قوله تَعَالى: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بالنُّون. وقرأ الباقون بالياء. فمن قرأ بالنون أخبر المتكلم عَنْ نفسه مَعَ جماعة.
ومن قرأ بالياء أخبرَ الله تَعَالى عَنْ غائبٍ مفردٍ، وهو الاختيارُ، لأنّ الله تَعَالى خصَّ بالخطابِ رجلًا فَقَالَ: «إنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ» ولم يَقُل: لَكُمْ. والقِرَاءَتَانِ صَحِيْحَتَانِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَجْعَلَ لَكَ قُصُورًا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ فِيْ روايةِ أبي بكرٍ، وابنُ عامرٍ: «ويَجْعَلُ لَكَ قُصُوْرًا» بالرَّفعِ عَلَى الاستئناف.
وقرأ الباقون: «وَيَجْعَلْ لَكَ» جَزْمًا عَلَى الشَّرْطِ الذي قبله نَسَقٌ، لأنَّ موضعَ «إنْ شَاَء» جزمٌ لو كان مستقبلًا، والتقدير: إن يشأ يجعل، ف «إن» حرفُ شرطٍ، و«شاءَ» فعلٌ ماضٍ لفظًا ومعناه الاستقبال، و«يَجْعَلْ» جزمٌ جوابُ الشرطِ، «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الَأنْهَارُ» كلامٌ تامٌّ، فمن رَفَعَ استأنف، ومن جَزَمَ عطفَ «وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوْرًا» عَلَى يَجْعَلَ لَكَ جَنَّاتٍ ولو قرأ قارئٌ «وَيَجْعَلْ لَّكَ» بالإدغام وإشمام الضم لكان جائزا مثل: «لا تأمنا» فيدغم، لأنَّه يريد: يَجْعَلُ لَكَ وتَأمَنُنَا فيدغم، ومن جَزَم لم يجز لَهُ الإظهارُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَومَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وحفصٌ، عَنْ عاصمٍ بالياء كليهما، أي: قل يا مُحَمَّد: ويومَ يحشرهم الله ويَحشر الَّذِيْنَ يعبدون، يعني: الأصنام. قِيلَ: حَشْرُهَا: فَنَاؤُهَا. وقيل:
يَحْشُرُهَا كَمَا يَحْشُرُ كلَّ شيءٍ ليبكتَ بها مَنْ جَعَلَهَا إلهًا من دُوْنِ الله. فأمَّا قوله: ﴿إنَّكُمْ ومَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حًصَبُ جَهَنَّمَ﴾ فإنَّ جماعةً من المنافقين والكفَّار خاصَمُوا رَسُولَ الله - ﷺ - وقالوا قَدْ ذَكَرْتَ أن الله قَدْ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ: ﴿إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وقد عبدَ قومٌ عيسى وعزيرا فأنزل الله تَعَالى: ﴿إن الَّذِيْنَ سَبَقَتْ لَهْمْ مِنَّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُوْنَ﴾ فهذا فِيْ التَّفسير. وَقَالَ أهلُ النَّحوِ: هذا السُّؤال لا يلزمُ، لأنَّ الله تَعَالى قَالَ: «وَمَاْ﴾
[ ٣٠٤ ]
﴿تَعْبُدُونَ» و«ما» لغيرِ الإِنس. ولو دخلَ عيسى وعزيزٌ فيمن عُبد فِيْ هَذِهِ الآية لقيل:
«إنكم ومَنْ تعبدون»، لأن «مَنْ» للإنس خاصةً. وبلغَ الفرزدقُ أنَّ جريرًا قَالَ:
يَا حَبَّذَا جَبَلُ الرَّيَّان من جَبَلٍ وَحَبَّذَا سَاكِنُ الرَّيَّانِ مَنْ كَانَا
فَقَالَ الفَرزدقُ: لو كانوا قُرُودًا؟
فَقَالَ جريرٌ: أخطأ، ولو كانُوا قرودًا لقلتُ: «ما»، و«إنَّمَا» قلت: «مَنْ».
وقرأ الباقون: «وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ» بالنُّونِ، الله تَعَالى يُخبر عَنْ نفسه. «وَمَا يَعْبُدُونَ» بالياءِ مثل الأولين.
وقَرَأ ابنُ عامرٍ: «وَيَومَ نحشرهم فَنَقُولُ» بالنُّون أيضًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾.
قرأ ابن كَثيرٍ بروايةِ قُنبل «ضَيْقًا».
وقرأ الباقون «ضَيِّقًا».
فَقَالَ قومٌ: الضَّيْقُ والضَّيِّقُ: لغتان.
