قولُه تَعَالى: ﴿وتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾.
قرأ حمزةُ، والكِسَائِيّ «وَمَا هُمْ بِسَكْرَى» بغير ألفٍ على فَعْلَى.
وقرأ الباقون: «سُكَارَى» على فُعَالَى وهما جميعًا جمعان لسكران وسكرانة.
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: هُما لُغتان: تَقُول العرب: مَرِيض، ومُراضى، ومَريض، ومَرْضَى.
فَحَجّة من اختار «سَكْرَى» قَالَ: لأنّ السكر آفَةٌ داخلة على الإنسان كالمَرض والهَلاك. فَقَالُوا سَكرى مثل هَلْكَى. ومن قرأ: سُكَارىَ بألفٍ فحجته ما حدَّثني ابنُ مجاهدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرّماديّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَن بْن بِشْر، عَنْ الحكم، عَنْ قتادة، عَنْ الحَسَن، عَنْ عِمران بْن حُصين أن النَّبيّ - ﷺ -، قرأ: «سُكارَى وما هُمْ بِسُكَارَى».
فإنْ سأَلَ سائِلٌ فَقَالَ: إخبارُ الله تَعَالى لا يقعُ فيه خلافٌ فلمَ قَالَ: «وَتَرَى النَّاسَ سكارى»، فأجاب ثم قَالَ: «وَمَا هُمْ بِسُكَارَى» فنفى؟ .
فالجواب في ذَلِكَ: أنَّ تأويله: وتَرى الناس سكارى خوفًا من العذاب وهولِ المطلع. وما هم بسكارى من الشَّرابِ.
وقرأ أَبُو هُرَيْرَةَ، وأبو زُرعة بْن عَمْروٍ بْن حزمٍ، وعليٌّ: «وتُرَى النَّاسَ» بِضَمِّ التَّاءِ.
وقرأ أَبُو نهيك: «وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى» بفتحِ السّين بالألفِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾.
قرأ نافعٌ وعاصمٌ بألف هاهنا، وفي المَلَائكَةِ تبعًا في ذَلِكَ المُصحف؛ لأنَّه كَذَلِكَ كُتب بألفٍ بعدَ الواوِ ونصبه على تقدير «يحلون فيها من أساورَ ويحلون لؤلؤًا»، غير أنَّ عاصمًا اختُلف عنه. فروى يحيى، عَنْ أبي بكر «ولولؤًا» لا يهمز الواو الأول، ويَهمز الثانية، كأنَّه كره أن يَجمع بينهما في كلمةٍ واحدةٍ.
وروى المُعلى، عَنْ عاصمٍ ضِدَّ رواية يَحيى، عَنْ أبي بكر «ولُؤْلوًا».
قَالَ ابنُ مُجاهدٍ: وهو خطأ. فإن كان خطَّأه من أجلِ الرِّواية سَقَطَ الكلام. وإن
[ ٢٨٠ ]
كان خطَّأه من أجل العَرَبِيَّة فإن العَربيَّة تحتمل همزتهما، وترك الهمز فيهما، وهمز إحداهما، كلُّ ذَلِكَ جائزٌ، والأصل الهمزُ، وتركه تخفيف بالواو. واللؤلؤ: الكبار من اللآلي واحدها لؤلؤة. والمرجان: الصغار من اللآلئ، واحدها مُرجانة.
وقولُه تَعَالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ برواية قُنبلٍ وَأَبُو عَمْرو: بكسرِ لامِ الأمرِ مع ثُمَّ فقط، لأنَّ ثُمَّ ينفصل من اللام، وأصلُ اللامِ الكسرُ، وإنّما يَجوزُ إسكانها تَخفيفًا إذا اتصلت بحرفٍ، وقد ذكرت علة ذلك في البقرة و«التفث»: نتفُ الإِبط، وحلق العانة، وقصُّ الشارب، وأخذ الظّفر إذا حَلّ الرَّجُلُ من إحرامه، وكذلك قرءا: «ثُمَّ لِيَقْطَعْ»، وورش عَنْ نافعٍ مثلهما.
وقرا ابن عامرٍ بكسر لام الأمر مع «ثُمَّ»، ومع الواو في هذه السورة فقرأ «ولِيُوفُوا» «ولِيَطَّوَّفُوا» كلُّ ذَلِكَ بالكسر. وأمَّا في قوله: «ليوفوا﴾ ﴿ليطوفوا» قرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان «لِيُوْفُوأ وَلِيَطَّوَّفوا» بالكسر فيهما.
