- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرُ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «لَدُنْهِي» بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَإِشْمَامِ الضَّمِّ، وَكَسْرِ النُّونِ وَالْهَاءِ وَإِيصَالِهَا بِيَاءٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لَدُنْهُ» بِضَمِّ الدَّالِ وَجَزْمِ النُّونِ وَضَمِّ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ وَاوٍ، إِلَّا ابْنَ كَثِيرٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَصِلُ الْهَاءَ بِالْوَاوِ «مِنْ لَدُنْهُو» وَذَلِكَ أَنَّ «لَدُنْ» مَعْنَاهُ «عِنْدَ» وَهُوَ اسْمٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. فَالنُّونُ سَاكِنَةٌ فِي كُلٍّ، وَالْهَاءُ إِذَا أَتَتْ بَعْدَ حَرْفٍ سَاكِنٍ لَمْ يَجُزْ فِيهَا إِلَّا الضَّمُّ نَحْوَ مِنْهُ، وَالْأَصْلُ مِنْهُو وَلَدُنْهُو كَقِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ غَيْرَ أَنَّهُمْ حَذَفُوُا الْوَاوَ اخْتِصَارًا.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ عَاصِمٍ فَإِنَّهُ أَسْكَنَ الدَّالَ اسْتِثْقَالًا لِلضَّمَّةِ كَمَا يُقَالُ: فِي كَرُمَ زَيْدٌ كَرْمَ زَيْدٍ، فَلَمَّا أَسْكَنَ الدَّالَ الْتَقَى سَاكِنَانِ النُّونُ وَالدَّالُ، وَكَسَرُوُا النُّونَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَكَسَرُوُا الْهَاءَ لِمُجَاوَرَةِ حَرْفٍ مَكْسُورٍ، وَوَصَلَهَا بِيَاءٍ كَمَا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِهُو يَا فَتًى.
وَمَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا احْتَجَّ لِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ، فَاعْرَفْهُ فَإِنَّهُ حَسَنٌ، وَلَوْ فَتَحَ النُّونَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ لَجَازَ بَعْدَ أَنْ أَسْكَنَ الدَّالَ كَمَا قَالَ:
عَجِبْتُ لِمَوْلُودٍ وليس له أب ومن ولد لم يلده أَبَوَانِ
يَعْنِي: آدَمَ وَعِيسَى ﵉.
وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْحَرْفَ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ عَاصِمًا كَسَرَ النُّونَ عَلَامَةً لِلْجَرِّ، لِأَنَّ «لَدُنْ» لَا يُعْرَبُ، وَ«مِنْ لَدُنْهِ» فِي صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ أَيْ: لِيُنْذِرَكُمْ بِالْبَأْسِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أَيْ: يُخَوِّفُكُمْ بَأَوْلِيَائِهِ وَ﴿شَدِيدًا﴾ نَعْتٌ لِلْبَأْسِ. ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ أَيْ: مِنْ عِنْدِهِ، وَ﴿يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نُصِبَ بِلَامٍ «كَيْ» نَسَقٌ عَلَى «لِيُنْذِرَ».
- قوله تَعَالَى: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «تَزْوَرُّ» مِثْلَ تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ، وَمَعْنَاهُ: تَعْدِلُ وَتَمِيلُ، قَالَ عَنْتَرَةُ:
فَازْوَرَّ مَنْ وَقْعِ الْقَنَا بِلِبَانِهِ وَشَكَا إِلَيَّ بَعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ
[ ٢٢٤ ]
وَقَدْ قَرَأَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْجَحْدَرِيُّ: «تَزْوَارُّ» مِثْلَ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: «تَزَاوَرُ» مُخَفَّفَةَ الزَّايِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «تَزَّاوَرُ» أَرَادُوا: تَتَزَاوَرُ فَأَدْغَمُوُا التَّاءَ فِي الزَّايِ، وَمَنْ خَفَّفَ أَيْضًا أَرَادَ: تَتَزَاوَرُ فَحَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: «تساقط» و«تظاهرون» وَقَالَ أَبُو الزَّحْفِ:
وَدُونَ لَيْلَى بَلَدٌ سَمَهْدَرُ جَدْبُ الْمُنَدَّى عَنْ هَوَاهَا أَزْوَرُ
يُقَالُ: هُوَ أَزْوَرُ عَنْ كَذَا، أَيْ: مَائِلٌ عَنْهُ، وَفِي فُلَانٍ زَوَرٌ أَيْ: عِوَجٌ وَأَمَّا الزَّوْرُ بِجَزْمِ الْوَاوِ فَالْصَّدْرُ، يُقَالُ لِلصَّدْرِ الزَّوْرُ وَالْجَوْشُ وَالْجُؤْشُوشُ وَالْجُؤْجُؤُ وَالْجَوْشَنُ وَالْكَلْكَلُ وَالْكَلْكَالُ كُلُّ ذَلِكَ يُرَادُ بِهِ الصَّدْرُ، وَالزَّوْرُ أَيْضًا: جَمْعُ زَائِرٍ، هَؤُلَاءِ زَوْرُ فُلَانٍ أَيْ: زُوَّارُهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ «وَلَمُلِّئْتَ» مُشَدَّدًا مَهْمُوزًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ خَفِيفًا: «وَلَمُلِئْتَ» يُقَالُ مُلِئَ فُلَانٌ رُعْبًا فَهُوَ مَمْلُوءٌ وَمَلِيءٌ فَهُوَ مُمَلَّأٌ، وَكَأَنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّكْثِيرِ وَمَلَأْتُ الْإِنَاءَ فَهُوَ مَلْآنُ، وَامْتَلَأَ الْحَوْضُ يَمْتَلِئُ امْتِلَاءً وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: تَمَلَّيْتَ طَوِيلًا وَعَانَقْتَ حَبِيبًا وَمُتَّ شَهِيدًا وَأَبْلَيْتَ جَدِيدًا فَغَيْرُ مَهْمُوزٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِوَرَقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وحمزة وأبو بكر وَهُوَ الْأَصْلُ، وَمَنْ أَسْكَنَ الرَّاءَ فَتَخْفِيفٌ، كَمَا قال يُقَالُ فِي فَخِذٍ فَخْذٌ، وَفِي كَبِدٍ كَبْدٌ، وَلَوْ قَرَأَ قَارِئٌ بِوَرْقِكُمْ لَكَانَ صَوَابًا، حَدَّثَنِي ابن مجاهد عن السمري عن الفراء قال: يُقَالُ: الْوَرِقُ وَالْوَرْقُ وَالْوِرْقُ، ثَلَاثُ لُغَاتٍ، وَمِثْلُهُ كَلِمَةٌ وَكَلْمَةٌ وَكِلْمَةٌ، وَالْوِرْقُ: الدَّرَاهِمُ، وَقَدْ يُقَالُ لَهَا: الْوَرَقُ، بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتُجْمَعُ أَوْرَاقًا، وَيُقَالُ: رَجُلٌ وَرَّاقٌ أَيْ: كَثِيرُ الدَّرَاهِمِ، فَأَمَّا الْوَرَقُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ فَبِالْفَتْحِ لَا غَيْرَ، وَالْوَرَقُ أَيْضًا: الْغِلْمَانُ الْمِلَاحُ.
