يوسف ﵇
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ: «يَا أَبَتِ» بِفَتْحِ التَّاءِ، أَرَادَ، يَا أَبَتَاهُ فَرَخَّمَ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «يَا أَبَتِ» بِكَسْرِ التَّاءِ، أَرَادُوا: يَا أَبَتِي فَحَذَفُوُا الْيَاءَ لِلنِّدَاءِ، كَمَا تَقُولُ:
رَبِّ اغْفِرْ لِي.
وَوَقَفَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، «يَا أَبَهْ» وَالْبَاقُونَ يَقِفُونَ بِالتَّاءِ.
وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: يَا أَبَهْ وَيَا أَبِي سَوَاءٌ، وَيَا عَمَّهْ وَيَا عَمِّي، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ، يَا أَبَهْ ثُمَّ رَخَّمَ الْهَاءَ ثُمَّ رَدَّهَا وَتَرَكَهَا عَلَى فَتْحِهَا، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: يَا طَلْحَةُ أَقْبِلْ، يُرِيدُونَ يَا طَلْحُ، فَلَمَّا رَخَّمُوُا الْهَاءَ رَدُّوهَا بَعْدَ أَنْ حَذَفُوهَا وَتَرَكُوهَا مَفْتُوحَةً لِفَتْحَةِ الْهَاءِ، قَالَ النَّابِغَةُ:
كِلِينِي لِهَمٍّ يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الْكَوَاكِبِ
أَرَادَ: يَا أُمَيْمَ، ثُمَّ رَدَّ الْهَاءَ وَتَرَكَ الْهَاءَ مَفْتُوحَةً، فَهَذَا قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ:
أَرَادَ: يَا أُمَيْمَتَاهُ، قَالَ الرَّاجِزُ:
فَيَا أبي ويا أبه حسنت إلا الرقبه فحسننها يا أبه كيما تجيء الخطبه
بإبل مجبجبه لِلْفَحْلِ فِيهَا قَبْقَبَهْ
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «آيَةٌ».
وَالْبَاقُونَ «ءَايَاتٌ» جَمْعًا، لِأَنَّ أَمْرَ يُوسُفَ - ﷺ - وَشَأْنَهُ وَحَدِيثَهُ كَانَ فِيهِ عِبَرٌ وَآيَاتٌ، وَمَنْ وَحَّدَ جَعَلَ كُلَّ أُمُورِهِ عِبْرَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّ الْوِاحِدَةُ تَنُوبُ عَنِ الْجَمِيعِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾. فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ احْتَجَّ أَنَّهُ كُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ بِالتَّاءِ، فَهَذِهِ التَّاءُ عَلَامَةُ الْجَمْعِ وَالتَّأْنِيثِ، وَالتَّاءُ الَّتِي فِي قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ تَاءُ التَّأْنِيثِ فَقَطْ، وَقِيلَ: الْيَاءُ أَلِفَانِ لَفْظًا وَإِنْ كَانَ الْخَطُّ بألف واحد، فَأَجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ أَنَّ الْأَلِفَ الْأُولَى فَاءُ الْفِعْلِ أَصْلِيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ اخْتَلَفُوا فِيهَا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَصْلُ فِي آيَةٍ: أَيَيَةٌ،
[ ١٧٦ ]
فَقَلَبُوُا الْيَاءَ أَلِفًا كَرَاهَةَ التَّشْدِيدِ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: وَزْنُهَا فَاعِلَةٌ عَلَى وَزْنِ دَابَّةٍ، وَالْأَصْلُ آيِيَةٌ، وَدَابِبَةٌ فَالْأَلِفُ الثَّانِيَةُ مَحْمُولَةٌ كَالْأَلِفِ فِي ضَارِبَه، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: الْأَصْلُ أَيَيَةٌ فَقَلَبُوُا الْيَاءَ الْأُولَى ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
- وقوله تعالى: ﴿مُبِينٍ اقْتُلُوا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ بِضَمِّ التَّنْوِينِ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوُا الْخُرُوجَ مِنْ كَسْرٍ إِلَى ضَمٍّ، فَأَتْبَعُوُا الضَّمَّ الضَّمَّ.
وَالْبَاقُونَ: «مُبِينٍ اقْتُلُوا» بِكَسْرِ التَّنْوِينِ، لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ مِثْلَ: ﴿أَحَدٌ الله الصمد﴾.
- وقوله تعالى: ﴿إن كنتم للرءيا تَعْبُرُونَ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ «لِلرُّؤْيَا» بِالْإِمَالَةِ بِالْيَاءِ، وَأَلِفِ التَّأْنِيثِ لِأَنَّ «رُؤْيَا» فَعَلَى بِمَنْزِلَةِ حُبْلَى وَبُشْرَى.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَفْخِيمِ ذَلِكَ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ.
وَرَوَى أَبُو الْحَارِثِ عَنِ الْكِسَائِيِّ، «لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ» بِالْفَتْحِ وَ«لِلرُّؤْيَا» بِالْكَسْرِ فَكَأَنَّهُ قَدَّرَ أَنَّ النَّصْبَ وَالْجَرَّ، يُبَيَّنَانِ فِيهَا فَيَفْتَحُ «لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ» لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَأَمَالَ «الرُّؤْيَا» لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ، وَذَلِكَ خَطَأٌ، لِأَنَّ الرُّؤْيَا رَفْعُهُ وَنَصْبُهُ وَجَرُّهُ سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ مَقْصُورٌ لَا يُتَبَيَّنُ فِيهِ الْإِعْرَابُ، وَإِنْ كَانَ أَمَالَ أَحَدَهُمَا وَفَخَّمَ الْآخَرَ عَلَى أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللُّغَتَيْنِ جَائِزَتَانِ فَقَدْ أَصَابَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿في غيابت الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
فَقَرَأَهَا نَافِعٌ «غَيَابَاتِ» بِالْجَمْعِ، كَأَنَّهُ أَرَادَ ظُلَمَ الْبِئْرِ وَنَوَاحِيَهَا، لِأَنَّ الْبِئْرَ لَهَا غَيَابَاتٌ.
