هُودٌ ﷺ
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ «أَنِّي» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى تَقْدِيرِ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ بِأَنِّي لَكُمْ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ بِالْهَمْزِ عَلَى تَقْدِيرٍ فِي ابْتِدَاءِ الرَّأْيِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «بَادِيَ» بِغَيْرِ هَمْزٍ جَعَلُوا فَاعِلًا مِنْ بَدَا يَبْدُو: إذا ظهر، كقوله تعالى:
﴿وبدا لهم﴾ ﴿مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ كَيْفَ تَقِفُ عَلَى «بَادِي» بِقِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو؟ فَقُلْ بِغَيْرِ هَمْزٍ، لِأَنَّكَ إِذَا وَقَفْتَ سَكَّنْتَ الْهَمْزَةَ وَقَبْلَهَا كَسْرَةٌ صَارَتْ يَاءً، لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا مِثْلَ إِيتِ فُلَانًا، إِيبَقْ يَا غُلَامُ، وَالْأَصْلُ: إِإْتِ وَإِإْبَقْ فَجُعِلَتِ الْهَمْزَةُ يَاءً، فَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ أَنْ تَقِفَ بَادِئَ بِالْهَمْزِ، وَكَذَلِكَ «مِنْ شَاطِئِ﴾ الْوَادِي» أَجَازَ مِنْ «شَاطئِ» بِالْهَمْزِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «الرَّاي» بِتَرْكِ الْهَمْزِ تَخْفِيفًا مِثْلَ «الْكَاسِ» وَ«الْبَاسِ» وَ«الرَّاسِ».
وَالْبَاقُونَ يَهْمِزُونَ عَلَى الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ لِ «رَأَيْتُ» فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ رَأْيًا وَرَأَيْتُ فِي عَيْنِي رُؤْيَةً، وَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ رُؤْيَا حَسَنَةً، وَالْأَمْرُ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ «رِ» يَا هَذَا، بِرَاءٍ وَاحِدَةٍ، غَيْرَ أَنَّكَ تَقِفُ، رِهْ بِالْهَاءِ، وَلُغَةُ تَمِيمٍ: إِرْأَ يَا هَذَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
﴿إِنْ كنتم للرءيا تَعْبُرُونَ﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: «فَعُمِّيَتْ» مُشَدَّدًا.
وَقَرَأَ الباقون «فعميت» ومعناها وَاحِدٌ، لِأَنَّ الْفَرَّاءَ، قَالَ: الْعَرَبُ تَقُولُ: عُمِّيَ عَلَيَّ الْأَمْرُ، وَعَمِيَ عَلَيَّ بِمَعْنًى.
وَحُجَّةُ مَنْ شدد: أن أبيا وابن مسعود قرءا: «فعماها عليكم».
[ ١٦٥ ]
وَحُجَّةُ مَنْ خَفَّفَ: اجْتِمَاعُ الْقُرَّاءِ عَلَى تَخْفِيفِ الَّتِي فِي الْقَصَصِ: «فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ» قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَرَأَهَا بِالتَّشْدِيدِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَدْ شَدَّدَهَا عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ «فَعُمِّيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ».
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «أَنِلْزِمُكُمُوهَا» بِاخْتِلَاسِ الْحَرَكَةِ تَخْفِيفًا وَاسْتِثْقَالًا لِاجْتِمَاعِ الضَّمَّاتِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «أَنُلْزِمُكُمُوهَا» بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى الْأَصْلِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ﴾.
رَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ» مُنَوَّنًا وَكَذَلِكَ فِي «الْمُؤْمِنُونَ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُضَافًا.
وَتَقْدِيرُ قِرَاءَةِ حَفْصٍ أَنِ احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلِّ جِنْسٍ وَكُلِّ نَوْعٍ زَوْجَيْنِ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، لِأَنَّ الْأُنْثَى زَوْجُ الذَّكَرِ وَالذَّكَرُ زَوْجُ الْأُنْثَى، يُقَالُ: عِنْدِي زَوْجٌ حَمَامٌ ذَكَرٌ وَأُنْثَى تَأْكِيدٌ لَهُمَا، كَمَا تَقُولُ: عِنْدِي رَجُلَانِ اثْنَانِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُلْتَبِسٍ كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾.
وَالِاخْتِيَارُ: الْإِضَافَةُ، لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَيْهَا.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراهَا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، «مَجْرِيهَا» بِالْإِمَالَةِ وَبِفَتْحِ الْمِيمِ.