وَرَوَى اللُّؤْلُؤِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو ﴿بِوَرِقّكُّمْ هَذِهِ﴾ مُدْغَمًا لِقُرْبِ الْقَافِ مِنَ الْكَافِ، كَمَا قَرَأَ «خَلَقْكُّمْ» وَ«رَزَقْكُّمْ» وَالِاخْتِيَارُ: الْإِظْهَارُ، لِسُكُونِ الرَّاءِ، لِأَنَّ الْحَرْفَيْنِ غَيْرُ مُتَجَانِسَيْنِ وَإِنْ كَانَا قَرِينَيْنِ.
[ ٢٢٥ ]
- وقوله تعالى: ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سِنِينَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْإِضَافَةِ غَيْرُ مُنَوَّنٍ.
وَالْبَاقُونَ يُنَوِّنُونَ، فَمَنْ نَوَّنَ نَصَبَ «سِنِينَ» بِ ﴿لَبِثُوا﴾ وَالتَّقْدِيرُ: وَلَبِثُوا سِنِينَ ثَلَاثَمِائَةٍ فَ ﴿سِنِينَ﴾ مَفْعُولُ «لَبِثُوا» وَ«ثَلَاثَ مِائَةٍ» بَدَلٌ كَمَا تَقُولُ: خَرَجْتُ أَيَّامًا خَمْسَةً، وَصُمْتُ سِنِينَ عَشْرًا، وَإِنْ شِئْتَ نَصَبْتَ ثَلَاثَةَ ﴿مِائَةٍ﴾ بِ ﴿لَبِثُوا﴾ وَجَعَلْتَ ﴿سِنِينَ﴾ بَدَلًا وَمُفَسَّرًا عَنْهَا، وَمَنْ لَمْ يُنَوِّنْ فَلَيْسَتْ قِرَاءَتُهُ مُخْتَارَةٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَضَافَتْ هَذَا الْجِنْسَ أَفْرَدَتْ فَيَقُولُونَ: عِنْدَكَ ثَلَاثُ مائة دينار.
«وَسِنِينَ» فِيهَا لُغَتَانِ تُجْمَعُ فِيهَا جَمْعُ السَّلَامَةِ وَالتَّكْسِيرِ، فَالسَّلَامَةُ قَوْلُكَ: هَذِهِ سِنُونُ يَا فَتًى، وَرَأَيْتُ سِنِينَ يَا فَتًى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْمَعُهَا جَمْعَ التَّكْسِيرِ وَيُنَوِّنُ وَيَجْعَلُ الْإِعْرَابَ فِي النُّونِ فَيَقُولُونَ: هَذِهِ سِنِينٌ فَاعْلَمْ، وَصُمْتُ سِنِينًا وَعَجِبْتُ مِنْ سِنِينٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ أَصْلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَتَسَنَّهْ﴾.
وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَبِي عَمْرٍو ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ بِفَتْحِ التَّاءِ، وَهِيَ لغتان، فيه أَيْضًا ثَلَاثُ لُغَاتٍ، وَيُقَالُ: تِسْعٌ وَتَسْعٌ وَتُسْعٌ، وَرَوَى عَنْهُ الْحَسَنُ ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ بِفَتْحِ التَّاءِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «بِالْغُدْوَةِ وَالْعَشِيِّ».
