قولُه تَعَالى: قَلَ ﴿ربِّي يَعْلَمُ القَولَ في السَّمَاءِ والأَرْضِ﴾
قرأ حمزةُ، والكِسَائِيُّ، وحفصٌ، عن عاصمٍ «قلَ رَبِّي» على الخَبر جعلوه فعلًا ماضِيًا.
وقرأ الباقون: «قُلْ رَبِّي» على الأَمِر. أي: قُلْ يا محمد ذلك.
وقولُه تَعَالى: ﴿رِجَالًا نُوْحِيَ إليهم﴾.
روى حفص عن عاصم «نوحي» بالنون، الله تَعَالى يُخبر عن نَفسه، وحجَّته «وَمَا أَرْسَلْنَا» لأنَّ النُّونَ والألفَ اسمُ الله تَعَالى.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يُوحَى» عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فاعله بالياءِ. وهذه الآية إنَّمَا نَزلت جوابًا لقومٍ كَفَرُوا بمحمَّدٍ - ﷺ - وقالوا إنَّمَا هو بَشَرٌ مثلنا، فهَلَّا كان مَلَكًا، قَالَ الله تَعَالى: ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمَّدُ ﴿من رَسُولٍ﴾ ﴿إلَّا رجالًا﴾ مثلك ﴿نوحي إليهم فسئلوا﴾ يا معشرَ الشُّكَّاك ﴿أهل الذِّكرِ﴾ أي: أهل التوراة والإنجيل ﴿إنْ كُنْتُم لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحده «وَلَا تُسْمعُ» بالتاء والصُّمَّ نَصبًا أي: ولا تُسمِعُ أنت يا محمَّدُ الصُّمَّ. كما قَالَ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمْسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُوْرِ،﴾ لأنَّ الله تَعَالى لمَّا خاطبهم فلم يلتفتوا إلى ما دَعاهم إليه رسوله.
ومَجَّت آذانهم القرُآن صاروا بمنزلة الميت الذي لا يَسمع، والأصَمِّ الذي لا يسمع ولا يَعْقِلُ.
وقرأ الباقون «لا يَسمَعُ الصُّمُّ» جعلوا الفعل لهم، والصُّمُّ: وزنه فُعُل، جمع أصمَّ، وأصمُّ «أفعل، والأصل: أصمم فأَدْغَمُوا الميم في الميم، وتصغير أصمّ أصيم. والصَّمَمُ:
ثقلٌ في الأَذُن. فإذا كان لا يَسمع شيئًا قيل: أصمُّ أصلخُ بالخاءِ. قَالَ ابنُ دُرَيْدٍ: أصمُّ أصلجِ بالجيم. والوقر: الثقل في الأذن.
وقوله تعالى: ﴿أولم يَرَ الَّذِيْنَ كَفَرُواْ﴾.
قرأ ابنُ كَثيرٍ وحده «ألَمْ يَرَ الَّذِيْنَ كَفَرُواْ» بغير واوٍ، وكذلك في مصاحف أهلِ
[ ٢٧٤ ]
مكَّة.
وقرأ الباقون «أَوَ لَمَ يَرَ» بواوٍ والألف التي قبل الواو ألف تَوْبِيْخٍ، وتقريرٍ، ومعنى إن السماوات والأرض كانتا رتقًا، أي: مُتلاصقة، فجَعلها الله سبع سماوات، وشقَّ الأرض سبعًا، غِلَظُ كلِّ سماءٍ مسيرةُ خمسمائة عامٍ. وقيل: كانتا رَتْقًا ففتقناهما أي: فتقنا السَّماءَ بالمَطَرِ، والأرضَ بالنباتِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وإنْ كانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ﴾.
قرأ نافعٌ وحدَه «مِثْقَالُ حَبَّةٍ» بالرَّفع جعل كان بمعنى حَدَثَ ووقع ولا خبر لها، كما قَالَ: «إلَّا أن تكُونَ تِجَارَةٌ»، أي: لا أن تقع تجارةٌ.
وقرأ الباقون بالنَّصب خبر كان، والاسمُ مضمرٌ، والتقدير، فلا تُظلم نفسٌ شيئا إن كان السيئ مثقالَ حبةٍ أتينا بها: جئنا بها.