وَالْبَاقُونَ «مُجْرَاهَا» بِضَمِّ الْمِيمِ وَهُمَا مَصْدَرَانِ، فَمَنْ فَتَحَ الْمِيمَ جَعَلَهُ مَصْدَرًا لَجَرِى مَجْرًى، وَمَنْ ضَمَّ جَعَلَهُ مَصْدَرًا لِأَجْرَيْتُهُ، وَالْمَصْدَرُ مِنْ أَفْعَلَ مَفْعَلٌ وَإِفْعَالٌ لَا يَنْكَسِرُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ مُمْسَانَا وَمُصْبَحُنَا بِالْخَيْرِ صَبَّحَنَا رَبِّي وَمَسَّانَا
لِأَنَّكَ تَقُولُ: أَمْسَى وَأَصْبَحَ، وَهَذَا الْبَيْتُ يُنْشَدُ مَفْتُوحًا وَمَضْمُومًا، وَقَالَ آخَرُ:
وَعُمِرْتُ حَرْسًا قَبْلَ مَجْرَى دَاحِسٍ لَوْ كَانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ
يُنْشِدُ: قَبْلَ مجرى وبمجرى، وَعُمِرْتُ، أَيْ: بَقِيتُ وَطَالَ عُمُرِي، وَالْحَرْسُ:
الدَّهْرُ.
وَأَبُو عَمْرٍو يُمِيلُ: «مُجْرَيهَا» ونَافِعٌ بَيْنَ بَيْنَ، وَكَذَلِكَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنُ كثير يفتح.
[ ١٦٦ ]
فَأَمَّا «مُرْسَاهَا».
فَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى ضَمِّ الْمِيمِ، وحمزة والكسائي يميلان وأبو عمرو، ونافع بين بَيْنَ، وَعَاصِمٌ وَابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّفْخِيمِ.
وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ «بسم الله مجراها وَمُرْسِيهَا» جَعَلَهُمَا نَعْتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى.
أَيِ: اللَّهُ أجراها فهو مجر، وأرساها فهو مُرْسٍ، وَمَوْضِعُهَا جَرٌّ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، وَلَا عَلَامَةَ لِلْجَرِّ، لِأَنَّ الْيَاءَ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ مِثْلَ قَاضِيكَ وَرَامِيكَ.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ، عَنْ علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، قَالَ: حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ: «بِسْمِ اللَّهِ مَجْرِاهَا وَمَرْسِاهَا» مِثْلَ قِرَاءَةِ مُجَاهِدٍ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا حُمَيْدٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ: «يَا بُنَيَّ» بِنَصْبِ الْيَاءِ، أَرَادَ: يَا بُنَيَّاهُ فَرَخَّمَ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يَا بُنَيَّ» بِكَسْرِ الْيَاءِ، أَرَادُوا: يَا بُنَيِيَّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى النَّفْسِ فَسَقَطَتِ الْيَاءُ اجْتِزَاءً بِالْكَسْرَةِ، كَمَا تَقُولُ: يَا رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَيَا غُلَامُ تَعَالَ، وَفِيهَا ثَلَاثُ يَاءَاتٍ، يَاءُ التَّصْغِيرِ وَهِيَ الْأُولَى، وَيَاءٌ أَصْلِيَّةٌ، وَهِيَ الْوُسْطَى، وَيَاءُ الْإِضَافَةِ إِلَى النَّفْسِ وَهِيَ مَحْذُوفَةٌ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ: «ارْكَبْ مَعَنَا» مُظْهِرًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «ارْكَبْ مَعَنَا» مُدْغَمًا، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْمِيمَ أُخْتُ الْبَاءِ يَخْرُجَانِ مِنَ الشَّفَتَيْنِ وَالْأَوَّلُ سَاكِنٌ، فَكَمَا يُفْتَحُ إِظْهَارٌ: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾ وَ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾ لِلْأُخْتِيَّةِ بين الطاء والذال والتاء، كذلك يفتح بين الْبَاءِ مَعَ الْمِيمِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ: «إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ» تَقْدِيرُهُ: إِنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صَالِحٍ، وَجَاءَ فِي التَّفْسِيرِ: أَنَّهُ كَانَ ابْنَهُ وَلَكِنْ خَالَفَهُ فِي النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَرَأَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ بِمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ:
أَحَدُهُمَا: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَقَالَ الْآخَرُ: عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ: «إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ».
[ ١٦٧ ]
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ» بِالرَّفْعِ أَيْ: إِنَّ سُؤَالَكَ إِيَّايَ أَنْ أُنَجِّيَ رَجُلًا كَافِرًا عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.
قَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: وَالِاخْتِيَارُ الرَّفْعُ عَلَى قِرَاءَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَدْ حُفِظَ عَنْهُ «عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ» لَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَحْفَظَ لَهَا مِنْ غَيْرِهِمْ، لِأَنَّهَا مُهَاجَرُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
- وقوله تعالى: ﴿فلا تسئلن مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كثير «تسألن» بِفَتْحِ النُّونِ جَعَلَ «تَسْأَلَ» جَزْمًا عَلَى النَّهْيِ، وَالنُّونُ لِلتَّأْكِيدِ فَفُتِحَتِ اللَّامُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ كَمَا تَقُولُ: لَا تَضْرِبَنَّ وَلَا تَشْتِمَنَّ أَحَدًا.
وَقَرَأَ نافع في رواية قالون وابن عامر: «تسألن» بكسر النون مع التشديد أراد:
تسألني، فَحَذَفَ الْيَاءَ اخْتِصَارًا.
وَرَوَى وَرْشٌ، عَنْ نَافِعٍ: تسألني بِالْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَأَنْشَدَ شَاهِدًا لَوَرْشٍ:
فَلَا تَجْعَلَنِّي كَامْرِئٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَكَ مِنْ قُرْبَى وَلَا مُتَنَسَّبُ
فَصِلْ وَاشِجَاتٍ بَيْنَنَا مِنْ قَرَابَةٍ أَلَا صِلَةُ الْأَرْحَامِ أَبْقَى وَأَقْرَبُ
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «تسألن» خَفِيفًا بِنُونٍ مُسَكَّنِ اللَّامِ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو يُثْبِتُ الْيَاءَ وَصْلًا وَيَحْذِفُهَا وَقْفًا، فَمَنْ قَرَأَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَاللَّامُ سَاكِنَةٌ لِلْجَزْمِ وَالنُّونُ مَعَ الْيَاءِ اسْمُ الْمُتَكَلِّمِ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ كَمَا تَقُولُ: لَا تَضْرِبُنِي وَلَا تَشْتِمُنِي.
وَفِيهَا قِرَاءَةٌ سَادِسَةٌ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو نُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ الْخُرَسَانِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقْرَأُ: «فَلَا تَسَلَنَّ» بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ وَالنُّونِ أَرَادَ الْهَمْزَةَ فَنَقَلَ فَتْحَهَا إِلَى السِّينِ وَخَزَلَ الْهَمْزَةَ تَخْفِيفًا فِي النَّهْيِ كَمَا يُحْذَفُ فِي الْأَمْرِ «سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ» فَاعْرَفْ ذَلِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ خِزْيٍ يَوْمَئِذٍ﴾.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر مُضَافًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ وَكَسَرُوُا الْمِيمَ، وَكَذَلِكَ: «مِنْ فَزَعٍ يَوْمِئِذٍ» وَ«مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ» فَعَلَامَةُ الْخَفْضِ فِي كُلِّ هَذَا كَسْرَةُ الْمِيمِ.
وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ «مِنْ فَزَعٍ» مُنَوَّنًا وَنَصَبَ «يَوْمِئِذٍ» فَمَنْ نَوَّنَ لَمْ يَجُزْ إِلَّا النَّصْبُ، وَمَنْ لَمْ يُنَوِّنْ جَازَ الْخَفْضُ وَالنَّصْبُ، فَمَنْ نَصَبَ مَعَ تَرْكِ التَّنْوِينِ فَلَهُ حُجَّتَانِ: إِحْدَاهُمَا:
[ ١٦٨ ]
أَنَّهُ جَعَلَ «يَوْمَ» مَعَ: «إِذٍ» بِمَنْزِلَةِ اسْمَيْنِ جُعِلَا اسْمًا وَاحِدًا كَقَوْلِكَ: خَمْسَةَ عَشَرَ فَفَتَحَهُ لِذَلِكَ.
وَالْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْإِضَافَةَ لَا تَصِحُّ إِلَى الْحُرُوفِ وَلَا إِلَى الْأَفْعَالِ، فَلَمَّا كَانَتْ إِضَافَةُ «يَوْمَ» إِلَى «إِذٍ» غَيْرَ مَحْضَةٍ فَتَحَ.
وذلك أنه فِي أَسْمَاءِ الزَّمَانِ مُطَّرِدٌ شَائِعٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ كَذَلِكَ قَرَأَهَا نَافِعٌ نَصْبًا، لِأَنَّ إِضَافَةَ «يَوْمَ» إِلَى «يَنْفَعُ» غير محضة قَالَ الشَّاعِرُ:
عَلَى حِينَ عَايَنْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا وَقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ
وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ الْحَرْفَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ مَنْصُوبًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَعَاصِمٌ: «مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ» وَ«مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ» إِلَّا أَنَّ مَنْ نَوَّنَ «مِنْ فَزَعٍ» نَصَبَ يَوْمَئِذٍ.
