الْحِجْرُ
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
نَافِعٌ وَعَاصِمٌ: «رُبَمَا» مُخَفَّفًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُشَدَّدًا، وَهُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِيَارَ التَّشْدِيدُ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَلَوْ صَغَّرْتَ لَقُلْتَ: رُبَيْبٌ، وَمَنْ خَفَّفَ أَسْقَطَ بَاءً تَخْفِيفًا، قَالَ الشَّاعِرُ شَاهِدًا لِمَنْ شَدَّدَ:
يَا رُبَّ سَارٍ بَاتَ مَا تَوَسَّدَا تَحْتَ ذِرَاعِ الْعَنْسِ أَوْ كَفَّ الْيَدَا
اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي الْيَدِ وَمَا مَوْضِعُهَا؟ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: مَوْضِعُهَا جَرٍّ فَأَتَى بِهَا عَلَى الْأَصْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي يَدٍ يَدِيَ، آخِرُهَا يَاءٌ، تَقُولُ فِي الْجَمْعِ أَيْدِي، وَتَلْخِيصُ ذَلِكَ: كَفَّ الْيَدِي، ثُمَّ قَلَبَ الْيَاءَ أَلِفًا فَقَالَ: الْيَدَا كَمَا تَقْلِبُ الْعَرَبُ الْأَلِفَ يَاءً إِذَا اضْطَرُّوا إِلَيْهَا لِقَافِيَةِ شِعْرٍ، وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
قَوَاطِنًا مَكَّةَ مِنْ وَرَقِ الْحَمِي
أَرَادَ: الْحَمَامَ فَأَسْقَطَ الْمِيمَ الْأَخِيرَةَ فَبَقِيَ الْحَمَا، ثُمَّ خَطَّ الْأَلِفَ إِلَى الْيَاءِ فَقَالَ:
الْحَمِي.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: مَوْضِعُ «الْيَدِ» نَصْبٌ، وَ«كَفَّ» فِعْلَ مَاضٍ أَوْ كَفَّ الْيَدَ، كَمَا يَقُولُ: مَنَعَ الْيَدَ.
وَقَالَ الْآخَرُ شَاهِدًا لِنَافِعٍ:
فَسُمَيُّ مَا يُدْرِيكِ أَنْ رُبَّ فِتْيَةٍ بَاكَرْتُ سُخْرَتُهُمْ بِأَدْكَنَ مُتْرَعِ
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّ «رُبَّ» لِلتَّقْلِيلِ بِمَنْزِلَةِ «كَمْ» لِلتَّكْثِيرِ فَلِمَ أَتَى بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؟
فَقُلْ: إِنَّ القرآن نزل بلسان عربي، وَهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ أَحَدَهُمَا فِي مَوْضِعِ الْآخِرِ كَقَوْلِكَ إِذَا أَنْكَرْتَ عَلَى رَجُلٍ فَلَمْ يَقْبَلْ: رُبَّمَا نَهَيْتَ فُلَانًا فَلَمْ يَنْتَهِ.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: مَا مَوْضِعُ «مَا» فِي «رُبَمَا» فَقُلْ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ:
تَكُونُ «مَا» نَائِبَةٌ عَنِ اسْمٍ مَنْكُورٍ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ.
وَتَكُونُ صِلَةً، وَذَلِكَ أَنَّ «إِنَّ» وَ«رُبَّ» لَا يَلِيهِمَا إِلَّا الْأَسْمَاءُ فَإِذَا وَلِيَتْهُمَا الْأَفْعَالُ
[ ١٩٩ ]
وَصَلُوهَا بِ «مَا» كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وَلَا يَجُوزُ أَنَّ يَخْشَى وَ﴿رُبَّمَا يَوَدُّ﴾ وَلَا تَقُلْ: رُبَّ يَوَدُّ.
وفي «رب» ست لغات: «رب»، «رب»، «رُبَّمَا»، وَ«رَبَّمَا»، وَ«رُبَمَا» مُخَفَّفًا وَ«رَبَّتَمَا» مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا.
وَالْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ «مَا» مَعَ يَوَدُّ مَصْدَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: رُبَّ وِدَادِ الَّذِينَ كَفَرُوا.
فَأَمَّا التَّفْسِيرُ فَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا عَايَنَ الْكَافِرُ الْمَوْتَ يَوَدُّ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا وَقَالَ آخَرُونَ:
إِذَا عَايَنَ أَهْوَالَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْذَنُ فِي الشَّفَاعَةِ لِلْمُوَحِّدِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ أَدْخَلَتْهُمْ ذُنُوبُهُمُ النَّارَ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا الْكَيِّسُ وَالْفَقِيرُ وَالْغَنِيُّ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللَّهِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، «مَا تُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ» بِالتَّاءِ وَالضَّمِّ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَإِنَمَّا أَنَّثَ، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ جَمْعٌ، وَتَأْنِيثُ الْجَمَاعَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَلَكَ أَنْ تُؤَنِّثَ عَلَى اللَّفْظِ وَتُذَكِّرَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. وَ«فَنَادَاهُ» وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الْيَاءِ وَالتَّاءِ فَاجْعَلُوهَا يَاءً.