فإن قيل لك: فإن المِثقال مذكرٌ فلم قَالَ: «بها»، ولم يقل به؟ فقال: لأن مثال الحبَّة هي الحبة، ووزنها، كما قرأ الحسن: «تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ» لأنَّ بعضَ السَّيارة من السَّيارة.
وقرأ مجاهد - فيما حدّثني ابن مجاهد، عن السُمَّريَّ، عن الفراء - أن مجاهدًا قرأ - «آتينا بها» ممدودًا أي: جازينا.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَضِيَاءً وذِكْرًا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ - في رواية قنبل - «ضِئاءً» بهمزتين. وقد ذكرتُ علته في سورة «يونس»، فسألت ابنُ مجاهد ما وزن قنبل، قَالَ: فنعل، ولم يدر اشتقاقه، وسألت أبا عُمر، قَالَ: يقال قَنْبَلَ الرَّجُلُ: إذا أوقدَ القُنْبُلَ، وهو شَجَرٌ، وقَنْبَلَ الرَّجُلُ إذا صارت له قُنْبُلَةٌ أي: أصحاب بعد أن كان واحدًا.
فأمَّا الواو في قوله: «وضيآءً» فقال الفراء: الواو زائدةً، والتقدير: ولقد آتينا موسى وهارون الفُرقان ضِيَاءً، فيكون نصبًا على الحال.
وقال البَصريُّون: الواوُ نسقٌ وليس زائدًا، فمعناه: أعطيناهما التوراة التي فرقت بين الحق والباطل، وأعطيناه ضياءً وذكرًا، وشاهدٌ بهذا القول قوله: «فيها هُدًى ونُورٌ» والنُّور هو الهُدَى.
[ ٢٧٥ ]
وقولُه تَعَالى: ﴿وَإِليْنًا تُرْجعُوْنَ﴾.
فيه ثلاثُ قراءاتٍ:
قرأ ابنُ عامرٍ «تَرْجِعُوْنَ» بفتح التاء أي: تصيرون.
وقرأ الباقون: «تُرْجَعُوْنَ» أي: تُرَدُّونَ. كما قَالَ: ﴿وَرُدُّوا إلى اللهِ مَولَاهُمُ الحَقُّ﴾.
وروى عيَّاشٌ، عن أبي عَمْروٍ «وإلينا يَرْجِعُوْنَ» بالياء إخبارا عن غيب. والأول للمخاطبين.
وقوله وحدَه «جِذذًا» بالكسرِ جعله جمع جَذيذٍ، وجِذاذ مثل خَفِيْفٍ، وخفِافٍ.
والجَذِيْذُ بمعنى مَجْذُوْذٍ وهو المَقطوع، كما قَالَ تَعَالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوْذٍ﴾. وتقول العربُ: جددتُ الشّيءَ، وجزرتُه، وصرمته، وخرمته، وخزمته، وخزلته، وخرذلته، وخرذلته، كلُّه بمعنى قطعته.
وقرأ الباقون «جُذذًا» بمعنى الحُطَامِ والرُّفاتِ، ولا يُثَنِّى ولا يَجمع مَنْ قرأ بهذه القراءة. قَالَ الشَّاعِرُ:
فَظَلَّ مُسْتَعْبِرًا لديها تسيخ أجْفَانُهُ رَذَاذَا
يقولُ يا هِمَّتِي وسُؤْلِي قَطَّعَ قَلْبِي الهَوَى جُذَاذَا
وقولُه تَعَالى: ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾.
قرأ ابن كثير، وابن عامر نَصبًا.
وقرأ نافع، وحفصٌ «اُفٍّ لكم» بالكسرِ والتَّنوين.
والباقون يكسرون، ولا ينوّنون وقد ذكرتُ علّته ذلك في سُبحان.
وقُوله تَعَالى: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأسِكُمْ﴾.
قرأ ابن عامر، وحفص، عن عاصمٍ بالتاء، يريد: الدّرع.
وقرأ عاصمٌ في رواية أبي بكر «لنُحْصِنَكُمْ» بالنُّون، الله تعالى يخبر عن نفسه.
وقرأ الباقون بالياء، ردا على اللبوس «صنعة لبوس لكم لتحصنكم» اللَّبوس.