وَقَرَأَ الباقي: «فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ» عَلَى التَّوْحِيدِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّهُمْ أَلْقُوهُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، لَا فِي أَمْكِنَةٍ، وَجِسْمٌ وَاحِدٌ لَا يَشْغَلُ مَكَانَيْنِ.
وَشَاهِدُهُمْ أَيْضًا مَا حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ، عَنْ علي، عن أبي عبيد قال: في حرف أُبَيٍّ: «وَأَلْقُوهُ فِي غَيْبَةِ الْجُبِّ» فَهَذَا شَاهِدٌ لِمَنْ وَحَّدَ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: «يَلْتَقِطْهُ» فَقَرَأَ الْقُرَّاءُ السَّبْعُ بِالْيَاءِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ، لِأَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ، قَرَأَ: «تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ» بِالتَّاءِ، وَإِنَّمَا أَنَّثَ بَعْضًا وَهُوَ مُذَكَّرٌ، لِأَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى
[ ١٧٧ ]
السَّيَّارَةِ، وَبَعْضُ السَّيَّارَةِ مِنَ السَّيَّارَةِ، كَمَا تَقُولُ: ذَهَبَتْ بَعْضُ أَصَابِعِهِ، لِأَنَّكَ لَوْ قُلْتَ ذَهَبَتْ أَصَابِعُهُ أَوْ تَلْتَقِطْهُ السَّيَّارَةُ فَأَحْلَلْتَ الْأَوَّلَ مَحَلَّ الثَّانِي كَانَ صَوَابًا قَالَ جَرِيرٌ:
أَرَى مُرَّ السِّنِينِ أَخَذْنَ مِنِّي كَمَا أَخَذَ السِّرَارُ مِنَ الْهِلَالِ
وَقَالَ أَيْضًا:
إِذَا بَعْضُ السِّنِينِ تَعَرَّقَتْنَا كَفَى الْأَيْتَامَ فَقْدُ أَبِى الْيَتِيمِ
وَلَوْ قُلْتَ تُعْجِبُنِي ضَحِكُ الْجَارِيَةِ كَانَ خَطَأً، لِأَنَّ الضَّحِكَ قَدْ يُعْجِبُكَ وَلَا تُعْجِبُكَ الْجَارِيَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قُلْتَ غُلَامُ الْمَرْأَةِ كَانَ خَطَأً، لِأَنَّ الْغُلَامَ لَيْسَ هُوَ الْمَرْأَةُ، فَقِسْ عَلَى هَذَا مَا يَرِدُ عَلَيْكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا﴾.
قَرَأَ الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَتُشِمُّهَا الضَّمَّ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ، لِأَنَّ الْأَعْمَشَ قَرَأَ «تَأْمَنُنَا» بِالْإِظْهَارِ، أَتَى بِالْكَلِمَةِ عَلَى أَصْلِهَا.
وَالْبَاقُونَ أَدْغَمُوا كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِ حَرَفَيْنِ مُتَجَانِسَيْنِ.
وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ أَيْضًا: «تَأْمَنَّا» مُدْغَمًا غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُشِمَّ النُّونَ الضَّمَّةَ، لِأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ مُدْغَمٍ يُسْكَنُ ثُمَّ يُدْغَمُ.
وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ: «تِيمَنَّا» بِكَسْرِ التَّاءِ، هِيَ لُغَةٌ، يَقُولُونَ فِي كُلِّ فِعْلٍ كَانَ الْمَاضِي مِنْهُ عَلَى فَعِلَ بِكَسْرِ أَوَّلِ الْمُضَارِعِ نَحْوَ عَلِمْتَ تِعْلَمُ وَأَمِنْتَ تِيمَنُ.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ، قَالَ: رَأَيْتُ أَعْرَابِيًّا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهُوَ يَقُولُ «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ»، وَأَنْشَدَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ:
لَوْ قُلْتَ مَا فِي قَوْمِهَا لَمْ تِيثَمِ يَفْضُلُهَا فِي حَسَبٍ وَمِيسَمِ
وَذَكَرَ سِيبَوَيْهِ ﵁ أَنَّ مَنْ كَسَرَ التَّاءَ وَالنُّونَ وَالْهَمْزَةَ فِي «تِعْلَمُ وَنِعْلَمُ وَأَنَا أَعْلَمُ»، لَمْ يَقُلْ: زَيْدٌ يِعْلَمُ اسْتِثْقَالًا لِلْكَسْرَةِ عَلَى الْيَاءِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ بِالنُّونِ جَمِيعًا وَإِسْكَانِ الْبَاءِ وَالْعَيْنِ، فَمَعْنَى «نَرْتَعْ»، أَيْ: نَتَّسِعُ فِي الْخِصْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّتْعَةِ، وَنَلْعَبْ: نُسَرُّ، فَقِيلَ لِأَبِي عَمْرٍو: وَكَيْفَ يَلْعَبُونَ وَهُمْ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذْ ذَاكَ لَمْ يَكُونُوا بِأَنْبِيَاءَ بَعْدُ، يُقَالُ: رَتَعَ يَرْتَعُ وَرُتُوعًا فَهُوَ رَاتِعٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
