قَالَ أَبُو عبدِ اللهِ الحاقةُ: اسمُ من أسماءِ القيامة، وكذلك الطّامة والصَّاخة والقَارعة والوقف عَلَى الحاقة حسنٌ ثُمَّ تبدأ: ﴿مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ كلُّ ما فِي القرآن وما أدراك بلفظ الماضي فقد أدراه ﷺ. وما كَانَ وما يدريك فما أداره بعدُ. يُقال: دَرَيت الشيءَ أي: علمته، ودريت الصَّيد أي: خَتَلْتُهُ، وينشد:
فإنْ كُنْتَ لا أَدْرِيْ الظِّباءَ فإنَّنِي أَدُسُّ لَها تَحْتَ التُّرابِ الدَّوَاهِيَا
ودرأته عني أي: دفعته.
وقولُه تَعَالى: ﴿وجاءَ فِرْعَونُ ومَنْ قَبْلَهُ﴾.
وقرأ أَبُو عَمْرو والكِسَائِيّ وأبان، عنْ عاصمٍ، «ومن قِبَلَهُ» بكسر القاف وفتح الباء، واحتَجوا بقراءةِ أُبَيٍّ: «وَجَاءَ فِرْعَونُ وَمَن مَعَهُ» وبقراءة أَبِي مُوسى الْأَشْعَرِي: «وَجاءَ فِرْعَونُ وَمَنْ تِلْقَاهُ».
وقرأ الباقون: «وَمَنْ قَبْلَهُ والمُؤتِفكاتُ بالخَاطِئَةِ» إئتفكت بهم الأرض أي:
انقلبت وانخسفت، وتسمى الرياح، المؤتفكات لقلبها الَأرض وقَشرها. قَالَ الَأصْمَعِيُّ: تَقُولُ العربُ: إذا كثرت المؤتفكات زكا الزَّرع.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَاْ تَخْفَي مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
قَرَأَ حمزةُ والكِسَائِيُّ بالياء؛ لأنَّ تأنيث الخافِيَةِ غير حقيقي.
وقرأ الباقون بالتَّاء لتأنيث الخافية، وخافيةٌ تكون نعتًا لمحذوفٍ أي: لا يخفي منكم عَلَى اللَّه، ولا يَتَوَارَى من اللَّه نفسٌ خافيةٌ، كما قَالَ تَعالى: ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ منهمُ شَيءٌ﴾ وإن شئتَ جعلتَ التَّأنيثَ لفِعله، فالتَّلخيص لا يَخفي منكم فعلة خافية، وجمع الخافية الخَوافي، والخَوافي - أيضًا - الجِنُّ، والخَوَافي الرِّيْشَات فِي جَناح الطَّائر بعد القوادم.
وقولُه تَعَالى: ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قَلِيلًا﴾ ﴿مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
وقرأ ابْنُ كثيرٍ وهشامٌ عنْ ابنِ عامرٍ بالياءِ إخبارًا عنْ غَيْبٌ.
[ ٤٥٦ ]
وقرأ الباقُون بالتاءِ عَلَى الخِطَابِ، والوقفُ عَلَى قولُه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَولِ شَاعْرٍ﴾ تامٌّ، وكذلك: ﴿ولا بِقَولِ كَاهِنٍ﴾، ثُمَّ تَبتدئ «قَلِيلًا مَّا تُؤمِنُونَ» لأنَّ «قليلًا» تنتصب ب «تُؤمِنُونَ» وما مَعَ الفعل مصدر، والتقدير: قليلا إيمانهم.
وقال آخرون: «ما» صلةٌ، والتَّقديرُ: يؤمنون قليلًا.
فإن قيلَ لَكَ: ما ذَلِكَ الِإيْمَانُ القَليل وهُم فِي النَّارِ؟
فالجوابُ: أنَّهم أَقرُّوا بأنَّ اللَّه تَعَالى خلقهم وكفروا بمحمدٍ ﷺ فأبطل إيمانهم بالله كفرهم بمحمد ﷺ.
وقال آخرون: لا يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، قَالَ: هَذَا كما تَقُولُ العربُ: مررتُ بأرضٍ قل ما تنبت إلا الكراث، لا تُنبت إلا الكراث.
وحَدَّثَنَا ابنُ مجاهدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الخَزَّازُ، عنْ مُحَمَّد بْن يَحيى، عنْ عُبَيْدٍ، عنْ هارون، عنْ أَبِي عَمْرٍو: «قَلِيلًا مَّا يُؤمِنُونَ» و«مَّا يَذَّكَّرُونَ» بالياء.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾.
اتَّفق القُراء عَلَى فَتح التَّاءِ، وكسرِ العَين، وفتحِ الياء، وزنه من الفعل تَفْعلها ﴿لنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ نصبٌ بلام كي، والأصل: ولتوعيها؛ لأنَّه من وَعي يَعي: إذا حَفِظَ، فلما وقعت الواو بين الياء والكسرةِ سقَطت، وبقيت العين والياءُ، وفاءُ الفعل ساقطة، وإنما ذكرت هَذَا الحرف لأنَّ القَوَّاس روى عنْ ابْنُ كثيرِ «وَتَعْيَهَا أُذُنٌ واعِيَةٌ» أراد: الكسرة، فأسكن تخفيفا، كما قَرَأَ حَفْص: «ويخشَى اللَّه ويتقْه» بجزم القاف أراد: ويتَّقِهِ فأسكن ومثله أن تَقُولُ فِي مَلِكٍ: ملْك، وفي فَخِذ فَخْذٍ، وينشد.
مِنْ مشية في شعر ترجله تمشي الملك عليه حلله
وما أنزل الله تعالى: ﴿وتعيها أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. قَالَ النَّبيّ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُا أُذُنَ عليٍّ».
فإن قيلَ: كيف تُجمع واعيةٌ؟
فقل: أَواعي، والأصلُ وَوَاعِي، فكرهُوا الجمعَ بين واوين فجَعَلُوا الُأولى همزةً؛ لأن
[ ٤٥٧ ]
فاعله تُجمع عَلَى فَوَاعِلٍ. والصَّحيح عنْ ابنِ كثيرٍ ما قرأتُ عَلَى ابنِ مُجاهدٍ عنْ قُنبل:
وتَعِيَها عَلَى وَزنِ تَلِيَها.
اعلم أن وَعى يَعى، ووَلى يَلِي، ووَني يَنِي، ووَشَى يشي، ووفى بالعهد يفي فعل معتل الطرفين فاؤه واوٌ، ولامه ياءٌ، سقطت الواوُ لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ، وسقطت الياءُ للأمرِ، فيتبقى الفعلُ عَلَى حرفٍ فوجب أن يقولَ: عِ كلامي، وشِ ثوبك، وفِ بالعَهد غير أنَّ الكُتَّاب أجَمعوا عَلَى أن كتُبُوا ذَلِكَ بالهاءِ عِهْ وشِهْ وفِهْ، لأنَّ الكتابة مَبناها عَلَى الوقف، ولا يجوزُ الوقف عَلَى حرفٍ واحدٍ.
[ ٤٥٨ ]