قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: إنّما سُمى بقوله: ﴿فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ فالصَفُّ فِي اللُّغة مُصلى يومِ العِيْد، ويُقال لمصلى يومِ العِيْد: المُشرَّق، قَالَ أَبو ذؤيب:
حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ بِصَفَا فِي المُشَرِّقِ كلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ
الصَفُّ أيضًا: النَّاقةُ الغَزِيْرَةُ، والصَفُّ: صَفُّ الصَّلاة، وصفُّ المَلائكة ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾.
حَدَّثَنَا أَبُو عُمَر، عنْ ثَعلب، عنْ ابنِ الأعَّرابيِ، قَالَ: رُوي، عنْ كَعب الَأحبار أن مُوسى الكَليم قَرَأَ فِي سفرِ من الَأسفارِ فِي صفة أمةِ مُحَمَّد - ﷺ -:
«صفوفًا فِي القِتَالِ وفي الصَّلاة، إنْجيْلُهُمْ فِي صُدورهم، يَأكلون القُربان يحمدون الرحمن على السراء والضراء يملئون الأرضَ وأقطَارَهَا من ذكرِ اللَّه».
وقال مُوسَى: اجعل هَؤُلَاءِ أمَّتي، قَالَ لَهُ الجبَّارُ: هَؤُلَاءِ أمّةُ حبيبي مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
وقولُه تَعَالى: ﴿مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾.
قَرَأَ حمزة والكسائي وابن عامر وحفص، عن عاصم «من بعدي» بسكون الياءِ.
والباقون يفتحون.
وَقَدْ ذكرتُ علة ذَلِكَ فِي مواضع.
وقال الخَليل بْن أَحْمَد: خمسةٌ من الَأنبياء ذو اسمين مُحَمَّد وأحمد، ويعقوب وإسرائيل، وعيسى والمسيح، وذو النون ويونس، وإلياس وذو الكفل. وللنَّبي - ﷺ - فِي التَّنزيلِ وغيره أكثرُ من مائةَ اسمٍ قَدْ أفردت لها كتابًا، وذلك نحو المَاحي، والحاشِر، والعاقِب، ونَبي الرَّحمة، ونبي المَلحمة، وعبدُ اللَّه، والمُنادي وأَحد من قولُه: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ﴾ أي: عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - قَالَ الخليل بْن أَحْمَد: لَيس بين رَسُولِ اللَّه - ﷺ - وبين أَبِي أحدٌ اسمه أَحْمَد غير أَبِي وسَمِعْتُ أبا عِمران القاضي يَقُولُ ذَلِكَ.
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الحُكَيْمِيُّ، قَالَ: أخبرنا ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مصعبَ الزَُبَيْريَّ يَقُولُ: أول من سمي فِي الِإسلام عبد الملك عبد الملك بن مَروان، وأول من
[ ٤٤٢ ]
سُمي أَحْمَد فِي الِإسلام أَبُو الخَليل العَروضي.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وحمزةُ والكِسَائِيُّ وحفصٌ، عنْ عاصمٍ بالِإضافة من غيرِ تنوينٍ.
والباقون ينونون وينصبون. وَقَدْ ذكرتُ علَّة ذَلِكَ فِي الَأنفال عند قولُه: ﴿مُوْهِنُ كَيْدِ الكَافِرِينَ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم﴾.
قَرَأَ ابْنُ عامرٍ: «تُنَجِّيكُمْ» مُشدَّدًا من نَجَّي يُنَجّي.
وقرأ الباقون مخففًا، وهما سواء. العربُ تَقُولُ: أكرم وكرّم وأَنجى ونَجَّى بمعنى واحد، وقال اللَّه تَعَالى: ﴿فَأَنْجَيناهُ﴾ وفي موضعِ آخر «فَنَجَّينَاهُ» وقال النَّحويون:
جوابُ هَلْ قولُه: «يَغْفِرْ لَكُمْ» مجزومٌ، لأن جوابَ الاستفهامِ مَعَ الاستفهام شرطٌ وجزاءٌ كقولك: أَيْنَ بيتك أزرك، والتقدير: أينَ بَيْتُك إنْ تَدْلُلنِي أَزرك، وقولُه تَعَالى:
﴿تُنْجِيكُمْ﴾ رَفْعٌ، لأنَّه تَبْيِيْنٌ للتِّجارة وتَفسيرٌ لها جوابٌ، والتَّقديرُ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارةٍ من صفتها كَيت وكَيت، وهي الِإيمانُ باللهِ والجِهادُ فِي سبيله فإن فعلتم ذَلِكَ يَغفر لكم ذُنوبكم.
وقولُه تَعَالى: ﴿أُنْصَارُ اللَّه﴾.
قَرَأَ أهلُ الكوفِة وابنُ عامرٍ مضافًا «أَنْصَارُ اللهِ».
وقرأ الباقون: «أَنْصَارًا لله» فمَن نوَّن جعله نكره، ومن أَضاف فهو معرفةٌ، وأَنصارٌ: أفعالٌ، واحدها ناصِرٌ، وفاعلٌ عَلَى أَفعالٍ قليلٌ، إنّما جاء صاحب وأصحاب، وشاهدٌ وأشهادٌ، ومعنى «مَنْ أَنْصَارِي إِلى اللَّهِ» أي: مَن أعواني فِي ذاتِ اللَّه، ومن يَنصرني عَلَى أعداءِ اللَّهِ.
وحدَّثني أَبُو عُبَيْدٍ الحافظ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أبي خيثمة، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد، عنْ أسباط، عنْ السُّدِّيِّ، قَالَ: ليس اليهود اسمًا قبيحًا إنا سمُّوا بذلك حين قَالُوا: ﴿إنَّا هُدْنا إِليكَ﴾ أي: تُبْنَا وليس النَّصارى باسمٍ قبيحٍ إنما سمُّوا بذلك حين قَالَ عِيسَى ﵇: ﴿مَنْ أَنْصَارِى إلى اللَّه﴾ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: وفي غير هَذَا الحَديث إنما سمُّوا نَصَارى لأنَّهم تَسَمَّواْ إلى قَريةٍ يُقال لها: ناصِرةَ، وواحد النَّصارى نَصراني، والمرأةُ نَصرانِيَّةٌ، وقيل: الواحد نَصرىٌّ مثل رومي.
[ ٤٤٣ ]