قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: قد ذكرتُ ألفاظَ السَّبعةِ فِي «حَمَ» وإنما أعدتُ ذكره لأنِّي سَمِعْتُ ابنَ مجاهدٍ يَقُولُ: قرأ ابنُ أَبِي إِسْحَاق: «حم والكتابِ المبين» بالكسرِ جعله قَسَمًا.
وقرأ عِيسَى بْن عُمر: «حم»، وقد ذكرت علّته. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لي الْعَبَّاسُ: قَالَ لي: المُصطفى - ﷺ - يوم حنين: «ناولني كنارا من حصباء، قال: فكأن البغلة فهمت فانْحَضَجَتْ أي: انْبَسَطَتْ فتَناول هُوَ - ﷺ - ما أراد ثُمَّ رَمَى فِي وُجُوهِ الكُفَّارِ، وقال: شاهَتِ الوُجُوْهُ، أيْ:
قَبُحَتْ «حم لا يُنْصِرُوْنَ» «قَالَ: فانهزَمَ النَّاسُ، وكانُوا ثلاثين ألفًا، قَالَ عليٌّ ﵁ فِي المعمعة قبل الهزيمة: وقد بقينا سبعةَ نَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّه - ﷺ -، وقد حَزِنَنَا الَأمرُ فقلتُ: تقدم رَسُول اللَّه أمامنا فما هُوَ أن تكلم بكلامه، ورمى حتَّى أَعَطُوا الأكتافَ، والَأقْفَاءَ، فأَنزلَ اللَّه تَعَالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾ قَالَ: المُبَرِّدُ: وما رميتَ بقوّتك يا مُحَمَّد إذ رَميت يا محّمد ولكنْ بقوّةِ اللَّه رميتَ. وقال ثَعلبُ: وما قَذفتَ الرُّعبَ فِي قلوبِهم يا مُحَمَّد ولكنَّ اللَّه قَذَفَ فِي قلوبهم الرُّعب حَتَّى انهزموا.
وقال غيرها: لما رَمَى رَسُولُ اللَّه - ﷺ - الكفّ من الحَصْبَاءِ صارَ فِي عينِ كلِّ واحدٍ من الكَفَرَةِ غَشَاوَةٌ وظُلمَةٌ، وظَلَّوا يَمسحون التُّراب عنْ وُجوههم، قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ أي: لم تَكُنْ لتُوصل التُّراب إلى عيونٍ ثلاثينَ أَلفًا ولكن اللَّه أوصله. ويُقال: الَّذِي رَمى فِي ذَلِكَ اليوم علي بن أبي طالب ﵁.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾.
قرأ نافعٌ وحَمزةُ والكِسَائِيُّ: «إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا» بكسر الهمزةِ جعلوه مستأنفًا شرطًا.
وقرأ الباقون: «أنْ كُنْتُمْ» جعلوه فِعلًا ماضيًا أراد: إذْ كنتم، كما قَالَ: ﴿أنْ جَاءَهُ الَأعْمَى﴾ أي: إذْ جاءه الَأعمى. وكذلك: أَسُبُّك أنْ حَرَمْتَنِيْ، فموضع «أنْ» نصبٌ عند البَصريّين، جَرٌّ عندَ الكُوفيّين؛ لأنَّ التَّقديرَ: الذِّكرَ صفحا
[ ٣٩٩ ]
لأن كُنتم وبأن كُنتم قومًا مسرفين، والمُسرف: الَّذِي يُنفق فِي مَعْصِيَةٍ ولا إسرافَ فِي طاعةِ اللهِ. وقال - ﷺ -: «لا إسراف فِي المَأكول والمَشْرُوْبِ».