وقرأ الباقون مسكنًا كلّ ذَلِكَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ﴾.
روى حفصٌ، عَنْ عاصمٌ «سَوَاءٌ» بالنَّصبِ، جعله مفعولًا ثانيًا، من قوله: «جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً» أي: مستويًا كما قال: «إنا جعلناه قرآنا عَرَبِيًّا» والعاكِفُ: يرتفعُ بفعله في هذه القراءة، أي: استوى العاكفُ فيه والبادِ.
وقرأ الباقون «سَوَاءٌ» بالرَّفع ابتداءٌ وخبرٌ كَمَا تَقُول: مررتُ برجلٍ سواءٌ عنده الخيرُ والشرُّ.
وقولُه تَعَالى: ﴿هَذانِ خَصْمَانِ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وحده «هَذانِّ» بتشديدِ النُّون.
والباقون يخففون، وقد ذكرت علّته.
فإن سأَل سائلٌ، فَقَالَ: لِمَ قَالَ: «هذَانَ» ثُمَّ قَالَ: «اخْتَصَمُوا»؟
فالجوابُ في ذَلِكَ: أنَّ الخَصْمُ، وإن كان لفظُه واحدًا. فإنّ معناه الجمعُ. تَقُولُ العربُ: هَؤُلَاءِ خَصمى، كَمَا تَقُول: هَؤُلَاءِ ضَيْفِي، وكان الأصل في ذَلِكَ أنّ يهوديًا، قَالَ لِنَصْرَانيٍّ: دِيْنُنُا خيرٌ من دِيْنِكُمْ، لأنَّا سبقناكم بالإيمان، فَقَالَ مُسلمٌ: بل دِيْنْنَا خير
[ ٢٨١ ]
من دينيكما، لأنَّا آمنا بأنبيائِكُما وكفرتما بنبيِّنا؛ لأنَّا صدَّقنا نبينا ونبيكم وكذبتم بنبينا، وحرَّفتم ما قَالَ نَبيكم في نبينا فصرِتم بذلك كافرين بهما. فذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿واَلبَادِ وَمَنْ يُرِدْ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ «البادِيْ» بالياء، على أصلِ الكلمةِ، لأنَّك تَقُولُ: بدا يبدُو: إذا دَخَلَ البَادِيَةَ فهو بادٍ مثل الدَّاعِي والأصل البادِوُ، فصارت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، فكان يثبتها وصلًا، ووقفًا.
وكان أبو عمرو ونافع يثبتان الياء وصلا، ويحذفانها وقفًا، ليكونا قد تبعًا الأصل تارةً، والمُصحف أخرى، وهو الاختيار.
وقرأ الباقون «البادِ» بغير ياءٍ ولهم ثلاثُ حِجَجٍ:
اتِّباع المُصحف.
والاجتزاء بالكسرةِ عَنْ الياءِ.
والحجَّةُ الثالثةُ: ما حدَّثني ابن مجاهد، عن السمري، عن الفراء أن العرب تقول:
مررت بباد، ومعتد، فيخزلون الياءَ لسكونها، وسكون التّنوين.
فإن أدخلوا الألفَ واللّام لم يردُّوا الياءَ، لأنَّهم بنوا المعرفةَ على النكرةِ، قَالَ سِيبويه: فإذا أضافوا فإن العرب كلّها ترد الياءَ. فيقولون مررت بقاضيك، ودَاعيك، فإذا اضطر الشَّاعِر حذف مع الإضافة، وأنشد:
كَنَواحِ رِيْشِ حَمَامَةٍ نَجْدِيَّةٍ ومَسَحْتَ باللَّثْتَيْنِ عَصْفَ الإِثْمِدِ
أي: «كنواحي ريش» فخزل.
وقولُه تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ مشددا.
وقرأ الباقون مخففا، وهم لغتان، فمن شدّد فحجّته ﴿وإبراهيم الَّذي وَفَّى﴾ ومن خفف فحجته «أوفوا بِعَهْدِ الله» وفيه لغة ثالثة: وَفَى، تَقُول العرب: وَفَى زيدٌ يَفِي، وأَوفى يُوفي، ووَفَّى يُوَفّى. قَالَ الشَّاعِر - فجمع بين اللُّغتين:
أمَّا ابنُ عَوفٍ فَقَدْ أَوفَى بِذِمَّتِهِ كَمَا وَفَى بِقِلَاصِ النَّجْمَ حَادِيْهَا
والأمرُ من أَوفى: أوْفِ يا زيدُ: ومن وَفَّى: وَفِّ يا زيدُ، ومن وفى: فه لا بد من هاءٍ في الوَقْفِ وفي الكتابة، لأنَّ الكلمة لا تكون على حرف واحد.