والباقون: «بالغداة». لِأَنَّ غَدَاةَ نَكِرَةٌ وَتُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَ«غُدْوَةَ» مَعْرِفَةٌ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، فَلَا يَجُوزُ دُخُولُ تَعْرِيفٍ عَلَى تَعْرِيفٍ، كَمَا لَا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِالزَّيْدِ قَالَ الشَّاعِرِ:
هَذَا مَقَامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ غُدْوَةَ حَتَّى دَلَكَتْ بَرَاحِ
فَلَمْ يُنَوِّنْ «غُدْوَةَ» لِأَنَّهَا مَعْرِفَةٌ مُؤَنَّثَةٌ، فَقَالَ النَّحْوِيُّونَ: لَا وَجْهَ لِقِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ، وَلَهَا عِنْدِي وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ «غُدْوَةً» تَنْصِبُهَا الْعَرَبُ مِنْ «لَدُنْ» فَيَقُولُونَ: لَدُنْ غَدْوَةً تَشْبِيهًا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، فَلَمَّا أَشْبَهَتِ الْمَنْكُورَ دَخَلَتْهَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَجْمَعُ الْغُدْوَةَ غَدْوًا وَمِثْلُهُ تَمْرَةٌ وَتَمْرٌ: فَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «بِالْغُدْوَةِ وَالْعَشِيِّ»» وَفِيهَا وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَشْبَهُهَا بِالصَّوَابِ، أَنَّ الْعَرَبَ تُدْخِلُ الْأَلِفَ وَاللَّامَ عَلَى الْمَعْرِفَةِ إِذَا جَاوَرَ مَا فِيهِ الْأَلِفُ
[ ٢٢٦ ]
وَاللَّامُ لِيَزْدَوِجَ الْكَلَامُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَجَدْنَا الْوَلِيدَ بْنَ الْيَزِيدِ مُبَارَكًا شَدِيدًا بِأَحْنَاءِ الْخِلَافَةِ كَاهِلُهُ
فَأَدْخَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْيَزِيدِ لَمَّا جَاوَرَ الْوَلِيدَ فَكَذَلِكَ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ أَدْخَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْغُدْوَةِ لَمَّا جَاوَرَ الْعَشِيَّ، وَالْعَرَبَ تَجْعَلُ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً وَغُدْوَةً وَسَحَرَ مَعَارِفَ، إِذَا أَرَادُوُا الْيَوْمَ بِعَيْنِهِ وَلَا يَصْرِفُونَ فَيَقُولُونَ: أَزُورُكَ فِي غَدٍ سَحَرَ يَا فَتَى.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ يَهْدِيَنِ﴾ وَ﴿أَنْ تَرَنِ﴾ وَ﴿أن يؤتين﴾ ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ وَ﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ كُلُّ ذلك أثبت الياء فيهن كثير وصلا وحذفهن وقفا عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو بِإِثْبَاتِهِنَّ وَصْلًا وَحَذْفِهِنَّ وَقْفًا اتِّبَاعًا لِلْمُصْحَفِ.
وَقَرَأَهُنَّ الْبَاقُونَ بِحَذْفِهِنَّ وَصْلًا وَوَقْفًا.
فَأَمَّا الْكِسَائِيُّ فَإِنَّهُ أثبت الياء «نَبْغِي». فَقَطْ وَصْلًا، فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ فَإِنَّ نَافِعًا وَأَبَا عَمْرٍو أَثْبَتَا الْيَاءَ منه وصلا، وحذفاه وقفا.
والباقون يحذفونه وصلا وقفا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ: «وَلَا تُشْرِكْ» بِالتَّاءِ وَالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ، فَالْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَالْمُرَادُ لِغَيْرِهِ.
وَالْبَاقُونَ يَجْعَلُونَهُ خَبَرًا «وَلَا يُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ». أَيْ: فَلَيْسَ يُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا، فَ «يُشْرِكْ» فِعْلُ مُضَارِعٍ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ضَمُّ آخِرِهِ، وَالْمَعْنَى: وَلَا يُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَنَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ «خَيْرًا مِنْهُمَا مُنْقَلَبًا». وَالْبَاقُونَ: «مِنْهَا».
- وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وأحيط بثمره﴾.
قرأ أبو عاصم بِضَمِّ الثَّاءِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ.
وَقَرَأَ عَاصِمٌ «بِثَمَرِهِ» بِفَتْحِ الثَّاءِ وَالْمِيمِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ، وَقَدْ مَرَّتْ عِلَّةُ ذَلِكَ مُسْتَقْصَاةً فِي «الْأَنْعَامِ» فَأْغَنَى عَنِ الْإِعَادَةِ هَاهُنَا.
[ ٢٢٧ ]
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَالْمُسَيَّبِيُّ عَنْ نَافِعٍ «لَكِنَّا» بِالْأَلِفِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لَكِنْ» بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَأَجْمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى الْوَقْفِ بِالْأَلِفِ، لِأَنَّهَا كَذَلِكَ فِي الْمُصْحَفِ، وَالْأَصْلُ: لَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، وَقَدْ قَرَأَ بِذَلِكَ الْحَسَنُ وَأُبَيٌّ فَحَذَفُوُا الْهَمْزَةَ اخْتِصَارًا فَصَارَ: لَكِنَّنَا، ثُمَّ أَدْغَمُوُا النون في النون فالتشديد من أجل ذَلِكَ، وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يَقِفُ فِي رِوَايَةٍ لَكِنَّهُ بِالْهَاءِ، وَأَنْشَدَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ وَجَمَاعَةٌ:
وَتَرْمِينَنِي بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لَا أَقْلِي
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِرْفَقًا﴾.
فَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ «مَرْفِقًا» بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «مِرْفَقًا» بِكَسْرِ الْمِيمِ.
فَاخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمَا لُغَتَانِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْمَرْفِقُ: مَا ارْتَفَقْتَ بِهِ، وَالْمِرْفَقُ مِرْفَقُ الْيَدِ، وَالِاخْتِيَارُ فِي الْيَدِ وَفِي كُلِّ مَا ارْتَفَقْتَ لَهُ «الْمِرْفَقُ» بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَالْجَمْعُ الْمَرَافِقُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فَرَأْسُ الْمِرْفَقِ لَهُ إِبْرَةٌ وَعَنْ يَمِينِ الْإِبْرَةِ كَسْرٌ حَسَنٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ كَسْرٌ قَبِيحٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ.
فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَلِتَأْنِيثِ الْفِئَةِ، وَالْفِئَةُ: الْجَمَاعَةُ وَقَدْ يُسَمَّى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ فِئَةٌ، كَمَا أَنَّ الطَّائِفَةَ تَكُونُ جَمْعًا وَتَكُونُ وَاحِدًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ قَالَ: الطَّائِفَةُ: الرَّجُلُ الْوَاحِدُ.
وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَلِقَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: تَنْصُرُونَهُ، وَأَنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: مِائَةٌ وَفِئَةٌ وَزْنُهُمَا وَاحِدٌ فَلِمَ زَادُوا فِي الْمِائَةِ أَلِفًا فَقُلْ: لِئَلَّا يَلْتَبِسْ مائة بمائة.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ فِئَةً تَلْتَبِسُ بِفِيَةٍ؟
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُمْ فَعَلُوُا الْفُرْقَانَ فِي مِائَةٍ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ الْكُتَّابِ لَهُ، وَفِئَةٌ قَلِيلَةُ الِاسْتِعْمَالِ، وَالسَّاقِطُ مِنْ فِئَةٍ وَمِائَةٍ لَامُ الْفِعْلِ، وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يُجْعَلَ السَّاقِطُ مِنْ فِئَةٍ عَيْنُ الْفِعْلِ، وأما دية فالساقط فَاءُ الْفِعْلِ، لِأَنَّهُ مِنْ وَدِيَ يَدِي مِثْلَ وَعَدَ يَعِدُ، وَزْنُهُ مِنْ
[ ٢٢٨ ]
وَزَنَ يَزِنُ وَالْأَصْلُ، وَعْدَةٌ وَوَزْنَةٌ فَاسْتَثْقَلُوُا الْكَسْرَةَ فِيمَا بَعْدَ الْوَاوِ وَحَذَفُوُا الْوَاوَ قَالَ سِيبَوَيْهِ ﵁: الْهَاءُ عِوَضٌ مِنَ الْوَاوِ.
- قوله تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «الْوِلَايَةُ» بِالْكَسْرِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَهُمَا لُغَتَانِ مثل الوكالة والوكالة، والدلالة والدلالة وقال آخرون: هُمَا مَصْدَرَانِ فَالْمَكْسُورُ مَصْدَرُ الْوَالِي يُقَالُ: هَذَا وَالٍ بَيْنَ الْوَلَايَةِ يَعْنِي: فِي الْإِمَارَةِ، وَالْمَفْتُوحُ مصدر الولي يقال: بَيْنَ الْوَلَايَةِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ الْحَقُّ﴾.
قَرَأَ أبو عاصم وَالْكِسَائِيُّ «الْحَقُّ» بِالضَّمِّ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ، فَمَنْ جَرَّ قَالَ: الْحَقُّ: هُوَ اللَّهُ فَخَفَضَ نَعْتًا لِلَّهِ تَعَالَى: وَاحْتَجَّ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ فِي قِرَاءَتِهِ: «هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ وَهُوَ الْحَقُّ» وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ «هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ الْحَقُّ لِلَّهِ». وَمَنْ رَفَعَهُ جَعَلَهُ نَعْتًا بِمَعْنَى أَحَقَّ ذَلِكَ الْحَقَّ، وَأَحَقُّ الْحَقِّ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ يَقُولُ: الْحَقُّ: رَبُّ الْعِزَّةِ، وَالْحَقُّ الصِّدْقُ، وَمِنَ الْحَدِيثِ: الْحَقُّ الْمَلِكُ بِاسْتِحْقَاقٍ، وَالْحَقُّ: التَّبَيُّنُ بَعْدَ الشَّكِّ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخَيْرٌ عُقُبًا﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ «عُقْبًا».
وَالْبَاقُونَ «عُقُبًا» بِضَمَّتَيْنِ، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنَى الْعَاقِبَةِ تَقُولُ الْعَرَبُ: لِلْكَافِرِ عُقْبَى الدَّارِ وَعُقُبُ وَعُقْبُ وَعَاقِبَةُ الدَّارِ، بِمَعْنَى وَاحِدٍ.
فَإِنْ قِيلَ: بِمَا انْتَصَبَ «عُقْبًا»؟
فَقُلْ عَلَى التَّمْيِيزِ، كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْكَ أَبًا.
فقل: مَعْنَاهُ: هُنَالِكَ، أَيْ: فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ تُبَيَّنُ نُصْرَةُ اللَّهِ أَوْلِيَاءَهُ، وَقَالَ الْحَارِثِيُّ:
يُقَالُ: جِئْتُ فِي عُقْبِ رَمَضَانَ، أَيْ: بَعْدِ مَا مَضَى، وَجِئْتُ فِي عَقِبِهِ أَيْ: جِئْتُ وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ: «تُسَيَّرُ» بِالتَّاءِ لِتَأْنِيثِ الْجِبَالِ فَعَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَلَهُمْ حُجَّتَانِ سِوَى مَا ذكرت:
[ ٢٢٩ ]
أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾.
وَالْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ أُبَيًّا قَرَأَ: «وَيَوْمَ سُيِّرَتِ الْجِبَالُ» فَإِذَا كَانَ الْمَاضِي سُيِّرَتْ كَانَ الْمُضَارِعُ تُسَيَّرُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «نُسَيِّرُ» بِالنُّونِ فَاللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ. «الْجِبَالَ» نُصِبَتْ مَفْعُولٌ بِهَا، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.
