قولُه تَعَالى: ﴿ثُمَّ كان عاقبة الذين أساؤا السُّوأى﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ وابنُ عامرٍ «عاقبةَ» بالنصب جعلوها خبر «كان» واسم «كان»، «السُّوأى» والسوأى: العذاب هاهنا و«أن كَذَّبُواْ» فِي موضعِ نصبٍ. والتَّقدير: ثُمَّ كان عاقبتهم العذاب لكذبهم، لأنْ كذَّبُوا بآيات الله.
وقرأ الباقون: «عاقبة» بالرفع جعلوها اسم «كان» والخَبر «السُّوأىَ»، والخبرُ والاسمُ هاهنا معرفتان. وإذا اجتمع اسمان نظرت فإن كان أحدُهما معرفةً والآخرةُ نكرةٌ جعلت النكرة الخَبَرَ، والمَعْرِفَةَ الاسمَ. وإذا كانا معرفتين كنتَ بالخِيَارِ أيهما شئت جعلته خبرا، وأيُّهما شئتَ جعلته اسمًا، و«السُّوأى» اسمٌ على فعلى مثل قصوى.
وأبو عمرو يقرؤها بين بين.
وحمزةُ والكِسَائِيُّ يميلان.
والباقون يفخمون، قَالَ أُفنون التَّغلبي شاهدًا لأبي عمرٍو - والأفنون فِي اللُّغة:
الحَيَّةُ، والعَجُوْزُ:
أَنَّى جَزَوا عامرًا سُوْأَىْ لِفِعْلِهِمُ أَمْ كَيْفَ يَجْزُونَنِي السُّوْأَى مِنَ الحَسَنِ
أَمْ كَيْفَ يَنْفَعُ ما تُعْطِى العَلُوقَ بِهِ رِئْمَانُ أَنْفٍ إذَا مَا ضُنَّ باللَّبَنِ
وقولُه تَعَالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ﴾.
قرأ أَبُو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر بالياء. أي: يُرَدُّون.
وقرأ الباقون: «تُرْجَعُوْنَ» أي: تُردُّون.
وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَأَيَاتٍ لِلْعالِمِيْنَ﴾.
قرأ عاصمٌ فِي روايةِ حَفْص: «لِلْعَالِمِيْنَ» بكسر اللام جمع عالِمٍ، لأنَّ العالِمَ بالشيءِ يكون أحسنَ اعتبارًا من الجاهل كما قَالَ تَعَالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إلَّا العَالِمُوْنَ﴾.
وقرأ الباقون: «لَأَيَاتٍ لِلْعَالَمِيْنَ» بفتح اللَّامِ، والعالَمُ: هُوَ كلُّ ما خلق الله من الإنس والجن وحيوانٍ وطائرٍ وجامدٍ.
فإن قيل لَكَ: فإذا كان العالَم كما قد فسرت فكيف تكون العبرة من الجَماد والطَّائِر والبَهيمة؟
[ ٣٤٥ ]
فالجوابُ فِي ذَلِكَ: أن اللَّفظَ، وإن كان عامًّا، فإنه يراد بِهِ الخَاصُّ، والتَّقدير:
لآياتٍ للعالمين العقلاء، كما قال تعالى: ﴿وهو فَضَّلَكُمْ عَلَى العالَمِينَ﴾ أي: عالمي زمانهم من النِّساء، والرِّجال. ولم يُرد اللَّه تَعَالى أي: فَضَّلتكم عَلَى الجَماد. وإن كان اللَّه تَعَالى قد فضَّل الْإِنْسَان عَلَى كلِّ ما خَلَقَ عَلَى أن القرآن عِمْرَانَ العالم، الملائكة والإنس والجن.
وحدثنا أَبُو الْعَبَّاس بْن عُقْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن نوح، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا أميرُ المؤمنين أَبُو جَعْفَر المنَصور، عن أَبِيهِ، عن جَدّه، عن ابْنُ عَبَّاس فِي قولِهِ: ﴿الحَمْدُ للهِ ربِّ العالَمِيْنَ﴾ قَالَ الجنُّ والإنسُ.
