوْفِ، يَعْنِي سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ خَوْفًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَقَّ لِلْمُشْرِكِينَ فَحَمَلَ إِلَيْهِمْ طَعَامًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ يَاءَانِ.
- ﴿فَارْهَبُونَ﴾.
حُذِفَتِ اجْتِزَاءً بِالْكَسْرَةِ.
- وَقَوْلُهُ: ﴿أَيْنَ شُرُكَائِيَ﴾.
لَمْ تَخْتَلِفِ الْقُرَّاءُ فِي فَتْحِهَا، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ قبل هذا (^١).
_________________
(١) قال ابن الجزري في النشر ص/ ٣٢٧: «(وفيها من الزوائد ثنتان) (فارهبون، فاتقون) أثبتهما في الحالين يعقوب».
[ ٢١١ ]