قولُه تَعَالى: ﴿بِوالِديه إِحْسانًا﴾.
قرأ أهلُ الكُوفة: «إِحْسانًا» اتباعًا لمصاحفهم.
وقرأ الباقون: «حُسْنًا» جعلوه مصدرَ حَسُنَ يَحْسُنُ حُسْنًا.
والباقون جَعلوه مصدرَ أحْسَنَ يُحْسِنُ إحسانًا.
قَالَ بعضُ النَّحويين: الاختيار «حُسْنًا» لاتّفاقهم عَلَى قولِهِ فِي العَنْكَبُوت:
﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لينذر الَّذِيِْنَ ظَلَمُوا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ بروايةِ قُنبل وأبو عَمْرو وأهلُ الكوفةِ «ليُنْذِرَ» بالياء فيكون المَعنى ليُنْذِرَ القُرآن، وليُنْذِرَ اللهُ تَعَالى، ولِيُنْذِرَ مُحَمَّد - ﷺ -.
وقرأ البزي «لتنذر» بالتاء، والياء كليهما.
وقرأ نافع وابن عامر بالتاء «لتنذر» أنت يا مُحَمَّد وحجة هذه القراءة ﴿إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هاد﴾ أي: داع يدعوهم. فقيل: الهادي هاهنا مُحَمَّد ﵇، وقيل: عليّ ﵁، وقيلَ اللَّه تَعَالى.
وقولُه تَعَالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾.
قرأ أَبُو عَمرو وهشام، عن ابن عامر ونافعٌ وابنُ كثيرٍ، بالفتح.
وقرأ الباقون بالضَمِّ. وقد ذكرتُ علّة ذَلِكَ فيما سلف.
وقولُه تعالى: ﴿وحمله وفصاله﴾.
اتفق القراء على هذه إلا الْحَسَن، فإنه قرأ: «وَفَصْلُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا».
وأكثرُ كلامِ العرب فِصَالٌ، فِي الحَدِيْثِ: «لا رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ» ﴿حتَّى إذَا بَلَغَ أشَدَّهُ﴾ واحدُ الَأشُدِّ شدّ فأعلم، فِي قول النحويين إلا الأخفش فإنه قَالَ: شدّة وأَشُدٌّ مثل نعمة وأنعم.
وقال المُفسرون: بلغ أَشُدّة اثنتي عشرة سنةً، وقيل ثمانِ عشرةَ سنةً، وقيل: ثلاثين سنة، وقيل: أربعين سنة: ﴿قال رب أوزعني أن أشكر﴾: ألهمني.
[ ٤١٣ ]
وقولُه تَعَالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ﴾.
قرأ حمزةُ، والكِسَائِيُّ وحفصٌ، عنْ عاصمٍ «نَتَقَبَّل» «ونَتَجَاوَزُ» بالنون، اللَّه تَعَالى يُخبر عنْ نَفسه، وإنما اختاروا هذه القِراءة لقوله «وَوَصَّيْنا.»
وقرأ الباقون: «يُتَقَبَّلُ» «ويُتَجَاوز» بالياءِ على ما لم يسم فاعله و«أحسن» اسمه. ومَن قَرَأَ بالنُّون نصب «أحسنَ» لأنَّه مفعول بِهِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿أُفٍ لَكُمَا﴾.
قرأ نافعٌ وحفصٌ عنْ عاصمٍ «أُفٍّ» منونًا.
وقرأ ابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ: «أُفًّا» نصبًا.
والباقون: «أفٍّ» وقد ذكرت علله فِي «سبحان» وإنما ذكرته أيضًا، لأنَّ بعضَ المفسرين قَالَ: «والَّذِي قَالَ لِوالديه أفٍّ لَكُمَا» هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر الصِّديق قبل أن يُسلم، وذلك غَلَطٌ، إنّما نزل فِي الكافرِ العاقِّ.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَتَعِدَاننِي﴾.