وقولُهُ تَعَالى: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُوْنَ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «تَخرُجُونَ» بفتح التاءِ. جعل الفعل لَهُم؛ لأنَّ اللَّه تَعَالى إذا أخرجهم خَرَجُوا هُمْ، كما تَقُولُ: ماتَ زيدٌ. وإن كان اللَّه أماته، ودَخَلَ زيدٌ الجنةَ، وإن كان الله أدخله، لأنَّ المفعولَ بِهِ فاعلٌ إما بمطاوعةٍ أو حركةٍ.
وقرأ الباقون: ««تُخْرَجُونْ» بضمِّ التَّاءِ، وفتح الراءِ عَلَى ما لم يُسمَّ فاعله، وحجَّةُ الأولين قولُه تَعَالى: ﴿يَوْمَ يخرجون من الأجداث سراعا﴾.
وقوله تعالى: و﴿كذلك نُفَصِّلُ الآَياتِ﴾.
اتَّفقُوا عَلَى النُّون. وإنَّما ذكرتُهُ لأنَّ عباسًا رَوَى عن أَبِي عَمْرٍو «وَكَذَلِكَ يُفَصِّلُ الآَياتِ» بالياءِ أي: قُل يا محمد وكذلك يفصل اللَّهُ الآياتِ أي: يُبينها.
ومن قرأ بالنُّون فالله تَعَالى يخبر عن نفسه، يقال: فصَّل الحكم إذا قطعه وفصّل الآيات، أي: بينها، وكذلك تَفصيل الجمل فِي الحساب إنما هُوَ التَّبين والتَّلخيص، والمفصل سُمِّي لكثرةِ الفُصُول فيها ب ﴿بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحيم﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿وما آتيتم مِنْ رِبًا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وحده: «أتَيْتُمْ» مقصورًا.
وقرأ الباقون بالمَدِّ؛ لأنَّه من الإِعطاء. وهما ألفان، ألف الأولى ألفُ قطعٍ، والثانية أَصْلِيَةٌ، آاتيتم. فلينت الثانية فصارت مدة والدَّليلُ على ذلك الحرف الذي بعده «وما آتيتم من زكاة» لأنهم لم يختلفوا في مده. والربا - هاهنا - ربا حلالٍ، وليس
[ ٣٤٦ ]
حرامًا، لأنَّ الرّبا الحَرَامَ هُوَ أن يُعطى الرجل هديةً ليكافئه المُهدى إِلَيْه بأضعافها، لأنَّه يُهدى إِلَيْه ابتغاءَ وجهِ اللَّه. فهذا لا يَربو عندَ اللهِ، فأمَّا الزَّكاة والصدقة الهدية لله تَعَالى فإنه يَربو عندَ اللَّه. فكذلك قوله: ﴿وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هُمُ المُضْعِفُوْنَ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿لِيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ الناس﴾.
قرأ نافع: «لتربو» بالتاء، وإسكان الواو فالتاء هاهنا للمُخاطبين، والواو واوُ الجمعِ، والواوُ التي هِيَ لام الفعلِ ساقطةٌ؛ لسكونِها وسكونِ هذه، والأصلُ: لتربووا فانقلبت الواوُ ياءً لانكسارِ ما قبلها، وحُذفت لسكونِها وسكونِ الواوِ، وإنما قرأَها كذلك، لأنَّهم كَتَبُوْها فِي المُصحف بألفٍ بعد الواوِ.
وقرأ الباقون: «ليربو» بالياء وفتح الواو. فيكون فعلا لربا، أي: ليربوا الرّبا.
وعلامةُ النصبِ فِي قراءةِ نافعٍ حذفُ النُّونِ، والأصلُ: لتربوون، فَسَقَطَتِ النُّون علامةُ للنصبِ وحجَّتهم: الحرف الَّذِي بعده «فَلَاْ يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ» بالياء ولم يَقُل «فلا يَرْبُونَ».
وقولُه تَعَالى: ﴿فَلَا يَرْبُواْ﴾.
«لا» بمعنى ليس، و«يربو» فعلٌ مستقبل، وعلامةُ رفعه سكون الواوِ وإن شئت.
[ ٣٤٧ ]