قوله تَعَالى: ﴿وَنُرِىَ فِرْعَونَ وَهامانَ﴾.
وقرأ حمزة والكِسَائِيُّ «ويَرَى»: بالياء: «فِرْعَوْنُ» «بالرَّفعِ، وكذلك الأسماء التي بعدها.
وقرأ الباقون: «ونُرِىَ فِرْعَوْنَ» بالنون ونصب الأسماء.
فَمن قرا بالنّون فحجته: «ونريد أنْ نَمُنَّ ونَرِىَ فِرْعَوْنَ»، «ونُرِيَ» فعلٌ معتلٌّ والأصل: نرئي فنقلوا كسرة الهمزة إلى الراء وسقطت الهمزة لسكونها، وسكون الياء.
ومَنْ قَرَأَ: «وَيَرَىَ فِرْعَوْنُ» فيكون موضعه رفعًا ونصبًا فمَنْ جَعَلَ موضِعَه نصبًا نَسَقَهُ عَلَى «أَنْ نَمُنَ وأنَّ نرى فرعون والأصل وأن نرئي فنقلوا فتحة الهمزة إلى الراءِ فصارت ألفًا لانفتاح ما قبلها.
وقولُه تَعَالى: ﴿عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «وحُزْنًا» بضم الحاء وجزم الزاي.
وقرأ الباقون: «وحَزَنًا» ففي ذلك ثلاثة أقوال:
قال قوم: هما لغتان، الحزن، مثل: العُدْمُ والعَدَمُ والسُّقْمُ والسَّقَمُ.
وقال آخرون: الحُزْنُ: الإِثْم، والحَزَنُ: المَصْدَرُ، يقال: حَزْنَ حَزَنًا.
والقولُ الثَّالِثُ: - قولُ الخَلِيْلِ - أنَّ الاختيارَ فِي موضعِ النَّصبِ أن تَقُولَ: الحَزَنُ بالنَّصب كقوله: «الحَمْدُ لله الذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ» ولم يَقُلْ: الحُزْن؛ لأنَّه فِي موضعِ نَصْبٍ، وفي موضع الرفع والجر: الحزُن؛ لأن الضمة والكسرة لا يلتقيان فخفف الزَّاي.
وحدَّثني أَبُو الْحَسَن بْن عُبَيْدٍ الحافظُ، قال: حَدَّثَنِي يَحيى بن أَبِي طالبٍ، عن يَزيد بْن هارون، عن جويبر، عن الضَّحاك فِي قوله: «يا أَسَفَى عَلَى يوسف» قال:
وا حزنا.
قوله تَعَالى: ﴿حتَّى يُصْدِرَ الرِّعآءُ﴾.
قرأ أَبُو عَمْرٍو وابن عامرٍ «يَصدر» بفتح الياء.
وقرأ الباقون: «حتَّى يُصْدِرَ الرِّعَآءُ» بضم الياء.
فمن فتح جعل الفعل للرِّعآء، والرِّعآء: جمع راعٍ: مثل صاحب وصحاب،
[ ٣٣٢ ]
ويقال: راعٍ ورعاةٌ مثل قاضٍ وقضاةٍ، وراعٍ وراعون مثل قاض وقاضون.
فإن سأل سائلٌ فَقَالَ: ما مثال رُعاة من الصَّحيح؟ فقل: لا مثال له من الصَّحيح عند البصريين؛ لأنَّ وزنَ رعاةٍ فُعَلَه، وعند الكوفيين فُعَّلٌ مثل غُزًّى فِي جمع غاز، والأصل: رُعَّىٌ، فحذفوا حرفًا كراهية التشديد وعوَضُوا الهاءَ فِي آخر. ومثل رُعًى فِي جمع راع بُدًى فِي الأعراب يريدون: «بادُون» قرأ بذلك ابْنُ مَسْعُود.
ومَنْ قَرَأ: «يُصْدِرَ» بالضّمة فمعناه: حَتَّى يصدروا إبلهم ومواشيهم عن الماء، يقال: ورد زيد الماء يرده ورودا وارِدٌ، وصَدَرَ عن الماءِ يًصْدُرُ صَدَرًا فهو صادِرٌ.
وأصْدَرَ: صدَّر غيره وأَورده يُصدره ويُورده إصدارًا وإيرادًا، والموضع: المَصدرُ والمَوردُ.
وقرأ حمزة والكِسَائِيُّ: «حتَّى يُصْدِرَ الرِّعَآءُ» بإشمام الراء.