وَرَوَى قَالُونٌ، عَنْ نَافِعٍ ثَلَاثَهُمَا مَنْصُوبَةً غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ.
وَرَوَى غَيْرُهُ عَنْهُ مِثْلَ أَبِي عَمْرٍو.
وَيَجِبُ عَلَى الْقَارِئِ إِذَا لَفَظَ بِقَوْلِهِ: «وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ» أَنْ يُشْبِعَ كسرة الياء الأولى بعد سكون الزاي لمجيء الْيَاءِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ فِي إِخْرَاجِهَا كُلْفَةً.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ: أَلَمْ تَخْتَلِفِ الْقُرَّاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وَنَظِيرُهُ مِنَ الْقُرْآنِ.
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الظُّرُوفَ مَنْصُوبَةٌ كُلُّهَا، لِأَنَّهَا مَفْعُولَاتٌ فِيهَا، وَإِنَّمَا يُكْسَرُ بَعْضُهَا إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا حَرْفُ جَرٍّ، كَقَوْلِكَ: رَكِبْتُ الْيَوْمَ عِنْدَكَ، ثُمَّ تَقُولُ: رَكِبْتُ فِي الْيَوْمِ مِنْ عِنْدِكَ، فَكَذَلِكَ «مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ» وَإِنَّمَا جَازَ فَتْحُهَا لِمَا ذَكَرْتُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ مَنْصُوبٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ فَاعْرَفْ ذَلِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ بِتَرْكِ التَّنْوِينِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، جَعَلَاهُ اسْمًا لِقَبِيلَةٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ عِلَّتَانِ: التَّعْرِيفُ وَالتَّأْنِيثُ امْتُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ.
وَقَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: «أَلَا إِنَّ ثَمُودًا» مُنَوَّنًا «وَعَادًا وَثَمُودًا وَأَصْحَابَ الرَّسِّ» وَكَذَلِكَ فِي الْعَنْكَبُوتِ: «وثَمُودًا وَقَدْ تَبَيَّنَ» مُنَوَّنَاتٍ، وَاخْتَلَفَ فِي آخِرِ
[ ١٦٩ ]
وَالنَّجْمِ، وَقَرَأَ يَحْيَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ غَيْرَ مُنَوَّنٍ، «وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى» وَقَرَأَ الْبَاقُونَ عَنْهُ مُنَوَّنًا، فَمَنْ نَوَّنَ هَؤُلَاءِ الْأَحْرُفِ ذَهَبَ إِلَى اتِّبَاعِ الْمُصْحَفِ، لِأَنَّهُنَّ فِي الْمُصْحَفِ مَكْتُوبَاتٍ بِالْأَلِفِ، وَتَرَكُوا سَائِرَ الْقُرْآنِ غَيْرَ مُجْرًى، فَمَنْ صَرَفَهُ جَعَلَهُ اسْمًا مُذَكَّرًا لِحَيٍّ أَوْ رَئِيسٍ، وَيَجُوزُ لِمَنْ صَرَفَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ اسْمًا عَرَبِيًّا، فَيَكُونُ ثَمُودُ فَعُولًا مِنَ الثَمَدِ وَهُوَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ، وَجَمْعُهُ أَثْمَادٌ، قَالَ النَّابِغَةُ».
وَاحْكُمْ كَحُكْمِ فَتَاةِ الْحَيِّ إِذْ نَظَرَتْ إِلَى حَمَامٍ شِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ
وَيُقَالُ: رَجُلٌ مَثْمُودٌ أَيْضًا مَشْفُوهٌ: إِذَا كَثَّرَ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَعْرُوفِ وَيُقَالُ: رَجُلٌ مَثْمُودٌ: إِذَا نَزَفَتِ النِّسَاءُ مَاءَهُ فِي الْجِمَاعِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ أَرْبَعَتُهُنَّ مُنَوَّنَاتٍ اتِّبَاعًا لِلْمُصْحَفِ أَيْضًا.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾.
فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ فَهَلَّا نُوِّنَ كَمَا نُوِّنَ سَائِرُ الْمَنْصُوبَاتِ؟
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَرْفَ كُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَإِنَّمَا أَرَى ذَلِكَ، لِأَنَّ الِاسْمَ مُنَوَّنًا فَإِذَا اسْتَقْبَلَهُ أَلِفٌ وَلَامٌ جَازَ تَرْكُ التَّنْوِينِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
إِذَا غُطَيْفُ السُّلَمِيُّ فَرَّا
أَرَادَ: «غُطَيْفٌ»، فَكَأَنَّ ثَمُودَ أَكْثَرُ الْعَرَبِ تُتْبِعُ تَنْوِينَهُ إِذَا لَمْ يَسْتَقْبِلْهُ أَلِفٌ وَلَامٌ، فَكَانَ إِذَا اسْتَقْبَلَهُ أَلِفٌ وَلَامٌ حُذِفَ التَّنْوِينُ وَاجِبًا.