فَرَدُّ اللَّفْظَةَ عَلَى اللَّفْظَةِ الْمُجَاوِرَةِ لَهَا أَحْسَنُ مِنْ أَنْ يُسْتَشْهَدَ عَلَيْهَا بِغَيْرِهَا مِمَّا بَعُدَ مِنْهُ، وَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ حَسَنَةٌ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قِيلَ: وَلِمَ نَصَبْتَ «وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ».
فَقُلْ: بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً، أَيْ: ظَاهِرَةً لَا يَسِيرُ مِنْهَا شَيْءٌ، لِأَنَّ الْجِبَالَ إِذَا سُيِّرَتْ عَنْهَا وَصَارَتْ دَكَّاءَ مَلْسَاءَ ظَهَرَتْ وَبَرَزَتْ، وَقِيلَ: وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً أَيْ: تُبْرِزُ مَا فِيهَا مِنَ الْكُنُوزِ وَالْأَمْوَاتِ وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ: وَتَرْمِي الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كبدها، وقال تَعَالَى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ ﴿خَيْرٌ﴾ ﴿ثَوَابًا﴾ فِي يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ.
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ قِيلَ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَقِيلَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَسَمِعْتُ الْقَاضِيَ أَبَا عِمْرَانَ يَقُولُ: عَزَّى رَجُلٌ بَعْضَ الْأَخِلَّاءِ بِوَلَدِهِ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَكَ كَانَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا وَلَوْ بَقِيَ لَكَانَ سَيِّدًا مِثْلُكَ، وَإِذَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ فَجَعَلَهُ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ وَقَدْ صَارَ الْآنَ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خير عند ربك ثوابا وخير أملا﴾ فَتَسَلَّ بِذَلِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شركائي﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ بِالنُّونِ، اللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ: يَا مُحَمَّدُ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُبُلًا﴾.
قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ بِالضَّمِّ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «قِبَلًا» أَيْ: عِيَانًا بِالْكَسْرِ، وَمَنْ ضَمَّ فَهُوَ جَمْعُ قَبِيلٍ وَقُبُلٍ مِثْلَ قَمِيصٍ وَقُمُصٍ، وَقَدْ مَرَّتْ عِلَّةُ ذَلِكَ فِي الْأَنْعَامِ وَإِنَّمَا أَعَدْتُ ذِكْرَهُ لِأَنَّ النَّحْوِيِّينَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْقَبِيلَةَ بَنُو أَبٍ، وَالْقَبِيلُ بِغَيْرِ هَاءٍ: الْجَمَاعَةُ وَإِنْ كَانُوا مُخْتَلِفِي الْأَنْسَابِ واحتجوا
[ ٢٣٠ ]
بِقَوْلِ النَّابِغَةِ:
جَوَانِحَ قَدْ أَيْقَنَّ أَنَّ قَبِيلَهُ إِذَا مَا الْتَقَى الْحَيَّانِ أَوَّلُ غَالِبِ
وَجَمْعُ الْقَبِيلَةِ قَبَائِلُ، وَالْقَبَائِلُ، أَيْضًا: قَبَائِلُ الرَّأْسِ، وَهِيَ عُرُوقٌ مَجْرَى الدَّمْعِ مِنَ الرَّأْسِ، وَيُقَالُ لَهَا: الشُّئُونُ، وَاحِدُهَا شَأْنٌ، وَيُنْشِدُ:
لَا تُحْزِنِينِي بِالْفِرَاقِ فَإِنَّنِي لَا تَسْتَهِلُّ مِنَ الْفِرَاقِ شُئُونِي
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾.
رَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «أَنْسَانِيهُ» بِضَمِّ الْهَاءِ وَ«بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ» فَضَمَّ الْهَاءَ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ.
وَمَنْ كَسَرَ فَلِمُجَاوَرَةِ الْيَاءِ، وَقَدِ اسْتَقْصَيْنَا ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ، لِأَنَّ الْكِسَائِيَّ أَمَالَ الْأَلِفَ فِي «أَنْسَانِيهُ» لِأَنَّ الْأَلِفَ فِيهَا مُبْدَلَةٌ مِنَ الْيَاءِ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ كَسْرَةٌ، وَالْعَرَبُ تُمِيلُ كُلَّ أَلِفٍ بَعْدَهَا كَسْرَةٌ نَحْوَ عَابِدٍ وحاتم وإذا كانت بَعْدَ الْأَلِفِ فَتْحَةٌ أَوْ ضَمَّةٌ كَانَ تَرْكُ الْإِمَالَةِ أَحْسَنَ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُمِيلُ كُلَّ ذَلِكَ، حَكَى سِيبَوَيْهِ عَنْ بَعْضِهِمْ: مَاتَ زَيْدٌ وَصَارَ بِمَكَانِ كَذَا، وَقَالَ: إِنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُمِيلُ أَكْثَرَ مِمَّنْ لَا يُمِيلُ فَلَمَّا سَمِعَ الْكِسَائِيَّ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِالْقِرَاءَاتِ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ الْإِمَالَةَ كَمَا حَكَى سِيبَوَيْهِ ﵁ أَكْثَرَ مِنَ التَّفْخِيمِ اخْتَارَهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: «رُشُدًا» بِضَمَّتَيْنِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: «رَشَدًا» بِفَتْحَتَيْنِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «رُشْدًا» بِإِسْكَانِ الشَّينِ وَضَمِّ الرَّاءِ فَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا لُغَتَانِ الرُّشْدُ وَالرَّشَدُ مِثْلَ الْحُزْنِ وَالْحَزَنِ وَقَالَ آخَرُونَ: الرُّشْدُ الصَّلَاحُ كَقَوْلِهِ: «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا» وَالرَّشَدُ فِي الدِّينِ.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: الِاخْتِيَارُ «رشدا» هاهنا لِأَنَّهَا رَأْسُ آيَةٍ كَقَوْلِهِ فِي ﴿قُلْ أُوحِيَ إلي﴾: ﴿تحروا رَشَدًا﴾ لِيُوَافِقَ رُءُوسَ الْآيِ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ.
فَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ فَإِنَّهُ أَتْبَعَ الضَّمَّ الضَّمَّ مِثْلَ السُّحْتِ وَالسُّحُتِ وَالْبُخْلِ وَالْبُخُلِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: طَعَنْتُ فُلَانًا فَأَلْقَيْتُهُ عَلَى قُطْرِهِ وَقُطُرِهِ وَعَلَى قُتْرِهِ وَعَلَى قُتُرِهِ، وَعَلَى
[ ٢٣١ ]
شُزْنِهِ وَعَلَى شُزُنِهِ، كُلُّ ذَلِكَ عَلَى نَاحِيَتِهِ وَجَنْبِهِ، وَأَقْطَارُ الْأَرْضِ وَأَقْتَارُهَا وَأَشْزَانُهَا:
نَوَاحِيهَا وَالْقُطُرُ فِي غَيْرِ هَذَا الْعُودُ الَّذِي يُتَبَخَّرُ بِهِ، أَنْشَدَنِي ابْنُ عَرَفَةَ ﵁:
كَأَنَّ المدام وصوب الغمام وريح الخزامى ونشر القطر
تُعَلُّ بِهِ بُرْدُ أَنْفَاسِهَا إِذَا غَرَّدَ الطَّائِرُ الْمُسْتَحِرْ
وَإِنَّمَا خَصَّ وَقْتَ السَّحَرِ، لِأَنَّ الْأَفْوَاهَ تَتَغَيَّرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَسَرَقَ شَاعِرٌ هَذَا فَقَالَ:
كَأَنَّ الْمُدَامَ وَصَوْبَ الْغَمَامِ وَرِيحَ الْخُزَامَى وَذَوْبَ الْعَسَلْ
تُعَلُّ بِهِ بُرْدُ أَنْيَابِهَا إِذَا النَّجْمُ فَوْقَ السَّمَاءِ اعْتَدَلْ
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «لِمَهْلَكَهُمْ» بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ جَعَلَهُ مَصْدَرًا لِهَلَكَ يَهْلَكُ مَهْلَكًا مِثْلَ طَلَعَ يَطْلَعُ مَطْلَعًا.
وَرَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «لِمَهْلِكِهِمْ» بِكَسْرِ اللَّامِ جَعَلَهُ وَقْتَ هَلَاكِهِمْ وَمَوْضِعَ هَلَاكِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أَيِ: الْمَوْضِعَ الَّذِي تَغْرُبُ فِيهِ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ ﵁ عَنِ الْعَرَبِ: «أَتَتِ النَّاقَةُ عَلَى مَضْرِبِهَا»، وَ«مَنْتِجِهَا» أَيْ: عَلَى وَقْتِ ضِرَابِهَا وَنِتَاجِهَا وَ«إِنَّ فِي أَلْفِ دِرْهَمٍ لَمَضْرَبًا» بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: ضَرْبًا، جَعَلَهُ مَصْدَرًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «لِمُهْلَكِهِمْ» بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ مِنْ أَفْعَلَ وَالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ يَجِيءُ عَلَى مُفْعَلٍ كَقَوْلِهِ: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ فَكَذَلِكَ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ مُهْلَكًا بِمَعْنَى الْإِهْلَاكِ، وَسَأُبَيِّنُ لَكَ فَصْلًا تَعْرِفُ بِهِ جَمِيعَ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ.
اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ كَانَ عَلَى «فَعَلَ يَفْعِلُ» مِثْلَ ضَرَبَ يَضْرِبُ فَالْمَصْدَرُ مَضْرَبٌ بِالْفَتْحِ، وَالزَّمَانُ وَالْمَكَانُ مَفْعِلٌ بِالْكَسْرِ.
وَكُلُّ فِعْلٍ كَانَ عَلَى «فَعَلَ يَفْعُلُ» مِثْلَ دَخَلَ يَدْخُلُ فَالْمَصْدَرُ وَالْمَكَانُ مِنْهُ بِالْفَتْحِ نَحْوَ الْمَدْخَلِ، وَكُلُّ فِعْلٍ كَانَ الْمُضَارِعُ مِنْهُ بِالْفَتْحِ نَحْوَ يَذْهَبُ وَيَشْرَبُ فَهُوَ مَفْتُوحٌ أَيْضًا نَحْوَ الْمَشْرَبِ وَالْمَذْهَبِ.
فَإِنْ قِيلَ لَكَ: قَدْ قَالُوا: الْمَسْجِدُ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ مِنْ سَجَدَ يَسْجُدُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الشَّوَاذِ عِنْدَهُمْ، قَالَ سِيبَوَيْهِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا جَاءَ الْمَصْدَرُ مِنْ فَعَلَ يَفْعِلُ بِالْكَسْرِ
[ ٢٣٢ ]
كَقَوْلِهِ: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُهُمْ أَيْ: رُجُوعُكُمْ، وَ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ أَيِ:
الْحَيْضِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾. فَهَذَا مَصْدَرٌ وَرُبَّمَا جَاءَ عَلَى الْمَعِيشِ مِثْلَ الْمَحِيضِ قَالَ رُؤْبَةُ:
إِلَيْكَ أَشْكُو شِدَّةَ الْمَعِيشِ وَمُرَّ أَعْوَامٍ نَتَفْنَ رِيشِي
قَالَ الْفَرَّاءُ: إِذَا كَانَ الْفِعْلُ لَامُهُ وَاوًا أَوْ ياء نحو يدعو جَاءَ الْمَصْدَرُ وَالْمَكَانُ بِالْفَتْحِ:
الْمَدْعَى وَالْمَقْضَى.