ومن العربِ مَن يَقُولُ: حَتَّى يُزْدِرَ الرَّعَآءُ بالزاي خالصًا أنشدني ابنُ دُرَيْدٍ:
ولا تُهَيِّبُنِيْ المَوْمَاةُ أَرْكَبْهَا إِذَا تَجَاوَبَتِ الأَزْدَاءُ بالسَّحَرِ
يريدون بأزداء: الأصداء، وهو جمع صَدًى. الصَّدَى: ذَكَرُ البُوْمِ، والصَّدَى:
الصًّوْتُ الَّذِي يُجيبك فِي الحمام والصَّحراء. والصَّدَى: العَطَشُ، والصَّدَى: القِيَامُ بأمرِ المَعَاش، يقال: فلانٌ صَدَى مالٍ. والصَّدَى: عِظامُ المَيِّتِ إذا بَلِيَ، قال أَبُو دُؤَادٍ:
سُلِّط الموتُ والمنونُ عَلَيهم فَلَهُمْ فِي صَدَى المَقَاْبِرِ هَامُ
والصَّدَى - أيضًا -: من أَلوان الخَيْلِ، يقال: فَرَسٌ أَصْدَى والأُنثى صَدَّاء. والصَّدأ - بالهمز - صَدَأُ الحَدِيْدِ والسَّيْفِ، قال النَّابِغَةُ:
سَهِكْينَ مِنْ صَدَإِ الحَدِيْدِ كَأنَّهُمْ تَحْتَ السَّنَوَّرِ جَنَّةً البَقَّارِ
تقولُ العربُ: يدي من الحديد سَهكه ومن الأشنان فَضيضه. ومن المراد روطه، ومن الخَمر وحده، ومن الزَّعفران ردعه، ومن المسك والطيب عَبقه، ومن الزُّبد وضره، ومن اللَّحم زهمه، ومن الغُثات قَشمه، وقال النَّضر بْن شُميل:
يُقال: لخمرِ العجين إذا حمض: الوصد.
قرأ حمزة وحده: «أو جُذوة» بالضم، وجمعها جُذًى.
وقرأ عاصمٌ: «جَذوة» بالفَتْحِ، وجمعها جُذًى.
وقرأ الباقون: «جِذوة» بالكسر وجمعها جُذًى، قال الشاعر:
[ ٣٣٣ ]
باتت حواطب ليلى يلتمسن لها جزل الجذى غيرَ خوَّارٍ ولا دَعرِ
الدَّعُرِ من الحَطَب: المدخن المؤذي. ويُسمى الرَّجُلُ العَيَّاب المؤذى الداعر تشبيها بالعود الدَّعِر، والعامةُ تصحف فتقول: ذاعر بالذال، وهو خطأ.
وإنما الذَّاعر المفزع، يقال: ذَعَرَ فلانٌ فلانًا: إذا أفزعه. قال الشَّاعِر:
وماءٍ قَدْ وَرَدتُ لِوَصْلِ أَرْوَى عَلَيْهِ الطَّيْرُ كالوَرِقِ اللُّجَيْنِ
ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كَالرَّجُلُ اللَّعِيْنِ
فجَذوة وجِذوة وجُذوة لغات ثلاث بمعنًى، وهو الخشب فِي رأسه نار، ومثله رغوة اللبن، ورغوة، ورغوة.
وقوله تعالى: ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾.
قرأ أهلُ الكوفة وابنُ عامرٍ بضم الرَّاء.
وقرأ الباقون: «من الرَّهَبِ» بفتح الراء، والهاء.
وروى حَفْصٌ عن عاصمٍ: «من الرَّهْبِ» بفتح الراء، وجزم الهاء، فَقَالَ قومٌ: هُنَّ لغاتٌ ثلاثٌ معناه: الفزع والرهبة، أي: اضمم إليك يديك، وهما جناحا الرجل. كما أن الأذن قمع، والعين مسلحة، والقلب أمير؛ لأنه لما ألقى عصاه - ﷺ - فصارت جانًّا تَثَنَى رَهِبَ وفَزِعَ فأمره اللَّه أن يضمَّ إليه جناحَيْه ليذهبَ عَنْهُ الفَزَعُ.
فَقَالَ مجاهدٌ: كُلُّ من فَزِعَ من شيءٍ فضمَّ جَنَاحَهُ إليه - أي: يَدَيْه - وقرأ هذه الآية ذهب عَنْهُ الفَزَعُ، ومن آوى إلى مضجعه فقرأ: «قل يا أيها الكَافِرُوْنَ» لم يَفْزَع فِي نَوْمِهِ.