وقرأ حمزة، والكسائي وحفص عن عاصم «ما نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ» بِالنُّونِ وَبِنَصْبِ «الْمَلَائِكَةِ»، لِأَنَّهُمْ مَفْعُولُونَ، اللَّهُ تَعَالَى الْمُنَزِّلُ وَالْمُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا قَالَ:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «وَمَا تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ» بِالتَّاءِ مَفْتُوحَةً وَرَفَعَ «الْمَلَائِكَةُ»» وَ«تَنَزَّلُ». فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَفِي اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا فِعْلٌ مُضَارِعٌ وَ«الْمَلَائِكَةُ» رُفِعَ بِفِعْلِهِمْ، لِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَنْزَلَ الْمَلَائِكَةَ نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ وَ«نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينَ» فَالْمَصْدَرُ مِنْ نَزَلَ يَنْزِلُ نُزُولًا فَهُوَ نَازِلٌ، وَمِنْ أَنْزَلَ يَنْزِلُ إِنْزَالًا فَهُوَ مُنْزِلٌ وَمِنْ نَزَّلَ يَنْزِلُ تَنْزِيلًا فَهُوَ مُنَزِّلٌ، وَمِنْ تَنَزَّلَ يَتَنَزَّلُ تَنَزُّلًا فَهُوَ مُتَنَزِّلٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحْدَهُ ««سُكِرَتْ» خَفِيفَةً أَيْ: سُجِرَتْ، كَمَا يُقَالُ: سَكَرْتُ الْمَاءَ في النهر.
[ ٢٠٠ ]
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «سُكِّرَتْ» أَيْ: سُدَّتْ وَغُطِّيَتْ، تَقُولُ الْعَرَبُ: سَكَرَتِ الرِّيحُ، أَيْ: سَكَنَتْ وَرَكَدَتْ، وَصَامَتْ عَنِ الْخَلِيلِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، عَنْ أَبِي عُمَرَ، عَنِ الْكِسَائِيِّ، قَالَ: سَكَرَتْ وَسُكِّرَتْ لُغَتَانِ وَإِنِ اخْتَلَفَ تَفْسِيرُهُمَا.
وَفِيهَا قِرَاءَةٌ ثَالِثَةٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ رِشْدِينَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّهُ قَرَأَ: «لقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا» بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْكَافِ، أَيِ: اخْتَلَطَتْ وَتَغَيَّرَتْ كَمَا تَقُولُ: سَكِرَ الرَّجُلُ: إِذَا تَغَيَّرَ عَقْلُهُ، وَيُنْشِدُ:
جَاءَ الشتاء وَاجْثَأَلَّ الْقُبَّرُ وَجَعَلَتْ عَيْنَ الْحَرُورِ تَسْكُرُ
وَطَلَعَتْ شَمْسٌ عَلَيْهَا مِغْفَرُ
أَيْ: غَيْمٌ، وَمَعْنَى هَذِهِ الآية أنهم رأوا الْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتِ وَالْعَلَامَاتِ النَّيِّرَاتِ كَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَالدُّخَانِ وغير ذلك وأنكروا ذلك وجحدوا فقال الله عليم بِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، لَوْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سِوَى هَذِهِ الْآيَاتِ آيَاتٍ لَقَالُوا: إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «فَبِمَ تُبَشِّرُونِّ» مُشَدَّدَةَ النُّونِ مَكْسُورَةً، أَرَادَ: فَبِمَ تُبَشِّرُونَنِي، النُّونُ الْأُولَى عَلَامَةُ الرَّفْعِ، وَالثَّانِيَةُ مَعَ الْيَاءِ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ فَأَدْغَمَ النُّونَ فِي النُّونِ تَخْفِيفًا، وَحَذَفَ الْيَاءَ اجْتِزَاءً بِالْكَسْرَةِ لرءوس الآي، مثل: «فإياي فَارْهَبُونَ».
وَقَرَأَ نَافِعٌ «تُبَشِّرُونِ» بِكَسْرِ النُّونِ أَيْضًا مِثْلَ ابْنِ كَثِيرٍ غَيْرَ أَنَّهُ حَذَفَ إِحْدَى النُّونَيْنِ تَخْفِيفًا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
تَرَاهُ كَالثَّغَامِ يعل مسكا سوء الْفَالِيَاتِ إِذَا فَلَيْنِي
أَرَادَ: فَلَيْنَنِي فَحَذَفَ إِحْدَى النُّونَيْنِ، هَذَا مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ.
وَقَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: أَدْغَمَ ثُمَّ حَذَفَ، وَحُجَّتُهُمْ: ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ وَ﴿أَتَعِدَانِنِي﴾.
فَقَالُوا: لَمَّا أُظْهِرَتِ النُّونَاتُ لَمْ تُحْذَفْ، وَإِنَّمَا الْحَذْفُ فِي الْمُشَدَّدَاتِ نَحْوَ «تَأْمُرُونِي» وَ«أَتُحَاجُّونِي» فَاعْرَفْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ حَسَنٌ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «فَبِمَ تُبَشِّرُونَ» مَفْتُوحَةَ النُّونِ خَفِيفَةً، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوُا الْإِضَافَةَ إِلَى النَّفْسِ، وَكَانَتِ الْبِشَارَةُ أَنَّهُمْ بَشَّرُوهُ بِوَلَدٍ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ قَدْ أَتَتْ عَلَيْهَا سبعون سنة،
[ ٢٠١ ]
وَقَدْ أَتَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ قَنَطَا، أَيْ: يَئِسَا مِنَ الْوَلَدِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾، وَيُقْرَأُ «مِنَ الْقَنِطِينَ» وَمَعْنَاهُمَا: مِنَ الْآيِسِينَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي خَلَّادٍ، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي عمرو ﴿فلا تكن من القانطين﴾، بِغَيْرِ أَلِفٍ.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْنُطْ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَالْكِسَائِيُّ «يَقْنِطْ» بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْمَاضِي مِنْهُ عَلَى قَنَطَ بِفَتْحِ النُّونِ، فَإِذَا كَانَ الْمَاضِي مَفْتُوحًا لَمْ يَجُزْ فِي الْمُضَارِعِ إِلَّا الْكَسْرِ وَالضَّمِّ قَنَطَ يَقْنِطُ وَيَقْنُطُ، وَقَرَأَ بِذَلِكَ أَبُو حَيْوَةَ مِثْلَ عَكَفَ يَعْكُفُ وَيَعْكِفُ، وَقَدْ أَجْمَعُوا جَمِيعًا عَلَى فَتْحِ النُّونِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾. وَلَا يَجُوزُ فَتْحُ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ نَحْوَ ذَهَبَ يَذْهَبُ وَسَخِرَ يَسْخَرُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «وَمَنْ يَقْنَطُ» بِفَتْحِ النُّونِ، فَإِنْ جَعَلُوا مَاضِيهِ قَنِطَ بِالْكَسْرِ وَإِلَّا فَهُوَ شَاذٌّ، وَالِاخْتِيَارُ ما قدمت ذكره.
وحكى أبو عمرو، والشيباني قَنَطَ عَنَّا الْمَاءُ قَنْطًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «مُنْجُوهُمْ» خَفِيفًا مِنْ أَنْجَى يُنْجِي وَالْأَصْلُ: مُنَجُووهُمْ بِوَاوَيْنِ، الْأُولَى لَامُ الْفِعْلِ نَجَا يَنْجُو وَالثَّانِيَةُ: وَاوُ الْجَمْعِ فَانْقَلَبَتِ الْأُولَى يَاءٌ لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا وَهُوَ الْجِيمُ فَصَارَتْ لَمُنْجُيُوهُمْ، فَاسْتَثْقَلُوُا الضَّمَّةَ عَلَى الْيَاءِ فَحُذِفَتْ فَالْتَقَى سَاكِنَانِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ، فَحَذَفُوُا الْيَاءَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَضَمُّوُا الْجِيمَ لِمُجَاوَرَةِ وَاوِ الْجَمْعِ، وَالنُّونُ سَاقِطَةٌ لِلْإِضَافَةِ وَالْأَصْلُ: لَمُنْجُونَهُمْ وَإِنَّا مُنْجُونَكَ فَسَقَطَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ فَصَارَتْ مُنْجُوكَ وَمُنْجُوهُمْ، فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهَا أَصْلٌ لِمَا يَرِدُ عَلَيْكَ مِنْ نَظِيرِهَا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لَمُنَجُّوهُمْ» مُشَدَّدًا مِنْ نَجَّى يُنَجِّي، قَالَ قَوْمٌ: نَجَّى وَأَنْجَى وَكَرَّمَ وَأَكْرَمَ لُغَتَانِ، وَقَالَ آخَرُونَ: نَجَّى لِلْتَكْرِيرِ وَالتَّكْثِيرِ، وَقَدْ تَأَمَّلْتُ نَجَا فِي الْعَرَبِيَّةِ فَوَجَدْتُهُ يَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ: نَجَا يَنْجُو مِنْ عَذَابٍ، وَنَجَا يَنْجُو بِمَعْنَى أَنْجَى يُنْجِي:
إِذَا طَافَ وَتَغَوَّطَ، قَالَ الشَّاعِرُ: بِمَعْنَى طَافَ:
عَشَّيْتُ جَابَانَ حَتَّى استد مغرضه كاد يَنْقَدُّ لَوْلَا أَنَّهُ طَافَا
وَنَجَا يَنْجُو: إِذَا اسْتَكَنَّهُ السَّكْرَانُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
[ ٢٠٢ ]
نَجَوْتُ مُقَاتِلًا فَوَجَدْتُ فِيهِ كَرِيحِ الْكَلْبِ مَاتَ حَدِيثَ عَهْدٍ
وَنَجَا يَنْجُو: إِذَا اسْتَخْرَجَ الْوَتَرَ من الشجر وأنشد:
فتبازت فتبازخت لها جلسة الْجَازِرِ يَسْتَنْجِي الْوَتَرْ
أَيْ: يَسْتَخْرِجُ.