وَقَالَ آخرون: الضِّيِّق: فما يرى لَهُ حدٌّ، والضَّيْق: فيما لا يرى ولا يجد فتَقُولُ:
بيت ضَيِّقٌ وفيه ضَيْقٌ، وصدرٌ ضَيْقٌ.
وفيه قول آخر: يجوز أن يكون مكانًا ضَيْقًا - بالتَّخفيف - أراد ضَيِّقًا، كَمَا تَقُولُ: هَيْنٌ لَيْنٌ مَيْتٌ، والأصل: هَيِّنٌ لَيِّنٌ مَيِّتٌ.
واتَّفقُوا عَلَى «مقُرنين» بالياء، لأنَّه نصبٌ عَلَى الحالِ، إلا أبا شَيْبَة المَهْرِي فإنه قرأ مُقَرَّنُونَ بالواو، أي: هو مقرنون.
وقولُه تَعَالى: ﴿تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمَامِ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٍ وابنُ عامر «تشقق» مشددا أرادوا: تشقق فأدغموا، ومعناه:
تتشقق السماءُ، عَنْ الغمام الأبيض، ثُمَّ تنزل منه الملائكة، ف «عَنْ» و«الباء» تتعاقبان كقولهم: سَأَلَ زيدٌ بكذا يريدون: عَنْ كَذَا. قَالَ الله تَعَالى: ﴿سَأل سَائلٌ بِعَذَاْبٍ وَاْقعٍ﴾ أي: عَنْ عذابٍ وأنشد.
دَعِ المغمر لا تسأل بمصرعه واسأل بمصقلة البكري ما فَعَلا
وقرأ الباقون «تَشَقَّقُ» مخفَّفًا أرادوا - أيضًا -: التاءين فخزلوا واحدةً.
[ ٣٠٥ ]
- وقولُه تَعَالى: ﴿ونَزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيْلًا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وحده «ونُنْزِلُ المَلائكَةَ» بالنَّصب و«نُنْزِلُ» بنونين، الأُولى علمُ الاستقبال. والثاني سنخيَّةٌ، الله تَعَالى يخبرُ عَنْ نفسِه أي: ونُنْزِلُ نحنُ الملائكةَ.
وقرأ الباقون ««ونُزِّلَ المَلائكَةُ» على ما لم يسم فاعله.
والملائكة رفعٌ، اسم ما لم يسمَّ فاعله، وهو الاختيار، لأن «تنزيلا» لا يكون إلا مصدرًا لنزَّل، لو قرأ ابنُ كثير وننزل - بالتشديد - لوافق تنزيلا.
وقوله تعالى: ﴿يا ليتني اتخذت﴾.
فتح الياء أبو عمرو. وأسكنها الباقون. وكذلك ابن خليد عَنْ نافعٍ، فتحه، وهذا القول من الظالم يوم القيامة الذي ذكره الله تَعَالى، فَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾. وذلكَ أن رجلًا من سادات قُريش اتَّخَذَ وَلِيْمَةً فَدَعا أشرافَ قومِهِ ودَعا النَّبيّ - ﷺ - فدخل أُبَيُّ بن خلف المنافق، فقال: والله لا أجلسن عندك حتَّى تخرج مُحَمَّدًا وبصق فِيْ وجهه، وقال: أتدعو مثلَ هذا؟ ! فحزِنَ رَسُولُ الله - ﷺ - فامره الله بالصبر وعرفه ما أعدَّ للظَّالِم فِيْ الآخرة، وإنما كان فَعَلَ ذَلِكَ تَشَفِّيًا لآخر كان مَعَهُ، وهو الذي كنَّى الله تَعَالى عَنْ اسمه، فَقَالَ: ﴿لَيتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾.
أخبرني ابنُ دُريدٍ، عَنْ أبي حاتِمٍ، عَنْ العَرَب إنَّمَا تكنى عَنْ كل مذكَّرٍ بفلان، وفلانة، عَنْ مؤنَّثة، فإذا كَنَّوا عَنْ البهائم، قالوا: الفلان والفلانة، كقولك: السَّرج للفلانة، تريد: البَغلة والدابة. وقيل: ﴿لَمْ أَتَِّخذْ فُلَانًا خَلِيْلًا﴾ يعني: الشَّيْطَانُ.
وقولُه تعالى: ﴿يا ويلتى لَيْتَنِي﴾.
فيه ثلاث قراءات:
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «يا ويلتي» بالإمالة مثل: يا عَجبي، وذلك أنَّ العربَ تميل نحو ذلك ولا تنون، وكان الأصمعي يُنشد هذا البيت:
فَيَا رَاكِبَا إمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ نَدَامَايَ مِنْ نَجْرَانَ أَلَّا تَلَاقِيَا
بالإِمالة وتَرك التنوين، يجعلها معرفةً.