وَزَادَ الْكِسَائِيُّ عَنْ أَبِي عمرو وأصحابه حرفا خامسا «إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ» فَقَالَ: إِنَّمَا أَجْرَيْتُ الثَّانِي لِقُرْبِهِ مِنَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ اسْتَوْحَشَ أَنْ يُنَوِّنَ اسْمًا وَاحِدًا وَيَدَعَ التَّنْوِينَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵁، وَقَدْ جَوَّدَ، لِأَنَّ أَبَا عَمْرٍو سُئِلَ لِمَ شَدَّدْتَ قَوْلَهُ:
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾. وَأَنْتَ تُخَفِّفُ يُنَزِّلَ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لِقُرْبِهِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «قَالَ سِلْمٌ» بِكَسْرِ السِّينِ وَجَزْمِ اللَّامِ.
[ ١٧٠ ]
وَكَذَلِكَ فِي الذَّارِيَاتِ جَعَلَاهُ مِنَ السِّلْمِ وَهُوَ الصُّلْحُ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسِّلْمِ﴾ مِثْلَهُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ» بِالْأَلِفِ جَمِيعًا جَعَلُوهُ مِنَ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ، وَمَعْنَاهُ: قَالُوا: تَسَلَّمْنَا مِنْكُمْ تَسَلُّمًا كَمَا تَقُولُ: لَا يَكُنْ مِنْ فُلَانٍ إِلَّا سَلَامًا بِسَلَامٍ أَيْ:
مُبَايِنًا لَهُ مُتَارِكًا، فَالْأَوَّلُ: نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَالثَّانِي: رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَالتَّقْدِيرُ: قَالُوا إِنَّا سَلَامٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «يَعْقُوبَ» بِالنَّصْبِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، فَمَنْ نَصَبَ جَعَلَهُ عَطْفًا عَلَى ﴿وَبَشَّرْنَاهُ﴾ كَأَنَّهُ جَعَلَ الْكَلَامَ بِمَعْنَى الْهِبَةِ، أَيْ: وَهَبْنَا لَهُ يَعْقُوبَ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيُّونَ: مَنْ قَرَأَ: ﴿مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
فَمَوْضِعُهُ خَفْضٌ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ، وَهَذَا غَلَطٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، لِأَنَّكَ لَا تَعْطِفُ عَلَى عَامِلَيْنِ، مُحَالٌ أَنْ تَقُولَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ فِي الدَّارِ وَالْحُجْرَةِ عَمْرٍو، وَمَنْ رَفَعَ جَعَلَهُ ابْتِدَاءً.
وَالْوَرَاءُ هَاهُنَا، وَلَدُ الْوَلَدِ، قَالَ: أَقْبَلَ الشَّعْبِيُّ وَمَعَهُ ابْنُ ابْنٍ لَهُ فَقِيلَ: أَهَذَا ابْنُكَ؟ فَقَالَ: هُوَ ابْنِي مِنَ الْوَرَاءِ، أَيْ: مِنْ وَلَدِ وَلَدِي، فَالْوَرَاءُ يَكُونُ قُدَّامًا وَخَلْفًا قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ أَيْ: أَمَامَهُمْ، أَمَّا الْوَرَى، مَقْصُورٌ فَالْخَلْقُ، تَقُولُ الْعَرَبُ: لَا أَدْرِي أَيَّ الْوَرَى هُوَ؟ وَأَيَّ الطَّمْشِ هُوَ؟ وَأَيَّ الطَّبْلِ؟ وَأَيَّ تُرْحُمٍ هُوَ؟ أَيْ:
أَيُّ الْخَلْقِ؟ وَالْوَرَى مَقْصُورٌ أَيْضًا دَاءٌ فِي الْجَوْفِ عِنْدَ الْفَرَّاءِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الْوَرَى، سَاكِنٌ مِثْلَ الدَّمْيِ، وَيُنْشِدُ:
قَالَتْ لَهُ وَرْيًا إِذَا تَنَحْنَحْ يَا لَيْتَهُ يُسْقَى عَلَى الذُّرَحْرَحْ
فَخَطَّأَهُ سَائِرُ النَّحْوِيِّينَ، وَقَدْ وَجَدْتُ لِلفْرَّاءِ حُجَّةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ فِي مَثَلٍ لَهَا: «بِفِيهِ الْبَرَى وَرَمَاهُ اللَّهُ بِالْوَرَى» بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» وَقَالَ عَبْدُ بَنِي الْحَسْحَاسِ:
وَرَاهُنَّ رَبِّي مِثْلَ مَا قَدْ وَرَيْنَنِي وَأَحْمَى عَلَى أَكْبَادِهِنَّ الْمَكَاوِيَا
فَلَوْ كُنْتُ وَرْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقْنَنِي وَلَكِنَّ رَبِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