وقرأ الناسُ كلُّهم: «الذِّكْرَ صَفْحًا» بفتحِ الصَّادِ إلَّا سُمَيْطُ بن عمير وشبيل بن عزرة فإنهما قرءا «صُفْحًا» بضمِ الصَّادِ، وهما لُغتان: الصَّفح، والصُّفح، وضربته بصَفح السَّيف وصُفحه أي: بعَرضه، وضَربتُهُ بالسيف مُصَفَّحًا، وشُبَيْلُ بْن عَزْرَةَ هَذَا القارِئُ: ﴿وادكر بعد أمة﴾ وهذا الذي روى عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «مَثلُ الجَلِيْس الصَّالحِ مِثلُ العطار إنْ أصبتَ من عِطْرِهِ، وإلّا أصبت من رائِحَتِهِ » حَدَّثَنَا أَبُو بكرٍ بْنُ الَأشعث، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأزهر أَحْمَد بْن الأزهر، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْن عامرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُبَيْلُ بْن عَزْرَةَ، عنْ أنس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: «مثل الجليس الصَّالح مثل العطَّار إن لم تُصب من عطره أصبت من ريحه».
وقوله تعالى: ﴿أومن يُنَشَّؤُا فِي الحِلْيَةِ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وحفصٌ، عن عاصم: «ينشأ» بالتشديد جَعَلُوا «مَنْ» فِي موضعِ مفعولٍ؛ لأنَّ اللَّه تَعَالى قَالَ: «إنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً» فأنشأتُ وَنشَأْتُ بمعنًى: إذا رَبَّيْتُ، يُقال: قد نَشَأَ فلانٌ، ونشَّأه غيرُهُ، ويُقال: غُلامٌ ناشئٌ، إذا أدرك، وَيُقَال:
قد أشهد الغُلام: إذا احتَلَمَ، وبلغَ أَشُدَّه، وقيل: احتَلَم، وقيل: بَلَغَ ثمانِي عشرة سنةً، وقيل خمسًا وثلاثين سنةً، وبلغ الغُلام السَّعْيَ: إذا احتَلَمَ. قيل: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ قَالَ: كان ابنُ ثلاثَ عَشْرَة، ويُقال قد أخْضَرَّ إزارُهُ: إذا احتَلَمَ، وذلك أن ابْنُ عُمر أُتِيَ بغلامٍ قد سَرَقَ، فَقَالَ: إن كان قد اخْضَرَّ إِزاره فاقْطَعُوه.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: إنما كَنَّى بنبَاتِ شعرِ عانَتِه، كما تَقُولُ العَرَبُ: فلانٌ عفيفُ الإِزار: إذا كان صائِنًا لفَرجه، ويُقال: أنبت: إذا احْتَلَمَ، وقيل فِي قولِهِ تَعَالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قَالَ: هُوَ نَبَاتُ شِعْرته وإبطه.
وقرأ الباقون: «أو من ينشأ» جعلوا الفعلَ لهم؛ لأنَّ اللَّه أنشأهم فَنَشَئُوا، وَيُقالُ للجواري المِلاح: النَّشْأُ، قَالَ نُصَيْبٌ:
وَلَوْلَا أن يقال صبا نصيب لقلت بنفسي النشأ الصِّغَارُ
وقرأ عَبْدُ اللَّه بْن مسعودٍ: «ولا يُنَشَّئُوا إلا فِي الحِلْيَةِ» وذلك أن اللَّه تعالى احتج
[ ٤٠٠ ]
عليهم وَوَبَّخَهُمْ حين جَعَلُوا لَهُ من عبادِهِ جُزءًا أي: نَصِيْبًا. وقيل: جزءًا أي: بِنْتًا. قَالَ اللَّه: كيفَ رَضِيْتُمْ لله تَعَالى ما لا تَرضون لأنْفُسِكُم وأَحدكم إذا بُشر بالَأنثى ظلَّ وجهُهُ مسودًا. ويُقال: أجزأت المرأة إذا ولدت بنتًا، وأنشدوا:
إنْ أجْزَأَتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلَا عَجَبٌ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أحْيَانًا
وقولُه تَعَالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾.
قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وابنُ كثيرٍ: «عندَ الرَّحْمَن» وحجَّتهم قولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
وقرأ الباقون: «عِبادُ» جمع عَبْدٍ، لأنَّ اللَّه تَعَالى قَالَ: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلَا الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ولأنَّ اللَّه إنما كذبهم فِي أنَّ الملائكة ليسوا بناتِهِ، ولكنهم عِبَادُه.