[ ٢٨٢ ]
وقوله تَعَالى: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيرُ﴾.
قرأ نافعٌ «فتخطَّفُهُ الطَّيرُ».
أراد فاختطفه، لأنه نقل فتحة التاءِ إلى الخَاءِ. وأَدغمَ التَّاء في الطَّاءِ فالتَّشديد من خَللِ ذلك.
وقرأ الباقون «فتخطفه الطير» «مخففا، وهو الاختيار، لقوله تَعَالى: ﴿إلَّا مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾. ولم يَقْلْ اختَطَفَ.
وقد وافقَ نافعٌ الجميعَ على التَّخفيف في قوله: ﴿يكًادُ البَرْقُ يَخْطَفُ﴾. والقرآن يَشهد بعضُه لِبَعضِ، وإنْ كانت اللُّغتان فَصيحتين، تقولُ العَرَبُ: خَطَفَ يَخْطَفُ، واخْتَطَفَ يَخْتَطِفُ، واستَلَبَ يَسْتَلِبُ، وامتَلَعَ يَمْتَلِعُ بمعنًى.
وقولُه تَعَالى: ﴿جَعَلنَاْ مَنْسَكًا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بكسرِ السِّيْنِ.
والباقُون بالفتح.
وهما لُغتان، المَنْسَكُ والمَنسِكُ - وهما المكان المُعتاد المألوف يقصده النَّاس وقتًا بعدَ وقتٍ، وَقَالَ آخرون: النَّسيكة الذَّبيحة، يقال: نَسكتُ الشَّاة ذبحتها، فكأنَّ المَذْبَحَ الموضعُ الذي يُذبحُ فيه، وهو الاختيار في كلّ ما كان على فَعَلَ يَفْعَلُ مثل قَتَلَ يَقْتُلُ أن يجيءَ المصدَرُ واسمُ المَكان على مَفْعَل مثل المَقْتَل، ولا يقال إلَّا في أحرفٍ جئْنَ نَوَادِرَ وهي المَسْجِدُ والمَنْسِكُ والمَجْزِرُ. وقد ذكرتُ علة ذَلِكَ في سورة الكهف فأغنى عن الإعادة هاهنا.
قولُه تَعَالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٍ «لَهُدِّمَتْ» خَفِيْفًا.
وقرأ الباقون مشدّدًا، وهما لُغتان، وغير أن التَّشديد للتّكثير. هدّمتُ شيئًا بعد شيء مثل ذبحت، قال الحسن: تهديما: فهذا شاهدٌ لمن شدَّد.
فإن قيلَ لك: كيفَ تهدم الصلوات؟
ففي ذَلِكَ جوابان:
أحدهما: أن تهدم موضع الصلاة وهي المساجد، فإن هدموا موضعَ الصَّلوات فقد هَدَمُوا الصَّلاةَ وأبطلوها.
[ ٢٨٣ ]
والجواب الآخر: أن الصلوات هاهنا بيوتُ النَّصارى يسمُّونها، صلواتًا.
حدَّثني ابنُ مجاهدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إدريس، عَنْ خَلف، عَنْ مَحبوب، عَنْ داود، عَنْ أبي العالية في قوله: ﴿وَصَلَواتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ قَالَ: الصَّلَوَاتُ: بيوتُ الصَّابِئينِ يُسمونها صَلَوَاتًا. قَالَ الشَّاعِرُ:
إتَّقِ الله والصَّلاةَ فَدَعْهَا إنَّ في الصَّومِ والصَّلاةِ فَسَادَا
يَعنى بالصَّلاة في هذا البيت: بيتُ النَّصارى، وبالصَّوْمِ ذَوْقُ النَّعامِ.
قولُه تَعَالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ الله النَّاسَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ، وَأَبُو عَمْرو، يَقُولُ: «دَفْعُ اللهِ» بغير ألفٍ. «وإن الله يدْفْع» كمثل.
وكان أبو عمرو يقول: «يدفع» لَحْنٌ.