وقال آخرون: الرُّهْبُ بالضَمِّ: الكُمُّ: يقال للكُمِّ: رِدْنٌ وأردانٌ ورُهْبٌ ورُهْبَانٌ وقِنٌّ وأَقْنَانٌ.
قال الشَّعْبِيُّ: دخلتُ حيًّا من أحياءِ العَرَبِ لأَسألهم عن الرُّهب فدللتُ إلى أفصحِ مَن فِي الحَيِّ فصادَفُتهُ غائبًا عن بيته. وخرجت بُنَيَّةٌ له تروّح عشراوية فقلتُ لها: أيْ بُنَيَّة أينَ أبوك؟
فَقَالت: إن دَلَلْتُكَ عَلَى أَبِي أنطيتني ما فِي رُهْبِكَ؟ فنَثَرْتُ كسرات كانت فِي كُمِّي، فأعطيتها ورَجَعْتُ. وقال قومٌ: الرَّهْبُ بالإِسكان لا يكون مخففًا من مُثَقَّلٍ، لأنَّ العَرَبَ
[ ٣٣٤ ]
تُسكِّن المَضموم والمَكسور ولا يُسكِّنون المَفتوح.
وقال الأَصْمَعِيُّ: فسألتُ أبا عَمرٍو: لِمَ لَم تقرأ: «وَيَدْعُوْنَنَا رَغْبًا ورَهْبًا» مَعَ مَيلك إلى التَّخفيف؟ فَقَالَ: ويَلك أَجَمَلٌ أخف أم جَمْلٌ ويقال: ناقة رهب: إذا كانت غَزِيرة.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانانِ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرو: «فَذَانِّكَ» مشددًا، وهو تَثنية ذلك باللام فأُدغمت اللام فِي النُّون.
وقال آخرون: لما قلَّت حروف الاسم قوَّوها بالتَّشديد.
وقرأ الباقون: «فَذَانِكَ» خفيفةً، وهو تثنية ذاك بغيرِ لامٍ.
وروى شبلٌ عن ابْنُ كثيرٍ: «فذانِيك بُرهانانِ» والبرهانان: البيانان، وهما: اليَدُ والعَصَا، وذلك أن مُوسَى أعطي تسع آيات بينات: اليد، والعَصَا، والقُمَّلَ، والضَّفَادِعَ، والدَّمَ، وفلقَ البحرِ، والطُّوفان، والجَرَادَ، وانفجارَ الماءِ من الحَجَر.
وحدَّثني أَبُو الْحَسَن الحافِظُ، قَالَ حَدَّثَنِي يَحيى بْن أَبِي طَالِب، قَالَ: أخبرنا يَزيد بْن هارون، عن جُويبر، عن الضَّحاك فِي قوله: ﴿آتَيْنَا مُوْسَى تِسْعَ آياتٍ بيِّنَاتٍ﴾ قَالَ: خمسٌ فِي الأعراف عَصا مُوسَى، ويَده، وعِقْدَة لسانِه، قَالَ الضحاك:
والقُمَّلُ: الدَّبا يعني: صِغَار الجَرَاد.
وقولُه تَعَالى: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾.
قرأ عاصمٌ وحمزةُ: «يُصَدِّقُنِيْ» بالرَّفْعِ، ولم يجعلاه جوابًا للأمر، ولكن حالًا، وصلة للرَّدء، والتقدير: ردءًا مصدِّقًا لي. قَالَ قُطْرُبُ: يُقال: رَدَأْتُ الرَّجُلَ وأَرْدَأته:
إذا أعنته.
وقرأ الباقون: «رِدْءًا يُصَدِّقْنِي» بالجزمِ جوابًا للأمر، أرسله ردءًا يصدِّقْنِي، وإنما يجزم جوابُ الأمر، لأنَّه فِي تقدير شرطٍ وجزاءٍ أي: إنك إن أرسلته صَدَّقني.
وأمَّا قوله: «رِدْءًا» فإن القراء يهمزونه إلا نافعًا فإنه قرأ «رِدًا يُصَدِّقُني» بترك الهمزِ.
تَقُولُ العربُ: أردأه يرديه إرداءةً: إذا أعانه.
وقال آخرون: رداه. فأما ردى يردى فهو عدو الفرس.
[ ٣٣٥ ]
وقال الأصمعي: سألت منتجة بْن نَبهان عن رَدَيَان الفَرس، فَقَالَ: هُوَ عدوٌ بين آريه ومتمعكه.