والباقون ينشدون: فيا راكبًا بالتَّنوين، فَقَالَ ابنُ مجاهدً: من أمال «يا ويلاتي» إنَّمَا وقعت الإمالة عَلَى الألف فمالت التاء بميل الألف.
[ ٣٠٦ ]
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: أكثرُ النَّحويين عَلَى أن الإمالة لا تكون إلا في الألف فقط.
وقرأ الباقون: «يا ويلتي» بالتفخيم.
والقراءة الثالثة ««يا ويلتي» بالإضافة إلى النفس وكسرِ التاء، قرأ بذلِكَ الحَسَن وقتادة.
وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّ قَومِي اتَّخَذُواْ﴾.
فتح الياء فِيْ «قومَي» أَبُو عَمْروٍ ونافعٌ وابنُ كثيرٍ فِيْ رواية البزي.
وأسكنها الباقون وقُنبل، ومعنى هَذِهِ الآية أنّهم تركوا القرآن وتلاوته والعمل بِهِ وهجروه فصار مهجورًا. وَقَالَ آخرون: بل جعلوه كالهذيان، كَمَا يقال: أهجر المريض والنائم: إِذَا ردَّدَ الكلمةَ بعدَ الكلمةَ.
وقوله تعالى: ﴿أرسل الرياح بُشْرًا﴾.
قد ذكرت العلل والقراءة فِيْ البقرة والأعراف بما أغنى، عن الإعادة هاهنا.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيَنُهمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيّ «ليَذْكُرُوا» خفيفًا.
وقرأ الباقون «لِيَذَّكَّرُوا» مشدَّدًا، أرادوا: لِيَتَذَكَّرواُ فأدغَمُوا، وهو الاختيار، لأنَّ التَّذَكُّرَ والإدَّكارَ فِيْ معنى الاتعاظ وليس الذكر كذلك.
قرأ حمزة والكسائي بالياء.
وقرأ الباقون بالتاء، فمن قرأ بالتَّاء جعل الفعل للنَّبِيّ - ﷺ -، ومن قرأ بالياء أراد: بمسيلمة الكذَّاب وذلك أَنَّهُ سمَّي نَفْسَهُ الرَّحْمَن، فَقَالُوا للنَّبِيّ - ﷺ -: إنَّا لا نعرف الرَّحْمَن إلَّا نَبِيَّ اليَمامة، فأنزل الله تَعَالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ وَقَالَ آخرون: التقدير المصدر:
أي: السَّجدُ لأمرك.
وقولُه تَعَالى: ﴿سِرَاجًا وقمرًا منيرًا﴾.
قرأ حمزة والكِسَائِيّ: «سُرُجًا» بالجمع.
وقرأ الباقون «سِراجًا» بالتوحيد، فمن وحد أراد بالسراج: الشمس، كَمَا قَالَ:
تَعَالى: ﴿وجَعَلَ الشَّمسَ سِراجًا﴾ بالتوحيد، ومن جمع جاز أن يريد المصابيح من النجوم وهي المضيئة العظام الدَّراري. ويجوز أن يكون أراد النجوم الكبار مَعَ الشمس
[ ٣٠٧ ]
والقمر، واتفقوا عَلَى «وقَمَرًا» إلا الحَسَن فإنه قرأ «وقُمْرا مُنِيْرا» فيجوز أن يكون جعله جمعًا، ويجوز أن يكون لغتين مثل وَلَدٍ ووُلْدٍ.
والقمر: جمعه الذي لا تعرف العرب غيره أقمارٌ، أنشدني ابن عرفة:
دَعِ الأَقْمَارَ تَخبُوا أو تُنِيرُ لَنَا بَدْرٌ تُقِرُّ لَهُ البُدُورُ
وتصغيره: قُمَيْرٌ، ويُقال للقمر: هلالٌ وزبرقانُ وبدرٌ. والسَّواد الذي فِيْ القمر:
المَحْوُ. وضوءُ القمر: الضحو. وظلُّ القمر: السَّمَرُ. وليلةٌ عفراء: ليلة ثلاث عشرة.
والساهرون: غلافُ القمر. والدَّارة التي حول القمر: الهالَةُ. وقد حجر القمر: إِذَا استداَر. وليلة قمراء ومقمرة وأضحيان: بمعنًى واحد. والليلة المقمرة يقالُ لها: ابن نمير. والليلة المظلمة: فحمة بْن جُمَيْرٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾.