وقرأ نافعٌ «يُدافِعُ»، «وَلَوْلَا دِفَاعُ اللهِ» بألفٍ فيهما.
وقرأ الباقون، «يُدافِعُ» بألفٍ «وَلولَا دَفْعُ الله» بغيرِ ألفٍ، وهما لُغتان غير أن الدِّفاعَ: فعلُ من اثنين دافعته مثل ناظَرته، والدَّفعُ: من واحدٍ. وقد يكونُ فاعلت من واحدٍ، كقولهم: طارقتُ النَّعلَ، وعافاك الله وقد أشبعتُ ذَلِكَ في سورة البقرة.
وقولُه تَعَالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ، وحمزة، والكِسَائِيُّ، أَذِنَ بفتح الألف، ويُقَاتِلُونَ بكسر التاء، والتقدير: أَذَنَ الله تَعَالى لِلَّذِيْنَ يُقَاتٍِلُوْنَ مَنْ ظَلَمَهُمْ، وكذلك التّقدير في قراءةِ الباقين.
وقرأ أَبُو عَمْروٍ، وَأَبُو بَكْر، عَنْ عاصمٍ، بكسرِ التَّاء، وضمِّ الألف.
وقرأ ابنُ عامرٍ: بفتح التاء، والألفِ جميعًا.
وقرأ عاصمٌ في رواية حفص ونافع: «أذن» بالضم «يقاتلون» بالفَتحِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿أهْلَكْنَاهَا﴾.
قرأ أَبُو عَمْروٍ وحده «أهلكتُها» «بالتاء كقوله» «فَكَيْفَ كانَ نَكِير» الله تعالى يخبر عن نفسه بلفظ الواحد.
وقرأ الباقون «أَهْلَكْنَاها» بالنّون على لفظ الجمع، وإن كان الله هو المخبر عَنْ نفسه. كَمَا قَالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيْشَتَهُمْ﴾ والقريةُ لا تهلك، إنَّمَا يهلك أهلها. فإذا هَلَكَ الأهلُ تعطَّلت القرية.
[ ٢٨٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وبئر معطلة﴾.
كان نافعٌ لا يهمز «البئر» في رواية ورش.
وَأَبُو عَمْرو يُخَيِّرُ فيها إذا قرأ بترك الهمز.
والباقون يهمزون وهو الأصل. تَقُول العرب: بَأرْتُ البِئْرَ أَبْْأرُ وجمعُ البئر: أبأرٌ.
ويقال لحفرة تحفر كالشَّور: البؤرة بالهمز تشبيهًا بذلك. ويقال: للبئرُ الجُبُّ، ويقال لناحيتها الجالُ.
ويقال لها الرَّكِيَّة، والطَوِيُّ. وبئر ذمّة قليلة الماء، والماتِحُ الذي يسقى الماء، والمائح الذي ينزل إلى أسفل البئر فيغرف الماءَ بيده إذا قل ماء الركية.
قال الشاعر:
يا أيها الماتِحُ دَلْوِيْ دُوْنكَا إنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُوْنَكَا
يثنون خيرا ويمجدونكا.
ويُقالُ البِئْرُ: الجِهِنَّام والرِّسُ والبئرُ مؤنَّثةٌ، تصغيرها بُئيرة.
سمعتُ ابنُ مُجاهدٍ يَقُولُ: قَالَ الأصْمَعِيُّ: سألتُ نافعًا عَنْ همز البئر، فَقَالَ: إن كانت العرب تهمزها فأهمزها. ويقال للبئر إذا كانت كثيرة الماء: بِئْر زغرب وَغَيَلَّم، وقليذم، وعرية. كل ذَلِكَ بمعنى قليذم.
وقولُه تَعَالى: ﴿كألفِ سنةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء.
وقرأ الباقون بالتاء «مما تَعدّون» فالتاء للخطاب، والياء للغيب. ولم يختلفوا في «السّجْدَة».
فإن قَالَ قائلٌ: لم قَالَ تَعَالى: ﴿وإنَّ يومًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾. وَقَالَ في موضع آخر: ﴿فِيْ يَومٍ كَان مِقْدَارُهُ خَمْسِين أَلْفَ سَنَة﴾؟ .
فالجوابُ في ذَلِكَ: أنَّ يوم القيامة طويلٌ له أول، ولا آخر له. فقيل «خَمْسين ألفَ سَنة» أي: في شدَّة العذاب، لأنَّ له منتهى.