[ ١٧٨ ]
تَرْتَعُ مَا رَتَعْتَ حَتَّى إِذَا ادَّكَرْتَ فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ
وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ «نُرْتِعُ» بِضَمِّ النُّونِ، جَعَلَهُ مِنْ «أَرْتَعَ يُرْتِعُ»، وَمَنْ كَسَرَ الْعَيْنَ جَعَلَهُ ارْتَعَيْتُ أَرْتَعِي ارْتِعَاءً، أَنْشَدَنِي ابْنُ دُرَيْدٍ ﵁:
إِذَا أَحَسَّ نَبْأَةً رِيعَ وَإِنْ تَطَامَنَتْ عَنْهُ تَمَادَى وَلَهَا
نُهَالُ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَرُوعُنَا وَنَرْتَعِي فِي غَفْلَةٍ إِذَا انْقَضَى
نَحْنُ وَلَا كُفْرَانَ لِلَّهِ كَمَنْ قَدْ قيل في السارب أخلى فارتعى
رَأَيْتُ غَزَالًا يَرْتَعِي وَسْطَ رَوْضَةٍ فَقُلْتُ أَرَى لَيْلَى تَلُسُّ بِهِ زَهْرَا
مَعْنَى تَلُسُّ، أَيْ: تَتَنَاوَلُ النَّبَاتَ بِفِيهَا، وَإِنَّمَا كَسَرَ نَافِعٌ الْعَيْنَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ: نَرْتَعِي وَنَلْعَبُ فَسَقَطَتِ الْيَاءُ لِلْجَزْمِ، وَإِنَّمَا انْجَزَمَ، لِأَنَّهُ جَوَابُ الْأَمْرِ «أَرْسِلْهُ مَعَنَا نَرْتَعْ».
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِالنُّونِ مِثْلَ أَبِي عَمْرٍو، وَقَرَأَ بِالْكَسْرِ مِثْلَ نَافِعٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ» بِالْيَاءِ جَمِيعًا وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَالْيَاءِ، وَالْعِلَّةُ فِيهِ أَيْضًا مَا تَقَدَّمَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مَهْمُوزًا، وَهُوَ الْأَصْلُ، لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَذَأَّبَتِ الرِّيحُ: إِذَا أَتَتْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ.
وَجَمْعُ الذِّئْبِ: أَذْؤُبٌ وَذِئَابٌ وَذُؤْبَانٌ، وَذُؤْبَانُ الْعَرَبُ: لُصُوصُهُمْ مُشَبَّهَةٌ بِالذِّئْبِ، لِأَنَّ الذِّئْبَ لِصٌّ، وَيُقَالُ: لِلِّصِّ: الطِّمْلُ، وَيُقَالُ لِلذِّئْبِ: الطِّمْلُ، وَمَنْ تَرَكَ الْهَمْزَةَ فَتَخْفِيفًا كَمَا تُرِكَتِ الْهَمْزَةُ مِنَ الْبِئْرِ، وَهَمَزَهَا آخَرُونَ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
فَبَاتَ يُشْئِزُهُ ثَأْدٌ وَيُسْهِرُهُ تَذَاؤُبُ الرِّيحِ وَالْوَسْوَاسُ وَالْهَضَبُ
يُشْئِزُهُ: يُقْلِقُهُ، وَالثَّأْدُ: النَّدَى، وَالْوَسْوَاسُ: الْحَرَكَةُ، وَالْهَضَبُ: الْأَمْطَارُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا بُشْرَى﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ «بُشْرَى» جَعَلُوهُ اسْمَ رَجُلٍ.
قَالَ أبو عبيدة الِاخْتِيَارُ: «يَا بُشْرَى» لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ رَجُلٍ.
وَأَنْ يَكُونَ مِنَ الْبِشَارَةِ، وَرَدَّهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، فَقَالَ: إِذَا جَعَلْتَهُ مِنَ الْبِشَارَةِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ تُضِيفَهُ إِلَى نَفْسِكَ كما تقول: «يا ويلتى أألد».
[ ١٧٩ ]
قال أبو عبد الله ﵁: أصاب أبو عبيدة، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: يَا عَجَبًا لِهَذَا الْأَمْرِ وَيَا عَجَبِي، وَيَا حَسْرَتَا وَيَا حَسْرَتِي، كُلُّ ذَلِكَ صَوَابٌ، غَيْرَ أَنَّ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيَّ يُمِيلَانِ «يَا بُشْرَى» الرَّاءَ وَالْيَاءَ، وَإِنَّمَا الْمُمَالُ فِي الْحَقِيقَةِ الْأَلِفُ فَقَطْ، وَإِنَّمَا أَشَرْتُ إِلَى الرَّاءِ بِالْكَسْرَةِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ مَا قَبْلَ الْأَلِفِ مُمَالٌ فَقَدْ غَلِطَ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يَا بُشْرَايَ» فَأَضَافُوا إِلَى النَّفْسِ، وَفُتِحَتِ الْيَاءُ عَلَى أَصْلِهَا لِئَلَّا يَلْتَقِيَ سَاكِنَانِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ وَرْشٍ «يَا بُشْرَايْ» وَ«مَثْوَايْ» وَ«مَحْيَايْ» سَوَاكِنُ، وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ، لِأَنَّ السَّاكِنَ الْأَوَّلَ أَلِفٌ، وَهُوَ حَرْفُ لِينٍ.