وحدَّثني أَحْمَد، عن علي، عن أبي عبيد، قال: حدثنا هُشيم، عنْ أَبِي بشرٍ، عنْ سَعِيد بْن جُبَيْر، قَالَ: قلتُ لابنِ عَبَّاس: إن فِي مصحفي «عِبَادُ الرَّحْمَن» قَالَ:
حُكَّهُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿أشهدوا خلقهم﴾.
قرأ نافع وحده: «أأشهدوا خَلْقَهْمْ» من أَشهد يشهد.
وقرأ الباقون: «أَشَهِدُوا» من شهد يشهد ف «أَشَهِدُواْ» الفعلُ لهُم أأشهدوا مفعولون، قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿مَاْ أَشْهَدْتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ والَأرْضِ﴾.
فهذا شاهدٌ لنافعٍ «وَلَاْ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ» فمن أينَ عَلِمُوا أنّ المَلائِكَةَ بناتُ اللَّه إذا لم يَشْهَدُوا ولم يُخبرهم بذلك مخبرٌ، وهذا نِهايةٌ فِي الحُجَّةِ عليهم.
وقولُه تعالى: ﴿كذلك تخرجون﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وابنُ عامرٍ: «تَخْرُجُوْنَ» بفتح التَّاءِ.
والباقون بالضَّمة، وقد ذكرتُ علّة ذَلِكَ فِي مواضعَ شتَّى.
وقولُه تَعَالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بَأَهْدَى﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحفصٌ، عنْ عاصمٍ: «قَال أَوَ لو جِئْتُكُمْ» عَلَى الخَبَرِ.
وقرأ الباقون: «قُلْ» عَلَى الَأمرِ.
وقرأ النَّاس كلُّهم بالتاء، إلا ما حَدَّثَنِي أَحْمَد، عنْ علي، عن أبي عبيد أن أبا جعفر
[ ٤٠١ ]
قرأ: «أو لو جئناكم» اللَّه تَعَالى يُخبر عنْ نَفسه بلفظِ الجَمعِ؛ لأنَّها كلمةُ مَلِكٍ، ومثله: «بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ» و«بَلْ مَتَّعْنَاْ»، و«كَمْ من قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا» و«أَهْلَكْتُها».
وقولُه تَعَالى: ﴿لِبُيُوْتِهِمْ سُقُفًا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عُمَرٍو: «سَقْفًا» عَلَى التَّوحيدِ.
وقرأ الباقون: «سُقُفًا» بضمتين عَلَى الجمعِ، فسقف يكون جمع سَقِيْفَةٍ، وسقيفٍ.
وقال آخرون: هُوَ جمعُ سَقْفٍ مثل رَهْنٍ، ورُهُنٍ، وحَلْق، وحُلُق وأَنْشَدَ:
حتَّى إذا أَبْلَتْ حَلَاْقِيْمَ الحُلُقْ أَهْوىَ لَأدْنى فَقرةٍ عَلَى شَفَقْ
وحدَّثني ابنُ مجاهدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ خَالِد اللَّبَّاد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عليّ بْن الْحَسَن بْن شقيق، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عنْ الْحُسَيْن بْن واقدٍ، عنْ أَبِي أُمية، عنْ مُجاهد، عنْ ابنِ عَبَّاس، قَالَ: ما كان من أمرِ الدُّنيا هُوَ السِّقُفْ، كما قَالَ: «السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوْظًا». وما كان من البُيُوْت فهو السُّقُفُ.
قال أبو عبد الله: فأما السُّقْفُ بإسكان القاف فهو جَمع رَجُل أُسْقُفٍ، وهو الطَّوِيْلُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
قرأ عاصمٌ وحمزةُ بالتَّشديد: «لَمَّا» بمعنى «ألّا».