وسُئل الأصمعي عن معنى قولِ النَّبي - ﷺ -:
«إذَا أذَّن المُؤَذِّنُ خَرَجَ الشَّيْطَانُ له حُصَاصٌ» قَالَ أما رَأَيْت الحمار إذا حرَّك ذَنَبَهُ فِي عَدوِهِ، ونفخَ الأَصَمعِيُّ شِدْقَيه.
وأما ردى - يردى - بغير همز - فمعناه: هَلَكَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَقَاْلَ مُوْسَى رَبِّي أَعْلَمُ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ: «قال موسى» بغير واو. وكذلك مصاحف أهلِ مكة.
وقرأ الباقُون بالواو.
وقولُه تعالى: ﴿ومن تكون له عاقبة الدار﴾.
قرأ حمزة، والكسائي «مَنْ يَكُوْنُ» بالياءِ؛ لأنَّ تأنيثَ العاقبة غيرُ حقيقي، ولأنَّه قد حَجَزَ بين الاسمِ والفعلِ حاجزٌ.
وقرأ الباقون بالتاء، لتأنيث العاقبة.
وقولُه تعالى: ﴿أنهم إلينا لا يَرْجِعُوْنَ﴾.
قرأ نافع وحمزة والكِسَائِيُّ: «لا يُرجعون» أي: لا يصيرون.
وقرأ الباقون: «لا يَرجعون» أي: لا يردون. تَقُولُ العرب: رجع زيدٌ عمرًا، وسلَّمتُ عَلَى زيدٍ، فَرَجَعَ زيدٌ السلامَ إِلَيَّ قَالَ ذُو الرُّمة:
وَهَلْ يُرْجِعُ التَّسْلِيْمَ أو يَكْشِفُ العَمَى ثَلَاثُ الَأثَافِي والدِّيَارُ البَلَاقِعُ
والرجعُ: المَطَرُ، قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿والسَّماءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ بالمطرِ، ﴿والأرضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ بالنَّبات، والرجع: جمعُ رجعةٍ، وهي الإِبل يرثها الإِنسان عن أَبِيهِ فيبيعها ويشتري غيرها فيَضعف رأيه. ويسمى الَّذِي اشترى الطارف، والذي باع التالد.
وقولُه تَعَالى: ﴿قَالُواْ سِحْرَانِ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ: «سحران» يريدون كتابيه؛ التوراة والفرقان، ﴿تظاهرا﴾ أي:
تعاونا.
وقرأ الباقون: «ساحِراَن» بألف يريدون محمدًا وموسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهُما -. ولا يجوزُ التَّشديد فِي «تَظَاهرَا» لأنه فعل ماض، ولو كان مستقبلا لكان تظاهران بالنون؛
[ ٣٣٦ ]
لأن الفعل المضارع لا بد له من نونٍ فِي تثنيته وجمعه إذَا استتر فِيهِ الاسم، كقولك:
الرَّجُلانِ يقومان، والرِّجال يقومون.
وقولُه تَعَالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كلِّ شَيْءٍ﴾.
قرا نافعٌ: «تُجْبى» بالتاء لتأنيث الثمرات.
وقرأ الباقون بالياء لثلاثِ عللٍ:
إحداهن: أَنَّهُ فعل مقدم فشبه بمقام النسوة.
والعلَّةُ الثانيةُ: أنك قد حجزت بين الاسم والفعل بحاجزٍ.
والعلةُ الثالثةُ: إن كان علمُ التَّأنيث فِي الثمرات التاءَ فإنّ تأنِيْثَها غيرُ حقيقي.
فإن قيلَ لك: قد قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْه ثَمَراتُ كلِّ شيءٍ﴾ وقد رأينا بَعضًا من الثمرات لا يجبى إليه كقوله: الجَبَل، وخراسان.
ففي ذلك جوابان:
أحدهما: أن «كلَّ» بمعنى بعض، كما قَالَ: ﴿يأتيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: من بعض الأمكنة.
وقال آخرون: إن الثمرات تصل إِلَيْه من كل مكان، ومن كلّ قطرٍ من أقطار الَأرض ما يشاء، إما يابسا، وإما رطبا، وإما مقدّدًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ﴾.
قرأ عاصمٌ فِي روايةِ حفصٍ: «لَخَسَفَ بِنَا» كأنه أضمر الفاعل لَخَسَفَ اللهُ بِهِمْ.