وَفِيهَا قِرَاءَةٌ ثَالِثَةٌ، قَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ فِيمَا حَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنِ السِّمَّرِيِّ، عَنِ الْفَرَّاءِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى «يَا بُشْرَيَّ هَذَا غُلَامٌ» قَلَبَ الْأَلِفَ يَاءً وَأَدْغَمَ الْيَاءَ في الياء والتشديد من أجل ذَلِكَ، قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
تَرَكُوا هَوَيَّ وَأَعْنَقُوا لِسَبِيلِهِمْ فَتُخُرِّمُوا وَلِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
وَهَذِهِ اللُّغَةُ كثيرة في طيئ، وَهِيَ لُغَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَرَأَ:
«فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَيَّ.»
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «هَيْتُ لَكَ» بِضَمِّ التَّاءِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ «هِيتَ لَكَ» بِكَسْرِ الْهَاءِ، وَابْنُ عَامِرٍ مِثْلُهُ إِلَّا أَنَّ ابْنَ عَامِرٍ يَهْمِزُ بِرِوَايَةِ هِشَامٍ، وَأَمَّا هِشَامٌ فَإِنَّهُ قَرَأَ بِضَمِّ التَّاءِ وَالْخِلَافُ مِثْلُهُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «هَيْتَ» وَهِيَ اللُّغَةُ الْفُصْحَى.
وَمَعْنَى «هَيْتَ لَكَ» هَلُمَّ لَكَ فَ «هَيْتَ» وَ«هَلُمَّ» وَ«ادْنُهْ» بِمَعْنًى، قَالَ أَعْرَابِيٌّ يُخَاطِبُ عَلِيَّ بْنَ أبي طالب ﵁:
أبلغ أمير المؤمنين أخ االعراق إِذَا أَتَيْتَا
أَنَّ الْحِجَازَ وَأَهْلَهُ عُنُقٌ إِلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتَا
وَإِنَّمَا صَارَ الْفَتْحُ أَجْوَدَ، لِأَنَّ السَّاكِنَ الْأَوَّلَ يَاءٌ كَقَوْلِكَ «كَيْفَ» وَ«أَيْنَ» وَ«لَيْتَ»، وَلَا يُقَالُ: «كَيْفِ» وَ«أَيْنِ» وَ«لَيْتِ»، وَلَوْ قِيلَ لَجَازَ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَكْسِرُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَتَفْتَحُ وَتَضُمُّ فَالْفَتْحُ نَحْوَ «أين»، «حَيْثَ» حَكَاهُمَا الْخَلِيلُ
[ ١٨٠ ]
﵁، وَبِالضَّمِّ حَيْثُ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِهِ، وَتَقُولُ: جَيْرَ لِأَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا كَمَا تَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا.
وَأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عبدان، عن علي، عن أبي عبيد أن ابْنَ أَبِي إِسْحَاقَ قَرَأَ «وَقَالَتْ هَيِتَ لَكَ» بِكَسْرَةِ الْيَاءِ.
وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: «هِئْتُ» بِكَسْرِ الْهَاءِ وَالْهَمْزَةِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ دريد، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، قَالَ: قَالَ أَبُو أَحْمَدَ، وَكَانَ لَأْلَاءً وَكَانَ مَعَ الْقُضَاةِ ثُمَّ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ، إِنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَمْرٍو، عَنْ «هِئْتُ لَكَ» قَالَ: نَبْسَى، أَيْ: بَاطِلٌ؟ !، أُنْظُرْ مِنَ الْخَنْدَقِ إِلَى أَقْصَى حَجَرٍ بِالشَّامِ هَلْ يَقُولُ أَحَدٌ «هِئْتُ»؟ ! وَلَكِنَّهُ فَعَّلْتُ مِنْ تَهَيَّأْتُ لَكَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «هَا أَنَا لَكَ» فَ «هَا» تَنْبِيهٌ، وَرُوِيَ عَنْهُ: «هُيَّتْ لَكَ».
فَلِذَلِكَ سَبْعُ قِرَاءَاتٍ «هَيْتَ» وَ«هَيْتُ» وَ«هِيْتَ» وَ«هَيِتَ» وَ«هِئْتُ» وَ«هَا أَنَا» و«هيت».
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، «الْمُخْلِصِينَ» بِكَسْرِ اللَّامِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِالْإِخْلَاصِ كَمَا قَالَ: «مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» يُقَالُ: أَخْلَصَ يُخْلِصُ إِخْلَاصًا فَهُوَ مُخْلِصٌ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مُخْلَصِينَ» بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُمْ مَفْعُولُونَ، اللَّهُ أَخْلَصَهُمْ فَصَارُوا مُخْلَصِينَ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. وَقَدْ شَارَكُوا أَبَا عَمْرٍو وَأَصْحَابَهُ فِي مَرْيَمَ بِكَسْرِ اللَّامِ: «إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا» وَإِنَّمَا كَسَرُوا هَذَا الْحَرْفَ لِيُبَيِّنُوا أَنَّ اللُّغَتَيْنِ جَائِزَتَانِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «حَاشَا» بِأَلْفِ وَصْلٍ أَوْ وَقْفٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «حَاشَ لِلَّهِ» بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي الْوَصْلِ، وَيَجِبُ فِي قِرَاءَتِهِمْ أَنْ يَقِفُوا بغير ألف، لأن مُصْحَفَ عُثْمَانَ وَابْنَ مَسْعُودٍ ﵄: «حَاشَ لِلَّهِ» بِغَيْرِ أَلِفٍ فِيهِمَا، كَمَا قَالَ أبو عبيدة عَنْ أَبِي تَوْبَةَ، عَنِ الْكِسَائِيِّ، قَالَ: فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بِأَلْفٍ، قَالَ: وَذَهَبَ أَبُو عَمْرٍو إِلَى مَحْضِ الْفِعْلِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: حاشى يحاشي
[ ١٨١ ]
مُحَاشَاةً فَهُوَ مُحَاشٍ: إِذَا اسْتُثْنِىَ كَقَوْلِكَ: جَاءَنِي الْقَوْمُ حَاشَى زَيْدٍ، قَالَ النَّابِغَةُ:
وَمَا أُحَاشِي مِنَ الْأَقْوَامِ مِنْ أَحَدٍ
وَقَالَ الْحُذَّاقُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ: جَاءَنِي الْقَوْمُ حَاشَ زَيْدًا، أَيْ: نَحَّيْتُ زيدا عنه، كما تقول: أنا في حشى فلان، وذرى فُلَانٍ، وَفِي ظِلِّ فُلَانٍ، أَيْ: فِي نَاحِيَتِهِ.
وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: «وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ». مَعْنَاهُ: مَعَاذَ اللَّهِ، وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: حَاشَى زَيْدٍ، وَحَاشَ زَيْدٍ، وَحَاشَ لِزَيْدٍ، وَحَشَى لِزَيْدٍ، لُغَةٌ خَامِسَةٌ.
- قوله تَعَالَى: ﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾.
رَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «دَأَبًا» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «دَأْبًا» سَاكِنَةً، وَهُمَا لُغَتَانِ: الدَّأْبُ وَالدَّأَبُ مِثْلَ النَّهْرِ وَالنَّهَرِ وَالسَّمْعِ وَالسَّمَعِ «وَيَوْمَ ظَعْنِكُمْ» وَ«ظَعَنِكُمْ» وَكُلُّ اسْمٍ كَانَ ثَانِيهِ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ جَازَ حَرَكَتُهُ وَإِسْكَانُهُ، وَقَدْ شَرَحْتُ ذَلِكَ فِي الْأَنْعَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْمَعِزِ اثْنَيْنِ﴾. وَالدَّأْبُ فِي الشَّيْءِ: الْمُلَازَمَةُ وَالْعَادَةُ يُقَالُ: مَا زَالَ ذَلِكَ دَأْبُهُ وَدَيْدَنُهُ وَدَيْنُهُ وَعَادَتُهُ وَاهَجِيرَاهُ وَهِجِّيرَاهُ وَأَجْرَيَاهُ وَأَجْرِيَاؤُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالِاخْتِيَارُ: الِإسْكَانُ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى إِسْكَانِ الْهَمْزَةِ فِي قَوْلِهِ: «كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ» وَهَذَا مِثْلُهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الدَّأْبُ: الِاسْمُ، وَالدَّأَبُ: الْمَصْدَرُ، قَالَ الْكُمَيْتُ:
هَلْ تُبَلِّغُنِيكُمُ الْمُذَكِّرَةُ ال وَجْنَاءُ وَالسَّيْرُ مني الدأب
وفيها قراءة ثالثة: كان أبو عمرو إِذَا أَدْرَجَ الْقِرَاءَةَ لَمْ يَهْمِزْ «سَبْعَ سِنِينَ دَأْبًا.»
قَدْ ذَكَرْتُ عِلَّةَ ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ مِنَ الْكِتَابِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِ يَعْصِرُونَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: «تَعْصِرُونَ» بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ.
وَفِيهَا قِرَاءَةٌ ثَالِثَةٌ قَرَأَ عِيسَى الْأَعْرَجُ: «وَفِيهِ يُعْصَرُونَ» أَيْ: يُمْطَرُونَ مِنْ قَوْلِهِ:
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾.
فَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَمَعْنَاهُ: يَعْصِرُونَ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً الزَّيْتَ وَالْعِنَبَ.
ومن قرأ بالتاء فمعناه: يلجئون إِلَى الْعَصْرِ وَهُوَ الْمَلْجَأُ وَالْمَوْئِلُ وَالْوَزَرُ، وَيَنْجُونَ مِنَ النَّجَاةِ، قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ.
[ ١٨٢ ]
لَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ كُنْتُ كَالْغَصَّانِ بِالْمَاءِ اعْتِصَارِى
يُقَالُ: شَرِقَ بِالْمَاءِ وَغَصَّ بِالطَّعَامِ.
وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ كَمَعْنَى الْيَاءِ أَيْضًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «نَشَاءُ» بِالنُّونِ الله تعالى يخبر عن نفسه.