وقرأ الباقون: «لَمَا» مُخفّفًا، جعلوا «ما» صلةً، إلّا ابنَ عامرٍ فإنَّه شدَّد، وخَفَّفَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿حتَّى إذا جَاءَنا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٍ وابنُ عامرٍ وعاصمٌ فِي رواية أَبِي بَكْر «جاءنَا» عَلَى الاثنين يعني الكافرَ وقرينه، كقوله: ﴿وإذَا النُّفُوْسُ زُوَّجَتْ﴾ أي: قُرنت بنظيرها من الشَّياطين، الدَّليل على ذلك قوله: ﴿يا ليت بَيْنِيْ وَبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ يعني مشرق الصيّف والشّتاء، قَالَ الفَرّاء: الاختيارُ، بعد المَشرق، والمَغرب. فَقَالَ: المَشرقين كما قَالَ سُنَّة العُمرين، يعني أبا بكرٍ وعمر. وكما قيل: بين الأذانين، يعني: الأذان والإقامة، وأنشد:
أخذنا السَّمَاءِ عَلَيْكُمُ لَنَا قَمَرَاْهَا والنُّجُوْمُ الطَّوَاْلِعُ
[ ٤٠٢ ]
يعني: الشَّمسَ والقَمرَ، وقال المُفضل: يعني بالقَمرين محمدًا، وإبراهيمَ خليلُ الرَّحْمَن ﵉، قَالَ ابْنُ خالويه: من قَالَ سُنَّة العُمرين عُمَر بْن عَبْد العزيز فقد أخطأ؛ لأن قَتَادَةَ قَالَ: قد قيلَ: سُنَّة العُمرين قبل أن يُولد عُمَر بْن عَبْد العزيز. وقالوا لعلي: سُنّ سُنَّةَ العُمرين، يعنُون أبا بكرٍ وعمرَ، ونحوه قول العرب: الأصرمان:
الذئب والغُراب، والَأقْهَبَانِ: الفِيْلُ والجاموسُ، والأسودان: التّمرُ والماءُ، والأصفران:
الذَّهبُ والزَّعْفَرَانُ، وأهْلَكَ الرّجالَ الأحمران: اللّحمُ والخَمْرُ، والجديدان: اللَّيْلُ والنَّهار، وينشد:
إنَّ الجَدِيْدَيْنِ إِذَا ما اسُتَوْلَيَا عَلَى جَدِيْدٍ أَدْنَيَاهُ لِلْبِلَى
ويُقال: ذَهَبَ مِنْهُ الأَطْيَبَان: الأكلُ والنِّكاحُ، وَيُقَال: الخَمرُ والزِّنا.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾.
يعني الكافَر وقَرينه. وذلك أنَّ حكُمَ المشتركين فِي المصيبة والبلاء أن يخفف ذَلِكَ عليهما ليتسلى بعضٌ ببعضٍ كما قَالَتْ الخنساء:
يُذَكِّرُنِي طُلُوعُ الشَّمسِ صَخْرًا وَأَذْكُرُهُ بِكُلِّ مَغِيبِ شَمْسِ
وَلَوْلَا كَثْرَةُ البَاكِيْنَ حَوْلِى عَلَى أَحْبَابِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِيْ
وَمَا يَبْكُوْنَ مِثْلَ أَخِيْ وَلَكِنْ أُعزّى النَّفْسَ عَنْهُ بالتَّأَسِّ
فَقَالَ اللَّه تعالى: إن اشتراكهم فِي النّار لن يَنْفَعَهُم ولن يُسلِّيْهمْ.
وقرأ الباقون: «حتَّى إذا جاءَنَا» عَلَى التَّوحيدِ وإنما أُفرد بالخطاب لأنَّه الَّذِي أُفرد بالخطاب فِي الدنيا، أقيمت عَلَيْهِ الحُجة بتوجيه الرَّسُول إِلَيْه، فأجتزأ بالواحد عنْ الاثنين كما قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿لَيْنْبَذَنَّ فِي الحُطَمَةِ﴾ والأصل، ليُنبذانِ بمعنى هُوَ وماله.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾.
قرأ عاصمٌ فِي روايةٍ حَفْصٍ: «أَسْوِرَةٌ» وقد رُويت عنْ الحسن كذلك، ف «أسورة» جمع سوار.
قَالَ أَبُو عُبَيْد: وقد يكون أسوار جمع أَسورة، وفي حرف عَبْدِ اللَّه «أساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ» بغير هاء شاهدٌ لمن جمع.