وحدَّثني أَحْمَد، عَنْ عليّ، عَنْ أبي عُبَيْدٍ أنَّ أبا جَعْفَر المَدَنِيُّ قرأ «لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ» بالتَّاءِ ردًا على الصنَّعة. وكان الله تَعَالى قَدْ أَلَان الحَدِيْدَ لداود، فكان يُحِيْلُهُ في يَدِه كالشَّمعةِ، كما قال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. يعني:
الدُّروع ﴿وَقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ يعني الثُّقْبَ، والحلقَ. والبأسُ: الحربُ والشّدَّةُ. فجعل الله
[ ٢٧٦ ]
تَعَالى الدُّروعَ والسِّلاحَ والخَيلَ حُصُونًا لبني آدم من عدوهم.
وقوله تعالى: ﴿وكذلك ننجي المُؤْمِنِيْنَ﴾.
قرا عاصمٌ وحده «وَكَذَلِكَ نُجِّى المُؤْمِنِيْنَ» بنون واحدةٍ.
قَالَ الفَرَّاءُ: لا وجهَ له عندي إلَّا اللَّحْنَ.
وقد احتجَّ له غيره. فقال: نجَّى فعلٌ ماضٍ على ما لم يسم فاعله. ثم أرسلَ الياءَ، كما قرأ الحسن: «وخُذُوا ما بَقِىَ من الرِّبَا» قام المَصدر مقامَ المفعولِ الذي لا يُذكر فاعله. وكذلِكَ: نُجَّي نَجَاءٌ المؤمنين، واحتجّوا بأنّ أبا جعفر قرأ في الجاثِيَة: «ليُجْزَى قومًا بما كانوا يَكْسِبُوْهَ» على تقديرِ ليُجْزَى الجزاءُ قومًا. وقال الشَّاعِرُ:
فَلَوْ وَلَدَتْ قَفَيْرَةُ جَرْوَ كَلْبٍ لَسُبَّ بِذَلِكِ الجَرْوَ الكِلَابَا
فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ يجوز أن يكون أراد: يُنجي، فأدغم النّون في الجيم وهذا غَلَطٌ، لأنّ النّون لا تندغمُ في الجيمُ، ولا الجُيم في النُّون. ولكن النُّون تخفي عند الجيم. فلما خفيت لفظًا خزلوها خطأً فكتب في المصحف بنونٍ واحدةٍ، فذلك الذي حمل عاصمًا على أن قرأها كذلك، والاختيار «وكذلك ننجي» - بنونين - فعل مضارع، النون الأولى للاستقبال والثاني أصلية، أنجى ينجي إنجاء، والمؤمنون مفعولون.
وقولُه تعالى: ﴿فتحت﴾ مُشدَّدًا، أي: مرةً بعد مرةٍ، والتّشديدُ للتَّكثير، والتَّكرير.
وقرأ الباقون «فُتِحَتْ» تَخْفِيْفًا.
فأمَّا قوله: «يَأجُوْجُ وَمَأجُوْجُ» فقرأ عاصمٌ وحدَه بالهمزِ «يأجوج» والباقون بغيرِ همزٍ. وقد ذكرتُ علّته في الكهف.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ،﴾ قرأ ابنُ عبَّاس: «من كلّ جَدَثٍ» أي: من كلِّ قبرٍ، يقال: للقَبْرِ، الجَدَثُ، والجَدَفُ، والريم، والضّريح، والمُلْحَدُ، والبَيْتُ، والرِّجم، والرِّمسُ. قَالَ الشَّاعِر في البيت:
وعندَ الرِّدَاعِ بَيْتُ آخرَ كَوْثَرِ
أي: قبرٌ آخرُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَحَرامٌ عَلَى قَرْيَة﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ وحِرْمٌ بكسر الحاء مثل عِلْمٍ إلَّا حفصًا.
[ ٢٧٧ ]
وقرأ الباقون «وَحَرامٌ» وهما لُغتان حِلُّ وحَلالٌ، وحِرْمٌ، وحْرَامٌ. وقيل: وحِرْمٌ على قرية أي: واجب على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون. وقال معناه: يرجعون، ولا صلةٌ كما قال:
ما كانَ يَرْضَى رَسُولُ الله فعلهن والطَّيِّبَانِ أَبُو بكرٍ ولا عُمَرُ
وقال آخر:
فَمَا ألومُ البيضَ ألَّا تَسْحَرَا لَمَّا رأينَ الشمط القفندر
معناه: أن تسحر ولا زائدةٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿لِلكُتُبِ كَمَا بَدَأنَا﴾.