وَنَجَا الْجِلْدُ عَنِ الشَّاةِ، وَأَنْشَدَ:
فَقُلْتُ أَنْجُوَا عَنْهَا نَجَا الْجِلْدِ إِنَّهُ سَيُرْضِيكُمَا مِنْهَا سَنَامٌ وَغَارِبُهْ
- وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿إلا امرأته قَدَّرْنَا﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ مُخَفِّفًا فِي كُلِّ الْقُرْآنِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُشَدَّدًا، فَقَدَرْتُ يَكُونُ مِنَ التَّقْدِيرِ، وَمِنَ التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يُكْثِرُ، وَ﴿يَقْدِرْ﴾ أَيْ: يَقْتَرِبْ وَمِنْهُ: ﴿قَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾.
وَمَنْ شَدَّدَ كَانَ الْفِعْلُ عَلَى لَفْظِ مَصْدَرِهِ قَدَّرَ يُقَدِّرُ تَقْدِيرًا فَهُوَ مُقَدَّرٌ.
أَخْبَرَنِي ابْنُ عَرَفَةَ، عَنْ ثَعْلَبٍ: قَدَرْتُ الثَّوْبَ خَفِيفًا مِنَ التَّقْدِيرِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾. فَإِنَّ الْكِسَائِيَّ وَحْدَهُ خَفَّفَ، وَمَعْنَاهُ: قَدَّرَ فَهَدَى أي: هدى الذكر كيف يأتي الأنثى من كُلِّ حَيَوَانٍ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: فِيمَا حَدَّثَنِي عَنْهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنِ السِّمَّرِيِّ، عَنِ الْفَرَّاءِ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَأَضَلَّ، فَحَذْفٌ وَأَضَلَّ لِدِلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، وَلِتَوَافُقِ رُءُوسِ الْآيِ كَمَا قَالَ: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾. أَرَادَ: الْحَرَّ وَالْبَرْدَ فَاكْتَفَى، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ وَجْهًا أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي
أَرَادَ: الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي:
أَأَلْخَيْرُ الَّذِي أَنَا أَتَّبِعْهُ أَمِ الشَّرُّ الَّذِي يَأْتَلِينِي
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحْدَهُ: «نَحْنُ قَدَرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ» مُخَفَّفًا وَشَدَّدَهَا الْبَاقُونَ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ: «فَقَدَّرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ» مُشَدَّدًا، وَخَفَّفَهَا الْبَاقُونَ.
فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: لَوْ كَانَ قَدَّرْنَا لَكَانَ فَنِعْمَ الْمُقَدِّرُونَ، وَحُجَّةُ الْبَاقِينَ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُشَدَّدَ بَعْدَ التَّخْفِيفِ يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ اسْمُ الْفَاعِلِ وَالْمَصْدَرُ عَلَى التَّخْفِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا﴾ وَلَمْ يَقُلْ تَعْذِيبًا.
[ ٢٠٣ ]
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾.
فِي الْقُرْآنِ أَرْبَعَةُ مواضع فاختلفوا في ص والشعراء وَاتَّفَقُوا عَلَى الَّذِي فِي الْحِجْرِ وَالَّذِي فِي ق.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ فِي الشُّعَرَاءِ: «وَأَصْحَابُ لَيْكَةِ» بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، مثل غيضة وبيضة ولم يصرفوها (^١).
_________________
(١) قال ابن الجزري في النشر ص/ ٣٢٧: «(وفيها من ياءات إضافية أربع) (عبادي إني أنا) (وقل إني أنا) فتح الياء في الثلاثة المدنيان وابن كثير وأبو عمرو (وبناتي إن كنتم) فتحها المدنيان. (ومن الزوائد ثنتان) (فلا تفضحون، ولا تخزون) أثبتهما في الحالين يعقوب».
[ ٢٠٤ ]