اتَّفَقَ القُراء عَلَى كسرِ النُّون، وإنما ذكرته، لأنَّ ابْنُ مجاهدٍ حَدَّثَنِي عنْ أَحْمَد بْن زُهَيْرٍ، عنْ القَصِبِيّ مُحَمَّد بْن عُمَر، عنْ عَبْد الوارث، عنْ أَبِي عمرو، أنه قال: «أتعدنني» بفتح النون. قَالَ: وهي لغةٌ يعني فتح النون. قال الشاهر:
عَلَى أَحْوَذِيَّينَ اسِتَقَلَّتْ عَلَيهِمَا فَمَا هِيَ إلَّا لَمْحَةً فَتَغِيبُ
ففتح نُون الاثنين. وأكثرُ النَّحويين يرونه لحنًا، فإذا عُورضوا بهذا البيت قَالُوا: إنما جازَ بهذا لأنَّ قبل النُّون ياءُ، والياءُ أختُ الكسرةِ. فتفر العربُ من كسرةٍ إلى فتحةٍ، وهذا خطأ، لأنَّ الآخرَ قد قَالَ:
تَعْرِفُ مِنْهَا الجِيْدَ وَالعَيْنَانَا وَمَنْخِرَانَ أَشْبَهَا ظَبْيَانَا
فَقَالَ أصحابُ القولِ الأولِ: الأصلُ نصبُ العينين فأتوا بألف عَلَى لغةِ من يقولُ:
حبست بين يداه، وأعطيته درهمان، والاختيار كسرُ النُّون الأولى لالتقاء الساكنين، وهي علامةُ الرَّفع، والنون الثانيةُ مَعَ الياء اسمُ المتكلم فِي موضع نصب، وهي لا تكون إلا مكسورة أبدًا؛ لمجاورة الياءِ. ويجوز فِي النّحو «أَتَعِدَانِّي» مدغمًا، ويجوز أَتِعدَانِيْ بنونٍ واحدةٍ خفيفةٍ، ولم يقرأ بِهِ أحدٌ.
قَالَ ابنُ مجاهدٍ: وحدَّثني ابْنُ مِهْرَان قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن يزيد، عنْ أَبِي مَعمر، عنْ عَبْد الوارث، عنْ أَبِي عَمْرو: «أَتَعِدَانَنِي» بفتح النون وإرسال الياءِ.
[ ٤١٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وليوفيهم أَعْمَالهُمْ﴾.
قرأ عاصمٌ وهشامٌ، عنْ ابنِ عُمَرَ، وأبو عَمْرٍو، وابنُ كثيرٍ بالياء أي ليوفيهم اللَّه.
وقرأ الباقُون بالنُّون، اللَّه تَعَالى يُخبر عنْ نفسه وليوفيهم نصبٌ بلام كي.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَا يُرَى إلّا مَسَاكِنُهُمْ﴾.
قرأ عاصمٌ وحمزةُ: «لا يُرَى إلَّا مَسَاكِنُهُمْ» بالياء عَلَى ما لم يُسم فاعله.
ومساكنهم بالرّفع عَلَى تقدير لا يرى شيءٌ إلا مساكنهم.
وقرأ الباقون: «لا تَرى» بالتاء عَلَى خطاب النَّبيّ - ﷺ -: «إلا مَسَاكِنَهُمْ» بالنَّصب مفعولٌ بها. أي: قد هَلَكُوا فلا يُحَسُّ لَهُمْ أَثَرٌ خلا المَنَازِلَ والمساكنَ.
واحتجَّ أصحابُ هذه القراءَة بما حَدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ الفَرَّاءَ. قَالَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الفضل الخراساني، عنْ عطاءٍ، عنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن، قَالَ: سَمِعْتُ عليًّا ﵁ يقرأ: «لا تَرَى إلَّا مَسَاكِنَهُمْ».
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ، قرأ الْحَسَن: «لا تُرى» بالتاء والضم لتأنيث المساكن.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ: «أَأَذْهَبْتُمْ» بهمزتين الأولى ألفُ توبيخٍ بلفظ الاستفهامِ، ولا يكون فِي القرآن استفهامٌ، لأنَّ الاستفهام استعلام ما لا يُعلم والله تَعَالى يعلم الأشياء قبلَ كونِها فإذا وردَ عليك لفظةٌ من ذلك فلا تخلو من أن يكونَ توبيخًا أَوْ تقريرًا، أَوْ تعجبًا أَوْ تسويةً أَوْ إيجابًا أَوْ أمرًا. فالتّوبيخ «أأذهبتم»، والتَّقرير ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ والتَّعَجُّبُ ﴿القَارِعةُ ما القَارِعَةُ﴾ و﴿الحاقة مَا الحَاقَّةُ﴾ و﴿كيف تكفرون﴾ والتسوية ﴿سَوَاْءٌ عليهم أأنذرتهم﴾ والإيجاب ﴿أَتَجْعَلُ فِيْهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا﴾ والَأمرُ ﴿أأسلمتم﴾ معناه: أَسلِمُوا، والألف الثّانية ألفُ القَطع. فإذا اجتمع همزتان فأكثرُ العرب والقراء يُلينون الثانية تخفيفًا. فلذلك قرأ ابنُ كثير «آذْهَبْتُمْ» بألفِ مُطولة.