فيه ثلاثُ قراءات:
قرأ ابنُ كثيرٍ وَأَبُو عمروٍ: «وَلَمْ يَقْتِرُواْ» من قَتَرَ يَقْتِرُ مثل ضرب يضرِبُ.
وقرأ نافع وابن عامر: «يُقْتِرُواْ» من أَقْتَرَ يُقْتِرُ.
وقرأ الباقون: «ولم يَقْتُرُواْ» بضمِّ التاءِ من قَتَرَ يَقْتُرُ فالأول مثل ضَرَبَ يَضْرِبُ.
والثاني مثل أَكْرَمُ يُكْرِمُ. والثالث مثل قَتَلَ يَقْتُلُ. ولو قُرئَ: ولم يقتِّرُواْ - بالتَّشديد - جاز لأنَّ كلَّ ما جازَ فيه فَعَلَ وأَفْعَلَ صلح أن تعرض عَلَيْهِ يفعِّلُ، قَالَ الشَّاعِرُ حجَّةً لنافع فِيْ الإِقتار:
تَالله لَوْلَا صِبْيَةٌ صِغَارُ كأنَّما وُجُوْهَهُمْ أَقْمَارُ
تَضُمُّهُمْ مِنَ العَتِيْكَ دَارُ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّهُمْ إِقْتَارُ
أَوْ لَاطِمٌ بِكَفِّهِ أَسْوَاْرُ لَمَا رَآنِي مَلِكٌ جَبَّارُ
بِبَابِهِ ما وَضَحَ النَّهَارُ
واختلف الناس فِيْ السَّرَفِ فِيْ النَّفَقَةِ، فَقَالَ قومٌ: الإِسرافُ: كلُّ ما أُنفق فِيْ غيرِ طاعةِ الله كقولِه: ﴿إنَّ المُبَذِّرِيْنَ كَاْنُوا إِخْوانَ الشَّيَاطِيْنِ﴾. وَقَالَ عليٌّ ﵁: «لَيْسَ فِيْ المأكول والمشروب سرفٌ وإن كان كثيرًا».
وَقَالَ الآخرون: الإسرافُ فِيْ الحلالِ فقط؛ لأنَّ الحرامَ لا يجوزُ منه الذَّرة فما فوقها، واحتجوا بحديثِ رَسُولِ الله - ﷺ -: «أنَّ جاريةً أتته وهو فِيْ
[ ٣٠٨ ]
مَنزله ﵇، فقالت: إنّ أمي تَقرأ عليك السَّلَام يا رَسُول الله، وتقول: أَعطِنا ممَّا رَزَقَكَ اللهُ، فَنَظَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - فِيْ بيته فلم يَجِدْ شيئا، قال:
قولي لَها: لَيْسَ عندنا شيءٌ، قالت: فإنها تَقُولُ لَكَ، فأعطِنَا قَمِيْصَكَ حتَّى نَبِيْعَهُ، فَنَزَعَ رَسُولُ الله - ﷺ - قميصه وجلس فِيْ البيت عُريانًا. فأنزل الله تَعَالى:
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾. فأمره الله تَعَالى بالاقتصاد، وأن ينفق من فضلٍ، وأخذ بأدب الله. ثُمَّ أتته سائِلَةٌ أُخرى ففعلَ بها مثلَ ذَلِكَ فأنزل الله تَعَالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيْمٍ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿يُضاعِفْ لَهُ العَذَابُ﴾.
قرأ ابن كثير: «يُضَعَّفْ» بالتَّشديدِ والجَزْمِ.
وقرأ ابنُ عامرٍ: «يُضَعَّفُ» بالرَّفع والتَّشديد.
وقرأ عاصمٌ برواية أبي بكرٍ: «يُضَاعِفُ» بالرفع والألف.
وقرأ الباقون: «يُضَاعَفْ» بالجزم والألف، وقد ذكرت علّة التَّخفيف والتَّشديد فِيْ البقرة وإنما أذكر علة الرفع والجزم هاهنا فمَنْ جَزَمَ جعله بدلًا من جوابِ الشَّرطِ، لأن «وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلك» وجوابه «يَلْقَ أَثَامًا» ف «يَلْقَ» جزمٌ، لأنَّه جوابُ الشَّرطِ، وسقط الألف من آخره علامةً للجزم، و«يُضاعَفْ» بدلٌ من يَلْقَ و«يَخْلُدْ» نسقٌ عَلَيْهِ. ومَنْ رَفَع فقد استغنى بالكَلامِ وتَمَّ جوابُ الشَّرطِ فاستأنف «يُضاعَفُ».