قولُه: ﴿فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «سُلُفًا» جمع سليف.
[ ٤٠٣ ]
وقرأ الباقون: «سَلَفًا» وهو الأسير فِي كلامهم.
وسَمِعْتُ ابنَ أبزون الحَمْزِيَّ يَقُولُ: قيلَ لحَمزة: مَنْ قرأ: «سُلُفًا» قَالَ النَّاسُ، قيل: من هُم؟ قَالَ: أَنا.
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: حَدَّثَنِي ابن مجاهد، عن السمري، عن الفراء، قال: أخبرني سُفيان بنُ عُيَيْنَةَ أنَّ الأعرجَ قرأ «سُلَفًا» بفتح اللَّام جعله جمعَ سُلْفَيةٍ مثل غُرفة وغُرَف، وكذلك «زُلَفًا مِنَ اللَّيْل» جمع زُلْفَةٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿إذا قُوْمُك مِنْهُ يَصِدُّوْنَ﴾.
قرأ نافعٌ والكِسَائِيُّ وابنُ عامرٍ: «يصُدون» بضم الصاد، ومعناه يعرضون ويعدلون، وشاهدهم: ﴿كبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾.
وقرأ الباقون: «يَصِدُّوْنَ» بكسرٍ الصادِ أي: يضجُّون قَالُوا: لأنَّه يُقال: ضجَّ من ذَلِكَ، ولا يُقال: صدَّ من ذَلِكَ، إنما يُقال: صَدّ عنْ ذَلِكَ، وقال الكِسَائِيُّ: صدّ يصُدُّ، وصدّ يَصَدُّ بمعنًى واحدٍ، جعلهما لُغتين.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: يقال: صدّني عنْ ذَلِكَ الأمرُ، وأَصدَّني لُغتان فصيحتان.
وقولُه تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾.
قرأ ابْنُ عامر وحده: «يَا أَيُّهُ» اتباعًا للمُصحف.
وقرأ الباقون: «يا أيها».
فإن قيلَ لَكَ: خاطبوا نَبيهم بالسَّاحر. وقد سألوه أن يدعو لهم؟
ففي ذَلِكَ أجوبةٌ:
أحدهما: أنهم قالوا يا أيها الفَطِنُ العالمُ؛ لأنَّ السّحر عندهم دقَّةُ النّظر والعلم بالشّيء كالسّحر الحلال، يُقال: فلان يسحر بكلامه.
وقال آخرون: معناه: أنّهم خاطبوه بما تقدم لهم من التَّشبيه لهم إياه بالسَّاحر.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ﴾.
قرأ ابْنُ عامرٍ وحده بكسر الألِف جعله تمام الآية، والوقف عَلَى قولِهِ: «إذْ ظَلَمْتُمْ» ثُمَّ استأنف «إِنَّكُمْ» لأنَّ «إنّ» إذا كانت مبتدأةً كانت مكسورةً.
وقرأ الباقون: «أَنَّكُمْ» بالفتحِ، جعلوا «أنّ» اسمًا في موضعِ رفعٍ، ولن ينفعكم اليوم اشتراككم فِي النَّارِ حيث ظلمتم أنفسكم فِي الدُّنيا.
[ ٤٠٤ ]
وقولُه تَعَالى: ﴿يا عبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾.
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: «يا عباد» بغير ياء وصلوا أَوْ وقفوا؛ لأنَّه نداءٌ، مثل يا قوم، ويا رب.
وقرأ الباقون: «يا عبادي» بالياء.
وكلُّهم أسكن الياء إلا عاصمًا، فإنه فتح الياء، فيجب عَلَى قراءته الوقف بالياءِ وعلى قراءةِ الباقين يجوزُ الوقفُ بالياءِ وبغيرِ الياءِ.
وقال ابنُ مجاهدٍ: روى ابْنُ اليزيدي، عنْ أَبِيهِ، عنْ أَبِي عَمْرو أَنَّهُ وقف بالياء «يا عبادي».
وقولُه تَعَالى: ﴿وفِيَها مَا تَشْتَهِيهِ الَأنْفُسُ﴾.