وقرأ الباقون بِالْيَاءِ «حَيْثُ يَشَاءُ» وَمَعْنَاهُ: حَيْثُ يَشَاءُ يُوسُفُ، وَيُوسُفُ لَا مَشِيئَةَ لَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال: ﴿وما تشاؤن إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وَالْمَشِيئَةُ لَهُ بَعْدَ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: أَضَلَّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ فَضَلُّوا هُمْ، وَأَمَاتَ اللَّهُ زَيْدًا فَمَاتَ هُوَ، هَذَا إِذَا جَعَلْتُ الْمَشِيئَةَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ وَالْقَضَاءِ، أَيْ: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ يَشَاءُونَ ذَلِكَ، وَمَعْنَى «يَتَبَوَّأُ» يَنْزِلُ، وَالْمُتَبَوَّأُ: الْمَنْزِلُ، وَقَدْ شَرَحْتُ ذَلِكَ فِي يُونُسَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «لِفْتِيَانِهِ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لِفِتْيَتِهِ» وَهُمَا جَمْعَانِ جَمِيعًا غَيْرَ أَنَّ فِتْيَةً: جَمْعٌ قَلِيلٌ نَحْوَ الْغِلْمَةِ وَالصِّبْيَةِ، وَفِتْيَانُ: جَمْعٌ كَثِيرٌ مِثْلَ غِلْمَانٍ وَصِبْيَانٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِاخْتِيَارُ: «وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ». لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ، وَالْجَمْعُ الْقَلِيلُ لِمَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾. يَعْنِي مِنَ الْإِثْنَى عَشَرَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. يَعْنِي فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ تَفْضِيلًا لَهَا، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الظُّلْمُ فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ: فَتًى «فَعَلٌ» مِثْلَ جَمَلٍ، وَفَعَلٌ لَا تُجْمَعُ عَلَى فِعْلَةٍ؟ فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَافَقَ غِلْمَانًا فِي الْجَمْعِ الْكَثِيرِ وَفَّقُوا بَيْنَهُمَا فِي الْجَمْعِ الْقَلِيلِ، وَهَذَا حَسَنٌ جِدًّا فَاعْرَفْهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ، أَيْ: يَكْتَالُ هُوَ: وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ يُعْطَى بَعِيرًا وَكَيْلَ بَعِيرٍ، وَالْبَعِيرُ هَاهُنَا: حِمَارٌ، كَذَا جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أَيْ: حِمْلُ حِمَارٍ وَالْبَعِيرُ: الْحِمَارُ، وَالْبَعِيرُ: الْجَمَلُ، وَالْبَعِيرُ: النَّاقَةُ، قَالَ أَعْرَابِيٌّ:
[ ١٨٣ ]
شَرِبْتُ الْبَارِحَةَ لَبَنَ بَعِيرِي، أَيْ: نَاقَتِي.
وَمَنْ قَرَأَ بِالنُّونِ أَيْ: نَكْتَالُ جَمِيعًا، وَهُوَ يَكْتَالُ مَعَنَا، يَكْتَلْ وَنَكْتَلْ جَمِيعًا مَجْزُومَانِ، لِأَنَّهُ جَوَابُ الْأَمْرِ، وَجَوَابُ الْأَمْرِ إِنَّمَا يَنْجَزِمُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، أَرْسِلْهُ مَعَنَا فَإِنَّكَ إِنْ أَرْسَلْتَهُ مَعَنَا نَكْتَلْ.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: مَا وَزْنُهُ مِنَ الْفِعْلِ؟
فَقُلْ: يَفْتَعِلُ وَالْأَصْلُ: يَكْتَيِلُ فَاسْتَثْقَلُوُا الْكَسْرَةَ عَلَى الْيَاءَ فَخُزِلَتْ فَانْقَلَبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا، لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا فَصَارَتْ يَكْتَالُ، فَالْتَقَى سَاكِنَانِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ ذَلِكَ، لِأَنَّ أَبَا عُثْمَانَ الْمَازِنِيَّ سَأَلَ يَعْقُوبَ بْنَ السِّكِّيتِ، عَنْ نَكْتَلْ مَا وَزْنُهُ؟ فَقَالَ: نَفْعَلُ فَغَلِطَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فلما استيأسوا﴾ و﴿حتى إذا استيأس الرُّسُلُ﴾.
رَوَى شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «اسْتَئَاسَ» بالألف «فلما استئياسوا» لامه، والمصدر منه استيأس يستيئس استيئاسا فَهُوَ مُسْتَيْئِسٌ، وَجَعَلَهُ شِبْلٌ اسْتَفْعَلَ مِنْ أَيِسَ الْهَمْزَةُ قَبْلَ الْيَاءِ وَالْإِيَاسُ، الْمَصْدَرُ مِنْ هَذَا، استأيس يستأيس استئياس فَهُوَ مُسْتَيْئِسٌ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ:
يَئِسْتُ مِنَ الشَّيْءِ وَأَيَسْتُ مِنْهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «حَافِظًا».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «حِفْظًا».
فَمَنْ قَرَأَ «حِفْظًا» نَصَبَهُ على التمييز كما تقول: هو أحسن منك وَجْهًا وَأَحْسَنُ مِنْكَ رِعَايَةً.
وَمَنْ قَرَأَ «حَافِظًا» نَصَبَهُ عَلَى الْحَالِ وَعَلَى التَّمْيِيزِ جَمِيعًا، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ «فَاللَّهُ خَيْرُ الْحَافِظِينَ» جَمْعُ حَافِظٍ، كَمَا قَالَ: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾.
وَالْعَرَبُ تَقُولُ: هُوَ خَيْرُهُمْ أَبًا، ثُمَّ يَحْذِفُونَ الْهَاءَ وَالْمِيمَ فَيَقُولُونَ: هُوَ خَيْرٌ أَبًا، وَكَذَلِكَ خَيْرُهُمْ حِفْظًا وَ«خَيْرٌ حَافِظًا» بِمَعْنًى.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِ الْعَرَبِ: زَيْدٌ أَفْرَهُ عَبْدًا وَأْفَرَهَ عَبْدٍ؟ فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنَّكَ إِذَا خَفَضْتَهُ مَدَحْتَهُ فِي نَفْسِهِ، وَكَانَ هُوَ الْعَبْدُ الْفَارِهُ، وَإِذَا نَصَبْتَ فَمَعْنَاهُ: أَنَّ عَبِيدَ زَيْدٍ أَفْرَهُ مِنْ عَبِيدِ غَيْرِهِ، وَتُقُولُ: الْخَلِيفَةُ أَفْرَهُ عَبْدًا مِنْ غَيْرِهِ وَأَفْرَهُ عَبِيدًا، وَهَذَا الْمَمْلُوكُ
[ ١٨٤ ]
أَفْرَهُ عَبْدٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إليهم﴾.
