قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: سألتُ ابنُ مجاهدٍ كيفَ يلفظُ أَبُو عَمْرٍو بأواخر أي هَذِهِ السُّورة، لأنَّ فيها ما آخره ياءٌ وراءٌ مثل: «اليُسرى»، ومنها ما يكون آخره ألف مقصورة؟
فَقَالَ: اسمعها منَّي فقرأ عليَّ هَذِهِ السُّورة بأَسرها فكان لفظُه بينَ الِإمالة، والتَّفخيم، لم يفصل بعضًا عَلَى بعضٍ.
وقراءة نافعٌ شبيهةٌ بذلك، وهو إلى الفتحِ أَميلُ.
فأمَّا حمزةُ والكِسَائِيُّ فكانا يميلان كلَّ ذَلِكَ.
وأمَّا عاصمٌ وابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ فيفخِّمون عَلَى الَأصل والِإمالة داخلةً عَلَيْهِ.
وكان ابنُ مُجاهدٍ إِذَا قَرَأَ فِيْ الصَّلاة هَذِهِ السُّورة يقطعُ ألفَ الوصلِ فِيْ نحو «إسْمِ رَبِّكَ الَأعْلَى» ثُمَّ يَقُولُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ لأنَّه يومي إلى الوقف عند رأسِ كلِّ آيةٍ عَلَى مذهب رَسُولِ اللَّه ﷺ.
وقولُه تَعَالى: ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾.
قَرَأَ الكِسَائِيُّ وحده: «والَّذِيْ قَدَرَ فَهَدَى» مخفَّفًا وحجته ﴿فَنِعْمَ القَادِرُوْنَ﴾.
وقَرَأَ الباقون بالتَّشديد وحجتهم: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيْرًا﴾ وكلُّ ذَلِكَ صَوَابٌ بحمد اللَّه.
ومعنى «والذي قَدَّرَ فَهَدَى» أي: هَدَى الذَّكَرَ كيف يَأتي الُأنْثَى من البَهائم وغيرها.
وقال آخرون: معناه: والذي قدَّر فَهَدَى وأضلَّ. فأسقط وأضل ليوافق رءوس الآي. كما قَالَ تَعَالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشمال قعيد﴾ فاجتزأ قَعِيدٌ عنْ قعيدان، وكما قَالَ: فِيْ هَذِهِ السُّورة: ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾ وإنما يكون أحوى، ثُمَّ يصير غثاء، والأحوى: الشدائد الخُضرة يضرب إلى السَّواد من رِبِّهِ. وكذلك الحُوَّةُ فِيْ الشِّفاةِ قَالَ ذو الرُّمة:
قَرْحَاءُ حَوَّاءُ أشراطِيَّةٌ وَكَفَتْ فيها الذَّهابُ وحفَّتها البَرَاعِيْمُ
وقولُه تَعَالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَيَاة الدُّنْيَا﴾.
قَرَأَ أَبُو عُمَر وحده بالياء ردًا عَلَى قولُه: ﴿ويتجنبها الَأشْقَى﴾ الَّذِي «قَالَ:
والَأشقى بمعنى الأشقين.
[ ٥٠٨ ]
وقرأ الباقون بالتَّاء، وهو الاختيار، لأنَّ فِيْ حرف أَبِي بكرٍ «أَنْتُمْ تُؤْثِرُونَ الحَيَاةَ» فهذا يُؤكد الخِطاب، ولم يَقل: بل هُم يؤثرون.
وكان حمزةُ والكِسَائِيّ يدغمان اللَّام فِيْ التَّاء: «بلْ تُّؤثِرُون» لقرب اللَّام من التاء.
والباقون يُظهرون؛ لأنَّهما من كَلِمَتَين.
وعظمهم اللَّه حيث أقبلوا عَلَى مشهد ما يستوخمون مغبته، ورغبهم فِيْ الحَياة الباقية. فَقَالَ: ﴿والآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾ ثُمَّ أكَّد ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إنَ هَذَا﴾ الَّذِي قصصت عليكم أحسن القصص ﴿لَفِي الصُّحُفِ الُأوْلَى﴾، ثُمَّ بيَّن فَقَالَ: ﴿صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ فصحف مُوسَى: التَّوراة، وصحف إِبْرَاهِيم ﵇ رُفعت، والنصارى عليهم لعائن الله لا يقرون بنبوة إِبْرَاهِيم. وقالوا: كَانَ رجلًا صالحًا، قَالُوا:
لأنَّ النَّبِيّ عندنا مَنْ لَهُ كتابٌ. والقُراء جميعا يقرءون ﴿لَفِي الصُّحُفِ﴾ بضمتين إلا ابْنُ عَبَّاس. فإنه قَرَأَ: «صُحْفِ إبْرَاهِيْمَ» خفيفًا، وكذلك روى وهيب، عنْ هارون، عنْ أَبِي عَمْرٍو «صُحْف إِبْرَاهِيْمَ» وهذه كلُّها من الشُّواذ، والاختيار فِيْ قراءتهم جميعا «الصحف» وإبراهيم فيه لغة أخرى إبراهيم بغيرِ ألفٍ، وأنشد:
نَحْنُ آلُ اللهِ فِيْ بلدته لم يزل ذلك على عهد إبراهيم
[ ٥٠٩ ]