وَقَالَ آخرون: إِذَا جئتَ بعدَ جوابِ الشَّرط بأجوبةٍ كنت مخيرًا فيها إن شئت استأنفت، وإن شئت أبدلت، وإن شئت عطفت إِذَا كان بالواو والفاء، وإن شئتَ نصبت عَلَى الظَّرف فِيْ قولِ الكوفيين، وبإضمار «إن» فِيْ قولِ البَصريين، ولو قرأ قارئٌ «ويَخْلُدَ فيه مُهَانًا» بالنَّصْب لكان صوابًا فِيْ العَرَبِيَّةِ، ولا أعلم أنَّ أحدًا قرأ بِهِ، غير أن الرفع والجزم مقروءان فالرَّفعُ «ويَخْلُدُ» عَنْ عاصمٍ وابنِ عامرٍ والجَزْمُ عَنْ الباقين.
وفيها قراءةٌ ثالثة: روى حُسَين الجُعفي عَنْ أبي عَمْرو «ويُخْلَدُ» بضم الياء وفتح اللام عَلَى ما لم يُسم فاعله.
قَالَ ابنُ مجاهدٍ: وهو غَلَطٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فِيْهِ مُهَانَا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وحفصٌ عَنْ عاصمٍ «فِيْهِيْ مُهَانًا» يصلان الهاءَ بياءٍ.
[ ٣٠٩ ]
والباقون: «فِيْهِ مُهَانًا» يختلسون كسرة الهاء وقد ذكرتُ علة ذَلِكَ فِيْ أول البقرة.
وقولُه تَعَالى: ﴿مِن أَزْواجِنَا وَذُرِّيَاتِنَا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وابنُ عامرٍ وحفصٌ عَنْ عاصمٍ: «وُذُرِّيَاتِنَا» جماعًا.
وقرأ الباقون: «ذُرِّيَتِنَا» واحدة.
فمَن جَمَعَ قَالَ: الجَمْعُ للأزواجِ. ومن وحّد قَالَ: الذُّرية فِيْ معنى جمع. والزَّوجُ الواحد، فردَّ إلى قولِ الله تَعَالى: ﴿ذُرِّيَةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾.
كلُّ ما تقرُّ بِهِ عينُ الإنسان، ومعنى ذَلِكَ: أن الرَّجُلَ إِذَا فَرِحَ بالشَّيءِ خَرَجَ من عينه ماءٌ بارِدٌ، وهو القَرُّ، وإذا أُغتَمَّ وبَكَى خَرَجَ من عَينِهِ ماءٌ ساخِنٌ فيقال: «سخَّن الله عينه»: إِذَا دعوا عَلَيْهِ «وسخنت عينه» وإذا دَعوا لَهُ «أقرَّ الله عينه» و«قرَّتْ عَيْنُهُ» ويقال: معنى أقرَّ الله عَيْنُهُ: أي غَنمَ، لأنَّ قرةَ العينِ: ناقةٌ تُنحر قَبْلَ المَقْسَمِ وقيل: أَقَّرَ الله عينه أي: بَلَّغَهُ اللهُ مُراده حتَّى تقر عينه فلا تَطمح إلى شيءٍ وتستقرّ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَيُلَقَّونَ فِيْهَا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وحفصٌ عَنْ عاصمٍ وابنُ عامرٍ «ويُلَقَّونَ» مشدَّدًا.
وقرأ الباقون مخفَّفًا: «يَلْقَوْنَ» بفتح الياءِ، فمن شدَّد - وهو الاختيار - قَالَ:
يُلَّقَون فِيْ الجَنّة التَّحية والسَّلام مرةً بعدَ مرةٍ فالتشديد للتَّكثير، وشاهدهم قولُه تَعَالى:
﴿وَلقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوْرًا﴾ والنَّضْرَةُ عند أهل اللُّغةِ: الحُسنُ والبَهاءُ وإشراقُ الوجهِ من الفَرَحِ، كَمَا قَالَ: ﴿وُجُوْهٌ يَوْمَئذٍِ نَّاضِرَةٌ إلى ربِّها نَاظِرَةٌ﴾. والعربُ تقولُ: كلُّ لونٍ إِذَا حسن: ناضر، فيقال: أخضر ناضر، وأصفر ناضرٌ، وأبيضُ ناضرٌ، والنُّضَارُ:
الذَّهَبُ. فأمَّا المُفَسِّرُوُن فَقَالُوا: «النّضرة»: مَلَكٌ إِذَا نُشِرَ المُؤْمِنُ يومَ القيامة من قَبره استَقبله النّضرةُ فِيْ أَحْسَنِ صورةٍ وبشَّره بالجَنَّةِ.
[ ٣١٠ ]