روى حفص عن عاصم «نوحي» بالنون وَكَسْرِ الْحَاءِ، اللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يُوحَى» عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، فَالْمَصْدَرُ مِنَ الْأَوَّلِ: أَوْحَيْنَا نُوحِي إِيحَاءً، وَمِنَ الثَّانِي أُوحِيَ إِلَيْهِمْ يُوحَى، وَفِيهَا لُغَةٌ ثَالِثَةٌ يُقَالُ: وَحَيْتُ إِلَيْهِ بِمَعْنَى أَوْحَيْتُ، فَإِذَا لَمْ تُسَمِّ فَاعِلَهُ مِنْ هَذَا قُلْتَ: وُحِيَ إِلَيْهِ.
حَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنِ السِّمَّرِيِّ، عَنِ الْفَرَّاءِ قَالَ: قَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ الْأَسَدِيُّ «قُلْ أُحِيَ إِلَيَّ» أَرَادَ: وُحِيَ فَقَلَبَ الْوَاوَ هَمْزَةً اسْتِثْقَالًا لِلضَّمَّةِ عَلَيْهَا مِثْلَ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ وَ«وُقِّتَتْ» وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: فُلَانُ ابْنُ أَدٍّ، إِنَّمَا هُوَ وُدٌّ فُعْلٌ مِنَ الْوُدِّ فَقُلِبَ.
وَقَرَأَ حَفْصٌ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ «نُوحَى» بِالنُّونِ إِلَّا فِي ﴿عسق﴾ فَإِنَّهُ قَرَأَ «كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ». أَيْ: يُوحِي اللَّهُ إِلَيْكَ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يُوحِي».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحْدَهُ: «قَالُوا إِنَّكَ» بِغَيْرِ مَدٍّ عَلَى لَفْظِ الْخَبَرِ، كَمَا تَقُولُ: إِنَّكَ في الدار.
وقرأ الباقون: «أإنك» بِالِاسْتِفْهَامِ، غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ هَمَزُوا هَمْزَتَيْنِ وَالْبَاقُونَ بِهَمْزَةٍ وَمَدَّةٍ وَقَدْ بَيَّنَّا عِلَّةَ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَحُجَّةُ ابْنِ كَثِيرٍ أَنَّهُمْ لَوِ اسْتَفْهَمُوا لَقَالَ لَهُمْ فِي الْجَوَابِ: نَعَمْ أَوْ لَا وَلَكِنَّهُمْ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ هُوَ يُوسُفُ، فَقَالَ فِي الْجَوَابِ «أَنَا يُوسُفُ».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مِنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ فِيمَا قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ مُجَاهِدٍ عَلَى قُنْبُلٍ: «مَنْ يَتَّقِي» بِالْيَاءِ وَهُوَ جَزْمٌ بِالشَّرْطِ، غَيْرَ أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُجْرِي الْمُعْتَلَّ مَجْرَى الصَّحِيحِ فَيَقُولُ: زَيْدٌ لَمْ يَقْضِي، وَالِاخْتِيَارُ: لَمْ يَقْضِ تَسْقُطُ الْيَاءُ لِلْجَزْمِ، وَبِهَذَا نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَهِيَ اللُّغَةُ الْمُخْتَارَةُ كَمَا قَالَ: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾.
وَلَمْ يَقُلْ: قَاضِي. وَكَانَ الْأَصْلُ فِيمَنْ أَثْبَتَ الْيَاءَ: يَتَّقِي بِضَمِّ الْيَاءِ فِي الرَّفْعِ فَلَمَّا انْجَزَمَ سَقَطَتِ الضَّمَّةُ وَبَقِيَتِ الْيَاءُ سَاكِنَةٌ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ هَذِهِ اللُّغَةُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وسائر
[ ١٨٥ ]
النَّحْوِيِّينَ فِي ضَرُورَةِ شِعْرٍ كَمَا قَالَ:
أَلَمْ يأتيك والأنباء تنمي ما لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ
وَلَمْ يَقُلْ: أَلَمْ يَأْتِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَظَنُّوا ﴿أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِخَفَّفًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُشَدَّدًا، فَمَنْ شَدَّدَ فَالظَّنُّ، هَاهُنَا لِلْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ ظَنُّ عِلْمٍ وَيَقِينٍ، وَمَعْنَاهُ: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ قَوْمِهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا وَظَنُّوا أَيْ: عَلِمُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا أَيْ: جَاءَ الرُّسُلَ نَصْرُنَا.
وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ فَالظَّنُّ ظَنُّ شَكٍّ وَهُوَ الْكَافِرُ، وَالتَّقْدِيرُ: فَظَنَّ الْكَافِرُ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا فِيمَا أَوْعَدُوا أَنْ يَأْتِيَهُمْ مِنَ النَّصْرِ.
وَفِيهَا قِرَاءَةٌ ثَالِثَةٌ: حَدَّثَنِي أحمد بن عبدان، عن علي، عن أبي عُبَيْدٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَرَأَ «فَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا» بِفَتْحِ الْكَافِ خَفِيفًا فَيَكُونُ هَذَا الظَّنُّ لِلْكَفَرَةِ وَالْفِعْلُ لِلرُّسُلِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ «فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ» بِنُونٍ وَاحِدَةٍ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ مَاضٍ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَ«مَنْ» فِي مَوْضِعِ رَفْعِ اسْمِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النُّونَ خَفِيَتْ فِي اللَّفْظِ لِلْغُنَّةِ الَّتِي فِيهَا فَحُذِفَتْ خَطَأً.