[ ١٧١ ]
تَقُولُ الْعَرَبُ لِلشَّيْخِ إِذَا سَعَلَ: وَرْيًا وَقُحَابًا، وَلِلصَّبِيِّ إِذَا عَطَسَ: عُمْرًا وَشَبَابًا، يَدْعُونَ لَهُ بِالْبَقَاءِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ «فَاسْرِ بِأَهْلِكَ» بِوَصْلِ الْأَلِفِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ مِنْ سَرَى يَسْرِي.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ» بِقَطْعِ الْأَلِفِ مِنْ أَسْرَى يُسْرِي وَهُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ نَزَلَ بِهِمَا الْقُرْآنُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾. وَهَذِهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَطَعَ، وَقَالَ: «وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ» هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ وَصَلَ وَهَذَا الْبَيْتُ يُنْشَدُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَسْرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ تُزْجِي الشَّمَالَ عَلَيْهَا جَامِدَ الْبَرَدِ
وَيُرْوَى: «سَرَتْ إِلَيْهِ» وَالسُّرَى: سَيْرُ اللَّيْلِ خَاصَّةً، وَلَا يَكُونُ بِالنَّهَارِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، يُقَالُ: هَذِهِ سُرًى.
وَأَخْبَرَنِي بِذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ، وَقَالَ آخَرُ:
سَرَيْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ وَحَتَّى الْجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بِأَرْسَانِ
وَقَالَ آخَرُ:
سَرَى لَيْلًا خَيَالًا مِنْ سُلَيْمَى فَأَرَّقَنِي وَأَصْحَابِي هُجُودُ
وَقَدْ فَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ سَرَى وَأَسْرَى مِنْهُمْ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، فَقَالَ: سَرَى مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَسْرَى مِنْ آخِرِهِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِالرَّفْعِ «إِلَّا امْرَأَتُكَ» عَلَى مَعْنَى: وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ فَإِنَّهَا سَتَلْتَفِتُ، فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ لُوطٍ، وَإِنَّمَا أَمْطَرَ عَلَيْهَا الْحِجَارَةَ لِأَنَّهَا خَالَفَتْ فَالْتَفَتَتْ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «إِلَّا امْرَأَتَكَ» جَعَلُوهَا اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الْمَرْأَةُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ لُوطٍ وَ(قِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ تَقُولُ العرب: جاءنا زيد بعد ما هَدَأَتِ الرِّجْلُ، وَبَعْدَ هَزِيعٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَبَعْدَ سَعْوَاءٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَبَعْدَ مِينَاءٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَبَعْدَ قِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَبَعْدَ طَبِيقٍ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
عُمَيْرَةُ مَا يُدْرِيكِ أَنْ رُبَّ مُهْجَعٍ تَرَكْتُ وَمِنْ لَيْلِ التِّمَامِ طَبِيقُ
وَقَدْ غَارَ لَحْمٌ بَعْدَ لَحْمٍ وَقَدْ دَنَتْ أَوَاخِرُ أُخْرَى فَاسْتَقَلَّ فَرِيقُ
[ ١٧٢ ]
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ «سُعِدُوا» بِضَمِّ السِّينِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، جَعَلَاهُ مِنَ الْفِعْلِ الَّذِي يَصْلُحُ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ كَقَوْلِكَ: نَزَحَتِ الْبِئْرُ وَنَزَحْتُهَا، وَجَبَرَ اللَّهُ فُلَانًا فَجَبَرَ هُوَ وَيُنْشِدُ قَوْلَ الْعَجَّاجِ:
قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الْإِلَهُ فَجَبَرْ وَعَوَّرَ الرَّحْمَنُ مَنْ وَلَّى الْعَوَرْ
فَكَذَلِكَ: سُعِدَ زَيْدٌ، وَسُعِدَهُ اللَّهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ: رَجُلٌ مَسْعُودٌ مِنْ سُعِدَ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «سَعِدُوا» بِفَتْحِ السِّينِ، وَحُجَّتُهُمْ: أَمَّا ﴿الَّذِينَ شَقُوا﴾، وَلَمْ يَقُلِ اشْقُوا، وَالِاخْتِيَارُ إِذَا رَدَدْتَ سَعِدَ إِلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ أَنْ تَقُولَ أَسْعَدَ فُلَانٌ، لِأَنَّكَ تَقُولُ: سَعِدَ زَيْدٌ وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ، كَمَا تَقُولُ: قَامَ زَيْدٌ وَأَقَامَهُ اللَّهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو الْكِسَائِيُّ «وَإِنَّ» مُشَدَّدًا «لَمَا» خَفِيفًا.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا» شَدَّدُوا «إِنَّ» وَ«لَمَّا» كِلَيْهِمَا.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «وَإِنْ» خَفِيفًا وَ«لَمَا» خَفِيفًا إِلَّا عَاصِمًا فَإِنَّهُ شَدَّدَ «لَمَّا» فَمَنْ خَفَّفَ، «إِنَّ» جَعَلَهُ مُخَفَّفًا مِنْ مُشَدَّدٍ فَلِذَلِكَ نَصَبَ «كُلًّا» بِهِ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ، إِنْ زَيْدًا قَائِمٌ، يُرِيدُونَ: إِنَّ زَيْدًا، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَصَدْرٍ مُشْرِقِ اللَّوْنِ كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ
أَرَادَ: كَأَنَّ «فَخَفَّفَ، هَذَا مَذَهْبُ الْبَصْرِيِّينَ، وَالْكُوفِيُّونَ إِذَا خَفَّفُوا «إِنَّ» لَمْ يُعْمِلُوا فَعْلَى هَذَا نَصَبَ «كُلًّا» بِ «لَيُوَفِّيَنَّهُمْ» وَقَالَ آخَرُ:
فَلَوْ أَنْكِ فِي يَوْمِ الرَّخَاءِ سألتني فراقك لم أبخل وأنت صديق
أراد: أَنَّكَ فَخَفَّفَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّمَا نَصَبْتَهُ بِ «أَنَّ» تَشْبِيهًا بِالْفِعْلِ فَإِذَا خَفَّفْتَ زَالَ شَبَهُ الْفِعْلِ فَلِمَ نَصَبْتَ بِهَا؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّ مِنَ الْأَفْعَالِ مَا يُحْذَفُ مِنْهُ فَيَعْمَلُ عَمَلَ التَّامِّ كَقَوْلِكَ: خُذِ الْمَالَ، وَقُلِ الْحَقَّ، وَمُرْ زَيْدًا، وَسَلْ عَمْرًا وَعِ كَلَامِي، وَشِ ثَوْبَكَ، وَقِ زَيْدًا فَكَذَلِكَ «إِنْ» جَازَ حَذْفُهَا وَإِعْمَالُهَا.
[ ١٧٣ ]
وَأَمَّا مَنْ شَدَّدَ «لَمَّا» فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الْبَصْرِيُّونَ: «لَمَّا» بِمَعْنَى «إِلَّا»، وَمِثْلُهُ: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ أَيْ: إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ.
وَحَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الصَّغَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ هَارُونَ قَالَ فِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ «وَإِنْ كُلٌّ» بِالرَّفْعِ «إِلَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ» وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَصْلُ: وَإِنْ كُلًّا لَمِنْ مَا، فَقَلَبُوا مِنَ النُّونِ مِيمًا فَاجْتَمَعَتْ ثَلَاثُ مِيمَاتٍ فَحَذَفُوا إِحْدَاهُنَّ اخْتِصَارًا.
وَمَنْ خَفَّفَ فِيهِ وَجْهَانِ أَيْضًا.
قَالَ الْبَصْرِيُّونَ: «مَا» صِلَةٌ وَالتَّقْدِيرُ: وَإِنْ كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، وَإِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْهَا حَافِظٌ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: «مَا» صِفَةٌ مِنْ ذَاتِ الْآدَمِيِّينَ كَمَا تَقُولُ: عِنْدِي لَمَا غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ.