قرأ حمزةُ، والكِسَائِيُّ، وحفصٌ عَنْ عاصمٍ للكُتُبِ جمعًا.
وقرأ الباقون «للكتابِ» واحدًا. وقد تقدمت علّته في البقرة.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَقَد كَتَبْنَا في الزَّبُوْرِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾. «قرأ حمزةٌ «في الزُّبور» بالضَمِّ.
وقرأ الباقون بالفتح. وقد تَقَدَّمت علته في النّساء. وإنما أعدت ذكره. لأنَّ العلماء قالوا: إن بعد هاهنا بمعنى قبل، والذكر القرآن، والأرض أرض الجنة، فمعناه، ولقد كتبنا في زبور داودَ من قبل القرآن: أنَّ أرض الجنة يرثها عبادي الصالحون.
وقوله تعالى: قل ﴿رب احكم بالحق﴾.
فيه أربع قراءات:
فروى حفص عن عاصم «قل ربِّ» على الخبر.
وقرأ الباقون: «قلَ ربِّ» على الأمر.
فإن قَالَ قائلٌ: الله تَعَالى لا يحكم إلا بالحق. فلم يقول «رَبِّ احُكُمٍ بالحَقِّ»؟
فقل: التَقدير: احكم بحكمك يا ربّ. ثم سّمى الحكم حقًّا.
والقراءة الثالثة «ربِّ احكم» بضم الباء. قرأ بذلك أبو جعفر يزيد بن القعقاع.
وأنه جعله نداء مفردا مضافًا، كَمَا تَقُول: يا ربُّ، ويا ربِّ.
ويا قومُ اعبدوا الله، ويا قومِ.
ويجوز أن يكون اختلس كسرةَ الياء، لأنّ الخروج من كسرٍ إلى ضمٍّ شديدٌ، فأشمَّها الضَمَّ. كَمَا قرأ أيضًا: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا» بضم الهاء.
[ ٢٧٨ ]
والقراءةُ الرابعةُ: حدَّثني أَحْمَد، عَنْ عليّ، عَنْ أبي عُبَيْدٍ أنّ الضَّحاك قرأ «قَالَ رَبِّي احْكَمُ بالحَقِّ» وهذا وجهٌ حسنٌ، إلّا أَنَّهُ يُخالف المصُحف، لزيادة الياء، فعلى قراءةِ الضَّحاك: «رَبِّيَ» رفع بالابتداء، «وأحكُم» خبر الابتداء. كَمَا يَقُول: «الله أْحْسَنُ الخَالِقيْنَ» ومن قرأ «ربِّ» فموضعه نَصبٌ، لأنَّه مُضافٌ. ومعناه يا ربي: فسقطت الياء تخفيفًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
قرأ ابن عامر وحده بالياء إخبارًا عَنْ غيبٍ.
وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب.
واختلفوا في هذه السُّورة في أربِع ياءاتٍ:
﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾.
و﴿عِبَادِيَ الّصالِحُونَ﴾.
أسكنهَا حمزةُ وفتحها الباقون. والاختيار الفتح؛ لأنَّك إذا أسكنتها سقطت الياءُ لالتقاء السّاكنينَ. وكلُّ حرفٍ من كتاب الله تَعَالى يُثاب قارئه عليه عشرَ حسناتٍ.
وقولُه: «إنِّيَ إلَهٌ مِنْ دُوْنِهِ» فتحها نافعٌ وأبو عَمْرو، وأسكنها الباقون.
والحرف الرابع «ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ» فتحَها عاصمٌ وحده في رواية حفصٍ، وأسكنها الباقون، وقد ذكرتُ علَّة ذَلِكَ فيما سلف. فأغنى عن الإعادة هاهنا (^١).
_________________
(١) قال ابن الجزري في النشر ص/ ٣٣٧: «(وفيها من ياءات الإضافة أربع) (إني إله) فتحها المدنيان وأبو عمرو (ومن معي) فتحها حفص (مسني الضر، عبادي الصالحون) أسكنهما حمزة. (وفيها من الزوائد ثلاث) (فاعبدون) في الموضعين (فلا تستعجلون) أثبتهن في الحالين يعقوب».
[ ٢٧٩ ]