قرأ نافع وابن عامر وحفص، عنْ عاصم: «ما تَشْتَهِيهِ» ف «ما» بمعنى «الَّذِي»، وهو رفعٌ بالابتداء، و«تشتهي» صلة ما، والهاء عائد «ما»، وهو مفعول «تشتهي».
وقرأ الباقون: بحذفٍ الهاء اختصارًا، لأنَّه قد صار الاسم مَعَ صلته أربعةُ أشياء شيئًا واحدًا، فلما طال بصلته حذفت الهاء اختصارًا، كما قَالَ:
ذَروني إنما خطئي وصوبي على وإن ما أهلكت مالُ
يريد: الَّذِي أهلكته.
وسَمِعْتُ بعضَ العلماء بكتابِ اللَّه ﷿ يقرأ فِي وصف الجنة بصفات مختلفة فِي آي متفرقة ثُمَّ جمع تلك الصفات كلها فِي حرف من كتابِ اللَّه وهو قولُه: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾.
وسأل أعرابي رَسُول اللَّه - ﷺ - فَقَالَ: إني سَمِعْتُ اللَّه يَقُولُ:
وفيها ما تشتهي الَأنفس، أنّي رجلٌ اشتهي النَّومَ فهل فِي الجَنّةِ نومٌ؟ فَقَالَ - ﷺ -: «إِنّ النَّوم أخُ الموت، ولا موت فِي الجنة».
وسأل آخر: هَلْ تُموت الحورُ؟ فَقَالَ: «إن الحورَ ثوابُ الأعمال والثَّواب لا يموت».
وقولُه تَعَالى: ﴿وإِلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ﴾.
قرأ أَبُو عَمْرو، وعاصم، ونافع وابن عامر: «تُرجعون» بالتاء.
[ ٤٠٥ ]
والباقون بالياء، خطابٌ عنْ غيبٍ ولم يختلفوا في الضم.
وقوله تعالى: ﴿وقيله يا رب﴾.
قرأ عاصم وحمزة: «وقِيْلِه» خفضًا عَلَى معنى وعنده علم الساعة، وعلم قيله.
وقرأ الباقون بالنَّصب ردًّا عَلَى قولُه: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾.
وقال آخرون: نصبٌ عَلَى المصدرِ. فالأول قُول الأخفشِ والثَّاني قولُ سائرِ النَّاس.
وفيها قول ثالث: ﴿أم يحسبون أنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونَجْواهُمْ﴾.
بعلمهم، وقيله: لأنَّه لما قَالَ: ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ كان التَّقدير: ويعلم قيله.
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: «وقِيْلُهُ» بالرفع. روى عنْ قَتَادَة جعله اللَّه ابتداء.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ بالتَّاء.
وقرأ الباقون بالياء و«سَلامٌ» رفعٌ بإضمار: وعليكم سلامٌ، قَالَ الفَرَّاءُ: ولو قَرَأَ قارِئٌ: قُلْ سلامًا بالنَّصبِ جاز.
وقولُه تَعَالى: ﴿آلِهَتُنَا﴾.
روى قالون، عنْ نافع: «أآلهتنا» بهمزة بعدها مدة.
قَالَ أَبُو عبدِ اللَّه: فهي ثلاثُ ألفاتٍ، الأولى: ألف التَّوبيخ فِي لفظ الاستفهام.
والثانية: ألف جمع. والثالثة: أصلية والأصل: إله، ثُمَّ يُجمع فتقولُ: آلهة مثل حمار وأحمرة، والأصل: أألهة فصارت الهمزةُ الثَّانيةُ مدَّةً، ثُمَّ دخلتُ ألفُ الاستفهام فقلت «أآلهتنا» وكذلك قرأها أَبُو عمرٍو. فأمَّا أهل الكوفة وابن عامر «أآلهتنا» بهمزتين والثالثة مدة. واختُلفت فِي قولُه: «أَفَلَا يُبْصِرُونَ، أَمْ أَنا خَيرٌ» فِي «أم» سبعةُ أقوال قد ذكرتها في كتاب المفيد.
[ ٤٠٦ ]