وَقَرَأَ الْأَزْهَرِيُّ: «وَإِنْ كُلًّا لَمَا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ»، «لَمَّا» مُنَوَّنًا بِمَعْنَى جَمِيعًا وَكُلُّهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ «يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ بِمَعْنَى:
يُرَدُّ الْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَيْهِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ««يَرْجِعُ» أَيْ: يَصِيرُ الْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَى اللَّهِ كَمَا قَالَ: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ لَمْ يَقُلْ: تُصَارُ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، لِأَنَّ الْأَمْرَ إِذَا رُدَّ إِلَى اللَّهِ رَجَعَ هُوَ، كَمَا تَقُولُ أَجْلَسْتُ زَيْدًا فَجَلَسَ هُوَ، وَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ فَدَخَلَ هُوَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
قَرَأَهَا نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ غَيْبٍ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَاءَ إِضَافَةٍ اخْتَلَفُوا فِي ثَمَانِيَةَ عَشْرَ مِنْهَا:
«إِنِّي أَخَافُ» وَ«عَنِّي أَنَّهُ» وَ«إِنِّي أخاف» و«لكني أَرَاكُمْ» وَ«إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا» وَ«إِنِّي إذا» و«نُصْحِي إِنْ أَرَدْتَ» وَ«إِنِّي أَعِظُكَ» وَ«إني أعوذ» و«أجري» و«إلا الذي فطرني» و«فإني ﴿أشهد الله»، «في ضيفي أليس» و«إني أراكم» و«إني أخاف» و«شقاقي» و«أرهطي» و«توفيقي».
[ ١٧٤ ]
فَتَحَهُنَّ كُلَّهُنَّ نَافِعٌ، وَكَذَلِكَ أَبُو عَمْرٍو إِلَّا حَرْفَيْنِ فَإِنَّهُ أَسْكَنَهُمَا «فَطَرَنِي» وَ«إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ».
وَفَتَحَ ابْنُ كَثِيرٍ مِنْهَا تِسْعًا «إِنِّيَ أَخَافُ» وَ«إِنِّيَ أَخَافُ» وَ«لَكِنِّيَ أَرَاكُمْ» وَ«إِنِّيَ أَرَاكُمْ» وَ«إِنِّيَ أَعُوذُ» وَ«فَطَرَنِيَ أَفَلَا» وَ«شِقَاقِيَ» وَ«أَرَهْطِيَ» وَ«إِنِّيَ أَخَافُ».
أَمَّا ابْنُ كَثِيرٍ فَفَتَحَ «إِنِّيَ أراكم» «ولكني أراكم» و«فطرني أفلا».
وَفَتَحَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ «أَجْرِيَ إِلَّا» وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ «يَا بُنَيَّ ارْكَبْ».
وَأَسْكَنَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ سَائِرَ ذَلِكَ.
وَابْنُ عَامِرٍ فَتَحَ «تَوْفِيقِيَ» وَ«أَجْرِيَ» وَ«أَرَهْطِيَ» برواية ابن ذكوان.
وقوله تعالى: ﴿ولا تخزون فِي ضَيْفِي﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ وَابْنِ جَمَّازٍ «تَخْزُونِي» بِيَاءٍ فِي الْوَصْلِ، وَوَقْفٍ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَكَذَلِكَ أَبُو عَمْرٍو وَحَذَفَ الْبَاقُونَ الياء وصلوا ووقفوا (^١).
_________________
(١) قال ابن الجزري في النشر ص/ ٣٢٠: «(وفيها من ياءات الإضافة ثمان عشرة) (إني أخاف) في الثلاثة (إني أعظك، إني أعوذ بك، شقاقي أن) فتح الستة المدنيان وابن كثير وأبو عمرو (عني إنه، إني إذا، نصحي إن، ضيفي أليس) فتح الأربعة المدنيان وأبو عمرو (وأجري إلا) في الموضعين فتحهما المدنيان وأبو عمرو وابن عامر وحفص (أرهطي أعز) فتحها المدنيان وابن كثير وأبو عمرو وابن ذكوان. (واختلف) عن هشام (فطرني أفلا) فتحها المدنيان والبزي وانفرد أبو تغلب بذلك عن قنبل من طريق ابن شنبوذ. كما تقدم (ولكني أراكم) و(إني أراكم) فتحهما المدنيان والبزي، (إني أشهد الله) فتحها المدنيان (وما توفيقي إلا بالله) فتحها المدنيان وأبو عمرو وابن عامر. (وفيها من الزوائد أربعة) (فلا تسئلن) أثبتها في الوصل أبو جعفر وأبو عمر وورش وأثبتها في الحالين يعقوب كما تقدم في بابه وانفرد صاحب المبهج عن أبي نشيط عن قالون (ثم لا تنظرون) أثبتها في الحالين يعقوب (ولا تخزون) أثبتها في الوصل أبو جعفر وأبو عمرو وأثبتها في الحالين يعقوب وورد إثباتها لقنبل من طريق ابن شنبوذ، (يوم يأت) أثبتها وصلا المدنيان وأبو عمرو والكسائي وأثبتها ابن كثير ويعقوب في الحالين وحذفها الباقون في الحالين تخفيفا كما قالوا: لا أدر، ولا أبال؛ وقال الزمخشري إن الاجتزاء عن الياء بالكسر كثير في لغة هذيل».
[ ١٧٥ ]