وَالِاخْتِيَارُ مَا قَرَأَهُ الْبَاقُونَ «فَنُنَجِّي مَنْ نَشَاءُ» بِنُونَيْنِ الْأُولَى عَلَامَةُ الِاسْتِقْبَالِ، وَالثَّانِيَةُ أَصْلِيَّةٌ مِثْلَ «وَمَا نُنَزِّلُهُ» وَالْيَاءُ سَاكِنَةٌ، لِأَنَّ الْيَاءَ تُسْكَنُ فِي الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ وَتُفْتَحُ فِي الْفِعْلِ الْمَاضِي مِثْلَ قَضَى يَقْضِي.
وَرَوَى نَصْرٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو: «فَنَّجِي مَنْ نَشَاءُ» بِإِدْغَامِ النُّونِ وَسَكُونِ الْيَاءِ.
قَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ ﵁: وَغَلِطَ، لِأَنَّ النُّونَ لَا يَجُوزُ إِدْغَامُهَا فِي الثَّانِيَةِ هَاهُنَا، لِأَنَّهَا سَاكِنَةٌ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵁: إِنَّمَا يُدْغَمُ السَّاكِنُ فِي الْمُتَحَرِّكِ لَا الْمُتَحَرِّكُ فِي السَّاكِنِ، لِأَنَّ الْمُتَحَرِّكَ حَيٌّ، وَالسَّاكِنَ مَيِّتٌ، وَمِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ أَنْ تَدْفِنَ مَيِّتًا فِي الْحَيِّ وَلَا يَدْفِنُونَ حَيًّا فِي مَيِّتٍ.
وَفِيهَا قِرَاءَةٌ رَابِعَةٌ: قَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: «فَنَجَا مَنْ نَشَاءُ» فِعْلًا ماضيا.
[ ١٨٦ ]
وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ السُّورَةِ فِي تَحْرِيكِ يَاءَاتِ الْإِضَافَةِ وَإِسْكَانِهَا فِي مَوَاضِعَ قَدْ بَيَّنْتُ بَعْضَهَا وَسَأَذْكُرُ الْبَاقِيَ.
«بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي».
فَتَحَ نَافِعٌ الْيَاءَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَسْكَنَهَا الْبَاقُونَ، وَأَسْكَنَ ابْنُ كَثِيرٍ «تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ»، «وَأُرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا»، «أراني أحمل فوق رأسي»، «أبري»، «رحمة ربي»، «ألا ترون أني أوفي الكيل»، «يأذن لي أبي»، «حزني إلى الله»، «رَبِّي أَحْسَنُ»، «وَبَيْنَ إِخْوَتِي»، «سَبِيلِي أَدْعُو».
وَحَرَّكَهُنَّ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو إِلَّا قَوْلَهُ «إِنِّي أُوفِي الْكَيْلَ» وَأَسْكَنَ أَيْضًا «لِيَحْزُنَنِي» وَ«تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ» و«إخوتي إن»، «وهذه سَبِيلِي أَدْعُو».
وَحَرَّكَهَا نَافِعٌ.
وَأَسْكَنَ الْبَاقُونَ كُلَّ ذَلِكَ.
وَحَذَفْتُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ «تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ» فَوَصَلَهَا أَبُو عَمْرٍو وَنَافِعٌ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ، وَوَقَفَ بِغَيْرِ يَاءٍ وَوَصَلَهَا ابْنُ كَثِيرٍ بِالْيَاءِ، وَوَقَفَ بِيَاءٍ أَيْضًا، وَوَصَلَ الْبَاقُونَ وَوَقَفُوا بِغَيْرِ يَاءٍ اتِّبَاعًا لِلْمُصْحَفِ، وَقَدْ أَنْبَأْتُ عَنِ الْعِلَّةِ فِيمَا تَقَدَّمَ فَأَغْنَى عَنِ الْإِعَادَةِ هاهنا (^١).
_________________
(١) قال ابن الجزري في النشر ص/ ٣٢٢: «(وفيها من ياءات الإضافة اثنان وعشرون) (ليحزنني أن) فتحها المدنيان وابن كثير (ربي أحسن، أراني أعصر، أراني أحمل، إني أرى سبع، إني أنا أخوك، أبي أو، إني أعلم) فتح السبع المدنيان وابن كثير وأبو عمرو (أني أوفي) فتحها نافع واختلف عن أبي جعفر من روايتيه كما تقدم (وحزني إلى) فتحها المدنيان وأبو عمرو وابن عامر (وبين إخوتي إن) فتحها أبو جعفر والأزرق عن ورش وانفرد أبو علي العطار عن النهرواني عن الأصبهاني وعن هبة الله بن جعفر بن قالون بفتحها (سبيلي أدعوا) فتحها المدنيان (إني أراني) فيهما، (وربي إني تركت، نفسي إن النفس، رحم ربي إن، لي أبي، بي إنه، بي إذ أخرجني) فتح الثماني: المدنيان وأبو عمرو (آبائي إبراهيم، لعلي أرجع) فتحهما المدنيان وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر. (وفيها من الزوائد ست) فأرسلون، ولا تقربون، وأن تفندون، أثبتهن في الحالين يعقوب، (حتى تؤتون) أثبتها وصلا أبو جعفر وأبو عمرو وأثبتها في الحالين ابن كثير ويعقوب وكذلك (من يتق ويصبر) لقنبل والله أعلم».
[ ١٨٧ ]