وَحَدَّثَنِي ابن مجاهد عن السمري عن الفراء، قال: جَاءَ حَرْفَانِ نَادِرَانِ مَأْقَى الْعَيْنِ وَالْمَأْوَى، يُرِيدُونَ: الْمَاوَى فَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ مُوَقُ الْعَيْنِ وَمَاقُ الْعَيْنِ، وَمَأْقَى الْعَيْنِ، وَمَاقَى الْعَيْنِ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ ﵁: إِنَّمَا قَالُوا: الْمَصِيفُ فَكَسَرُوا وَقَالُوا:
الْمَشْتَى فَفَتَحُوا، لِأَنَّ هَذَا مِنْ صَافَ يَصِيفُ، وَهَذَا مِنْ شَتَا يَشْتُو قَالَ الْفَرَّاءُ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: فَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ عَيْنُهُ يَاءٌ مِثْلَ كَالَ يَكِيلُ، وَمَالَ يَمِيلُ، وَبَاعَ يَبِيعُ قُلْتَ فِي الْمَصْدَرِ مِنْهُ: مَالَ مَمَالًا، وَكَالَ مَكَالًا، وَبَاعَ مَبَاعًا، وَفِي اسْمِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ: مَمِيلًا وَمَكِيلًا وَمَبِيعًا، فَهَذَا أَصْلٌ لِمَا يَرِدُ عَلَيْكَ فَتَأَمَّلْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
- وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿فلا تسئلني﴾.
قرأ ابن عامر: «تسألني».
والباقون: «تسألن» وَقَدْ ذَكَرْتُ عِلَّتَهُ فِي هُودٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ وَرَفْعِ الأهل، لأنهما جعلاهما الْفَاعِلَيْنِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «لِتُغْرِقَ» فَهَذَا خِطَابُ مُوسَى لِلْخِضْرِ ﵉، وَنَصَبُوُا الْأَهْلَ، لِأَنَّهُمْ مَفْعُولُونَ، وَالْأَهْلُ تُجْمَعُ عَلَى جَمْعِ السَّلَامَةِ أَهْلُونَ وَأَهْلِينَ «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ وَخَاصَّتُهُ» وقوله تعالى: ﴿قوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ الْأَصْلُ: أَهْلِينَكُمْ فَسَقَطَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْمَعُ أَهْلًا أَهَلَاتٌ قَالَ الشَّاعِرُ:
فَهُمْ أَهَلَاتٌ حَوْلَ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ إِذَا دَلَجُوا بِاللَّيْلِ يَدْعُونَ كَوْثَرَا
وَالصَّوَابُ: أَنْ تُجْعَلَ «أَهَلَاتٌ» جَمْعُ أَهِلَّةٍ.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: لِمَ قَالَ مُوسَى فِي هَذِهِ الآية: ﴿هل أتبعك على أن تعلمن﴾ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ مُوسَى نَبِيٌّ أَعْلَمَ مِنْ مُوسَى؟
[ ٢٣٣ ]
فَقُلْ: فِي هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ نَبِيٌّ أَعْلَمَ مِنْ نَبِيٍّ فِي وَقْتٍ، هَذَا فِيمَنْ جَعَلَ الْخِضْرَ نَبِيًّا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ خِضْرًا، لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ اهْتَزَّتْ خَضْرَاءَ، يَعْنِي بِالْفَرْوَةِ الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُوسَى أَعْلَمَ مِنَ الْخِضْرِ بِجَمِيعِ مَا يُؤَدِي عَنِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى عِبَادَةٍ وَفِيمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَحُجَّةٌ لَهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَالِقِهِمْ إلا في هذا.
الوجه الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُوسَى اسْتَعْلَمَ مِنَ الْخِضْرِ عِلْمًا لَيْسَ عِنْدَ مُوسَى ذَلِكَ الْعِلْمُ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عُلُومٌ سِوَى مَا اسْتَعْلَمَهُ مِنَ الْخِضْرِ عِلْمًا مِمَّا لَيْسَ عِنْدَ مُوسَى ﵇.
فَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿قَالَ لِفَتَاهُ﴾ فَإِنَّ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ هُوَ فَتَاهُ، كَمَا تَقُولُ الْعَامَّةُ: هُوَ غُلَامُهُ وَتِلْمِيذُهُ «وساجرده وتلام، وجربحه»، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ الْمَمْلُوكَ فَتًى وَإِنْ كَانَ شَيْخًا، وَالْأَمَةَ فَتَاةً وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا وَتُسَمِّي التِّلْمِيذَ فَتًى وَإِنْ كَانَ شَيْخًا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ وَالْفَتَى عِنْدَ الْعَرَبِ السَّخِيُّ مِنَ الطَّعَامِ وَعَلَى الْمَالِ وَالشُّجَاعُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَابْنُ عَامِرٍ «زَكِيَّةً» بِغَيْرِ أَلِفٍ، أَيْ: تَقِيَّةً دَيِّنَةً.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «زَاكِيَةً» فَقَالَ الْكِسَائِيُّ: هُمَا لُغَتَانِ زَكِيَّةٌ وَزَاكِيَةٌ مِثْلَ قَسِيَّةٍ وَقَاسِيَةٍ وَقَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: الزَّاكِيَةُ: الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ، وَالزَّكِيَّةُ: الَّتِي أَذْنَبَتْ ثُمَّ تَابَتْ، وَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ حَسَنَةٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَيْئًا نُكْرًا﴾.