وقرأ الباقون: «أَذْهَبْتُم» عَلَى لفظِ الخبرِ بألفٍ واحدةٍ، فيحتمل هَذَا أن يكونوا أرادوا: أَأَذهَبْتُم فخزلوا ألفًا تخفيفًا. ويجوز أن يكونَ تأويلُه: ويوم يُعرض الَّذِيِْنَ كفَروا عَلَى النَّارِ، يُقالُ لهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ، قَالَ عُمَر بْن الخطاب رحمة اللَّه عليّه لو شِئْتُ أن
[ ٤١٥ ]
يدهمق إلى الطعام لدعوت بصَلَّاءٍ أي شواء وصناب، وهو الخردل بالزبيب، وكراكر وأفلاذ وهو الحزة من اللحم يعني القطعة من اللحم، ولكني سمعتُ اللَّه يَقُولُ: ﴿أَذهِبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾.
حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَن بْن عُبَيْد، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيل القاضي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حَرب، عنْ أَبِي هلال، عنْ الْحَسَن، قَالَ: قَالُوا لعُمر بْن الخطاب: يا أمير المؤمنين أَلا تُصيب من طيّبِ الطَّعام، فَقَالَ: إني سَمِعْتُ اللَّه ذكر قومًا فَقَالَ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾ فو الله لولا ذَلِكَ لشركتكم فِي طيِّب الطعام.
وقال: كان عُمَر ﵁ رجلًا يخاصم بالقرآن قَالَ: وحدثنا إِسْمَاعِيل، قَالَ:
حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حرب، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هلال، عنْ حميد بْن هلال بْن حفَص بْن القاضِي أَنَّهُ كان يَشْهَدُ طعامَ عُمَر ﵁ فلا يأكلُ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَر: يا أبا حفص ما لك لا تأكل من طَعَامِنَا، قَالَ: يا أميرَ المُؤمنين أرجع إلى بيتي إلى طعام هُوَ أطيبُ من طَعامِك وأكثرُ، قَالَ ثَكِلَتْك أُمُّك أَتَرَانِي أَعجز أن آخذ شاةً فأنزَعَ شعرتها ثُمَّ أعمد إلى صاعٍ من زبيب فألقيه فِي سقاء حَتَّى إذا كان مثل دَمِ الغَزال شَرِبْتُهُ، وآخذ من البقي كذا، وكذا. قَالَ يا أمير المؤمنين أراك عالمًا بالعَيش، قَالَ: والله لولا أن ينقصَ من حسناتنا لشَركناكُم فِي طيِّب الطّعام. قَالَ: وحدَّثني إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدَّثَنِي منجاب، عنْ عليّ بْن مسهر، عنْ الْأَعْمَش، عنْ زيِد بْن وهبٍ، عنْ حُذيفة، قَالَ:
أتيت عُمَر بْن الخطاب وقد قرب قصعة ليُطعم الناس، فَقَالَ لي: اجلس فجلستُ فلما فرغ دعاني ودعا بقصعةٍ من ثريد بخَلٍّ وزَيْتٍ فَقَالَ لِي: كُلْ. فقلت: يا أميرَ المؤمنين مَنَعْتَنِي من الطَّعام الطَّيِّبِ، قال: ذاكَ طعامُ النَّاس، وإنّما أُطعمك من طَعامي. قَالَ:
وحدثنا إسماعيل، قال: حَدَّثَنَا الوليد بْن هشام المعيطي، عنْ معدان بْن طلحة اليَعمري، قَالَ: قدمت عَلَى عمر بن الخطاب بقطائف وطعام فأمر بِهِ فقُسم، ثُمَّ قَالَ:
اللهم إنك لَتَعْلَمُ أنِّي لم أرزأ فيهم، ولم أَستأثر عليهم إلا أضع يدي مَعَ أَيديهم فِي جفنةِ العامَّة وقد خِفت أن تجعله نارًا فِي بَطْنِ عُمر.
[ ٤١٦ ]
وقولُه تَعَالى: ﴿أَوْزِعْنِي أنْ﴾.
فتحَ الياءَ ابنُ كثيرٍ فِي رواية القَواس، ونافعُ فِي رواية أَحْمَد بْن صالح، وفتحَ الياءَ من «أَتَعِدَانِنيَ» نافع والبزي.
والباقون يسكنون، واتَّفقوا عَلَى ضَمِّ الهمزة من «أن أُخْرَجَ» إلا الْحَسَن الْبَصْرِيّ فإنَّه قرأ: «أَنْ أَخْرُجَ» بفتحِ الهمزةِ. وفتحِ الياء من: «ولكني أراكم» نافع وابن كثير.
وحرك الياء من: «إني أخاف» نافع وابن كثير.
[ ٤١٧ ]