وقرأ الباقون: «لَخُسِفَ» عَلَى ما لم يُسم فاعله وحجتهم ما حَدَّثَنِي أَحْمَد، عن عليّ، عن أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: فِي حرف عَبْد الله «لا خسف بِنَا» والخَسْفُ فِي اللُّغة: أن تَنقلب الأرضُ عَلَيْهِ، أو تَبْتَلعَهُ الأرضُ. ومن ذلك قوله تَعَالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وبدَارِهِ الأَرْضَ﴾.
هذه الهاء كناية عن قارون. وكان ابنُ عمِّ مُوسَى، وعالمًا بالتَّوراة فحسد مُوسَى وبَغَي عَلَيْهِ لكثرةِ ماله لأنَّه أوتي من الكُنوز ما إنَّ مفاتحه لتنوء بالعُصْبَةِ أي: لتثقل العُصبة، والعُصبة الأربعون. وكذلك بلغ من بَغْيِهِ أن امرأةً كانت فِي ذلك الزمان وكانت بغيًّا فاجرةً بذل لها مالًا ورغَّبها وقال لها: صيري إلى مُوسَى فِي يوم مجلسه، وقولي أن مُوسَى رَاودني عن نَفسي فبلغَ ذلك مُوسَى - ﵇ -، وأمر اللَّه الأرض أن تطيع
[ ٣٣٧ ]
مُوسَى، فلمّا صارت إلى المجلس وَجَدت قارون فِي المجلس، فأدركتها العصمه وهابت مُوسَى، وقالت فِي نفسها ليس لي يومُ توبةٍ أشرفَ من هَذَا، فقالت: إنَّ قارُون حَمَلَني عَلَى أن أَدَّعي عَلَى مُوسَى ذَيت وذَيت، فَقَالَ مُوسَى للأرضِ: خُذِيْه، فاخذته إلى ساقه، فَقَالَ: يا مُوسَى سألتك باللهِ والرَّحِم، فَقَالَ للأرض: خذيه: فابتلعته فهو يتجلجل فيها إلى يومِ القيامة.
فذلك قوله: «فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ» وقرأ شَيْبَةُ: «فَخَسَفْنَا بِهُ» بضم الهاء.
وقد أنبأت بعلَّةِ ذلك فيما سلف من الكتاب.
فأمَّا قولُه: ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾، ففيه قولان؛ يكون متصلًا، ومنفصلًا، فاختار أهلُ البصرةِ أن تَقِفَ عَلَى «وَيْ» ثُمَّ تبتدئ: كأنَّه، و«وَىْ» كلمة حُزْنٍ عندهم. قَالَ الشَّاعِر:
سألتاني الطلاق أن رأتاني قل ما لي قَدْ جِئْتُمَانِي بِنُكْرِ
وَيْ كَأَنَّ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يِحْ بَبْ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ
واختارَ الكوفيُّون أن يجعلون «وَيْكَأَنَّهُ» كلمةٌ واحدةٌ؛ لأنهم وجدوه كذلك فِي المُصحف مكتوبا، ومعنى «ويكأنه»: ألم تر أنه.
وقال آخرون: «ويْكَأَنَّه» معناه: ويْلَكَ إنَّه فحذف اللام تخفيفًا.
حَدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ، عن السِّمَّرِيِّ، عن الفَرَّاءِ، قَالَ: سألتْ امرأةٌ من الأعراب زوجها عن ابنه، فقال: ويكأنه وراء الحائط، ومعناه: ألا ترينه، وأ لم تَرَىْ أَنَّهُ وراء الحائط.
وفي هذه السُّورة من الياءات المختلف فيها: ﴿أنِّيَ أُرِيْدُ﴾.
فتحها نافعٌ.
وأسكنها الباقون.
و﴿سَتَجِدُنِي﴾، و﴿إنَّي آنست نارا لعلي آتيكم﴾، و﴿إني أنا الله﴾ وو ﴿معي رِدْءًا﴾، و﴿عَسَى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي﴾، ﴿إنِّي أخاف﴾، ﴿ربي أعلم﴾، ﴿لعلي أطلع﴾، ﴿عندي أولم﴾، ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ﴾، فَتَحَهُنَّ نافعٌ إلا قوله: ﴿مَعِي رِدْءًا﴾.
وفتح ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو تسعًا، الباقون «ستجدني» «وإنِّي أريد»، و«مَعِيْ رِدْءًا»، وفتح عاصمٌ فِي رواية حفصٍ «مَعِيَ رِدْءًا» وأسكن الباقون كلَّ ذَلِكَ.
[ ٣٣٨ ]