قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: اختلف النَّاس فِيْ تفسير هَذِهِ السُّورة وأقسام الله تعالى بها فَقَالَ قائلون هُوَ تينكم هَذَا، وزيتونكم هَذَا.
وقال آخرون: التَّينُ: جَبَلٌ ينُبت التِّين، والزَّيتون: جَبَلٌ ينبت الزَّيتون.
وقال آخرون: هما جبلان بالشَّامِ.
وقال آخرون: مدينتان بالشَّامِ، دمشق وفلسطين.
وقيل فِيْ قولُه: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قرار﴾، قَالَ: دمشق.
وحدَّثني أَحْمَد بْن الْعَبَّاس، عنْ مُحَمَّد بْن هارون بْن يَحيى بْن زياد فِيْ قولُه تَعَالى:
﴿والتَّيْنِ وَالْزَّيْتُوْنَ﴾ قال: هِيَ جبالُ ما بين حُلوان وهَمَذَان.
فأقسم اللَّه بهما، والاختيار أن يكون الِإقسام يقع عَلَى اسمه تَعَالى، والتقدير: ورب التّين والزَّيتون. ﴿وطور سينين﴾: وهو الجبل الَّذِي كلَّم اللَّه عَلَيْهِ مُوسَى ﵇ وسينين: وهو الْحَسَن، وكلُّ حسن عندهم سينين.
وقال آخرون: كلُّ جبلٍ مُثْمِرٍ يُقال لَهُ سينين.
واجتمع القُراء السَّبعة عَلَى كسر السِّين من «سِينين» وكان أَبُو عَمْرو يحتج بأن سينين وسيناء واحدٌ، وإنما زادوا النون لرءوس الآي.
وقرأ: «وَطُورِ سَيْنِيْن» عَبْد اللَّه بْن أَبِي إِسْحَاق، وعيسى الثَّقفي.
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: «وطُوْرِ سينآ وهذا البَلَدِ الَأمِيْنِ» يؤثر ذَلِكَ عن عمر بن الخطاب ﵁ ﴿لقد خلقنا الإنسان﴾ جواب القسم، والإنسان - هاهنا - مُحَمَّد ﵇، وقيل: آدم ﵇، وقيل: كلُّ إنسانٍ لأنَّ اللَّه تَعَالى خَلَقَ الجماد والحيوان من طائر وبهيمة فأحسن ما خَلَقَ الْإِنْسَان فِيْ أحسن صورة ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سَافِلِيْنَ﴾ قيل: الكفار، وقيل: أَبُو جهل بْن هشام وقيل: كلُّ إنسانٍ إِذَا هرم وشاخ فقد رد إلى أرذل العُمر، وهو تفسير أسفل سافلين، وَيُقَال: كلُّ مسلمٍ وإن رد إلى أرذل العمر فنقص عمله من أعمال البر كُتب لَهُ ذَلِكَ مثل ما كَانَ يعمل فِيْ شبيبته؛ لأنَّه أسير اللَّه فِيْ أرضه، فلذلك استثنى، فَقَالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ﴾
[ ٥٢٩ ]
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: لا يمن عليهم، والكافر إِذَا شاخ وختم لَهُ بالشرك ولج النار؛ لأنَّه يموت والله عَلَيْهِ غضبان ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ بأن يحكم بينك يا مُحَمَّد وبين كفّار أهل مكَّة حين آذَوْكَ حَتَّى أخرجوك من وطنك. فكان رَسُول اللَّه ﷺ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآية: «أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ» قَالَ: سبحانك اللَّهُمَّ بلى.
[ ٥٣٠ ]