وقولُه تَعَالى: ﴿في آياتِنَا مُعَاجِزينَ﴾ في كل القرآن. ومعناه مبطئين عن رسول الله - ﷺ -.
وقرأ الباقون «مُعَاجِزِيْنَ» بألفٍ على معنى: مُعاندين، وهو الاعتداد عند المشيخة،
[ ٢٨٥ ]
لأنَّ العناد يدخل فيه الكفر، والمشاقة، والتَّثبيط، والتعجيز، إنَّمَا هو في نوعٍ من الخلاف فالعناد عامٌّ، والتثبيطُ خاصٌّ.
قَالَ أَبُو عبدِ الله: وأمَّا أنا فأراه سَوَاءً، لأنّ من بطَّأ عن رسول الله - ﷺ - فقد عانده. وأمّا قوله: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُوْنُوا مُعْجِزِينَ في الأَرْض﴾.
فأجمع القراء على ذَلِكَ، ولا يجوز معاجزين هاهنا، لأنَّها تصير إلى معنى أُولئك لم يكونوا معاندين، وذلك خطأ، لأنهم قد عاندوا الله ورسوله، ومعنى معجزين أي:
سابقين. يقال أعجزني الشيء سبقني وفاتني، وهذا بيِّنٌ واضحٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَو مَاتُوا﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحده ثُمَّ «قُتَّلُوا» مشدَّدةً أي: مرةً بعدَ مرةٍ.
وقرأ الباقون مُخففًا.
وقولُه تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا﴾.
قرأ نافعٌ وحده «مَدْخَلًا» بفتح الميم جَعَلَهُ مصدرًا، أو اسمَ المكانِ من دَخَلَ يَدْخُلُ.
وقرأ الباقون «مُدْخَلًا» بالضَمَّ، وهو الاختيار لقوله: «لِيُدْخِلَنَّهُمْ» لأنَّه من أدخل يُدخل. كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾. ولم يقل: مَدْخَلَ.
وقولُه تعالى: ﴿وأن ما يَدْعُونَ من دُونِهِ﴾.
قرأ أَبُو عَمْروٍ وحفصٍ، عَنْ عاصم بالياءِ. وكذلك في المُؤمن ولُقمان والعَنكبوت.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ ضدّ ذَلِكَ.
وقرأ ابنُ كثيرٍ بالياء في كلِّ ذَلِكَ إلا في المُؤمن.
وقرأ حمزة، والكِسَائِيّ في العنكبوت بالتَّاء.
وقرأ عاصمٌ في روايةِ أبي بكرٍ في الحج، ولقمان بالتاء. فمن قرأ بالياء فهو إخبارٌ، عَنْ غيبٍ. ومن قرأ بالتاء فمعناه: قل يا مُحَمَّد لهَؤُلَاءِ الكفرة الَّذِيْنَ يعبدون الأصنام من دونِ الله إن الذي تَدعون من دونِ الله هو الباطلُ. إذ كان لا يُعقل خطابًا، ولا يَسمع صوتًا، ولا يَنفعُ، ولا يَضُرُّ. وإنما هو شيء يفتعلونه وينحتونه بأيديهم. فأيُّ جهلٍ أجهل من هذا؟ !
وفي هذه السورة ياء واحدة ﴿بيتي للطائفين﴾.
[ ٢٨٦ ]
فتحها نافعٌ، وحفص، وأسكنها الباقون. قد أعللت ذَلِكَ فيما سَلَفَ.
ويحذف من هذه السورة ياءآن.
﴿البادِ﴾ وقد ذكرته.
والثانية فإنَّ ﴿الله لهاد الذين آمنوا﴾.
كتب في المصحف «لهاد» فالوقف عليه بغير ياء. والوصل كَذَلِكَ؛ لأنَّ الياء سقطت في الدّرج، لسكونها وسكون اللَاّم، فحذفت خَطًّا لما سقطت لفظًا (^١).
_________________
(١) قال ابن الجزري في النشر ص/ ٣٣٨: «(وفيها من ياءات الإضافة ياء واحدة) (بيتي للطائفين) فتحها المدنيان وهشام وحفص. ومن الزوائد (ثنتان) (والباد) أثبتها في الوصل أبو جعفر وأبو عمرو وورش وأثبتها في الحالين ابن كثير ويعقوب (نكير) أثبتها في الوصل وورش وفي الحالين يعقوب».
[ ٢٨٧ ]