ابْنُ كَثِيرٍ يُخَفِّفُ كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ: «إِلَى شَيْءٍ نُكُرْ» وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ بِالتَّثْقِيلِ، وَهُمَا لُغَتَانِ: النُّكْرُ وَالنُّكُرْ مِثْلَ الرُّعْبِ وَالرُّعُبِ، وَهُوَ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ وَالدَّاهِيَةُ.
وَمِثْلُهُ: «شَيْئًا إِدًّا» وَ«إِمْرًا» وَ«نُكْرًا» وَ«عَجَبًا» كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: لَقَدْ جِئْتَ بِشَيْءٍ أَنْكَرَ مِنَ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ آخَرُونَ «إِمْرًا» أَشَدُّ مِنْ «نُكْرًا» إِلَّا أَنَّ الْإِمْرَ مَعَهُ غَرَقُ الْأَهْلِ، وَهَذَا مَعَهُ
[ ٢٣٤ ]
قَتْلُ النَّفْسِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَخْفِيفِ كُلِّ ذَلِكَ إِلَّا قَوْلَهُ فِي «اقْتَرَبَتِ ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ رُءُوسَ الْآيِ فِي «اقْتَرَبَتِ» مُثَقَّلَةٌ نَحْوَ «عَذَابِي وَنُذُرْ».
وَقَالَ الشَّاعِرُ حُجَّةً لِمَنْ خَفَّفَ:
قَدْ لَقِيَ الْأَقْرَانُ مِنِّي نُكْرَا دَاهِيَةً دَهْيَاءَ إِدًّا إِمْرَا
أَمَّا نَافِعٌ فَرَوَى عَنْهُ قَالُونٌ مُثَقَّلًا مِثْلَ ابْنِ عَامِرٍ، وَرَوَى عَنْهُ إِسْمَاعِيلُ مِثْلَ أَبِي عَمْرٍو.
وَرَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ مِثْلَ ابْنِ كَثِيرٍ وَ«نُكْرًا» رَأْسُ الْجُزْءِ مِنْ أَجْزَاءِ الثَّلَاثِينَ وَهُوَ الْخَامِسُ، وَهُوَ نِصْفُ الْقُرْآنِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ: «مِنْ لَدُنِي» بِتَخْفِيفِ النُّونِ، كَرِهَ اجْتِمَاعَ النُّونَيْنِ فَحَذَفَ وَاحِدَةً كَمَا قَرَأَ: «تُشَاقُّونِي» وَ«تَأْمُرُونِي أَعْبَدُ» قَالَ الشَّاعِرُ:
أَيُّهَا السَّائِلُ عَنْهُمْ وَعَنِّي لَسْتُ مِنْ قَيْسٍ وَلَا قَيْسُ مِنِّي
أَرَادَ: عَنِّي وَمِنِّي فَخَفَّفَ.
وَالْبَاقُونَ: «مِنْ لَدُنِّي» مُشَدَّدًا، لِأَنَّ «لَدُنْ» آخِرُهَا نُونٌ سَاكِنَةٌ، وَيَاءُ الْإِضَافَةِ يُكْسَرُ مَا قَبْلَهَا فَزَادُوا على النون نونا وأدغموا فالتشديد من أجل ذَلِكَ إِلَّا عَاصِمًا فَإِنَّهُ رُوِيَتْ عَنْهُ «مِنْ لَدُنِي» بِفَتْحِ اللَّامِ وَجَزْمِ الدَّالِ وَتَشُمُّ الدَّالُ الضَّمَّ وَتُخَفَّفُ النُّونُ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ «مِنْ لُدْنِي» بِضَمِّ اللَّامِ وَ«مِنْ لَدَى» فَ «لَدُنْ» إِذَا لَمْ تُضَفْ فِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ: لَدُنْ وَلَدَى وَلَدُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
مِنْ لَدُ لَحْيَيْهِ إِلَى مَنْحُورِهِ
وَإِذَا أَضَفْتَ إِلَى نَفْسِكَ فَفِيهَا سِتُّ لُغَاتٍ، وَقَدْ فَسَّرْتُهُ، فَتَقُولَ: لَدِي وَلَدُنِ، وَلَدِ، وَلَدُنِي، وَلَدُنِّي، وَلَدُنَّنِي، وَلَدَيّ، وَلَدِي، تِسْعُ لُغَاتٍ، وَمَعْنَاهُنَّ كُلُهُنَّ:
عِنْدِي.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو «لَتَخِذْتَ» بِتَخْفِيفِ التَّاءِ جَعَلَهُ فَعِلَ يَفْعَلُ مِثْلَ شَرِبَ يَشْرَبُ تَخِذَ يَتْخَذُ كَمَا قال:
[ ٢٣٥ ]
وَقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلَى جَنْبِ غَرْزِهَا نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ الْقَطَاةِ الْمُطَرِّقِ
الْمُطَرِّقُ: الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تَبِيضَ وَقَدْ تَعَسَّرَ عَلَيْهَا، وَالْأُفْحُوصُ وَالْمَفْحَصُ عُشُّ الطَّائِرِ وَوَكْرُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».
غَيْرَ أَنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يُظْهِرُ الذَّالَ عِنْدَ التَّاءِ، وَأَبُو عَمْرٍو يُدْغِمُ وَقَدْ ذَكَرْتُ عِلَّتَهُ فِي «الْبَقَرَةِ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لَاتَّخَذْتَ» مِنِ افْتَعَلَ يَفْتَعِلُ نَحْوَ اتَّقَى يَتَّقَى وَاتَّكَى يَتَّكَى وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: تَقَى يَتَقَى خَفِيفًا قَالَ الشَّاعِرُ:
جَلَاهَا الصَّيْقَلُونَ فَأَخْلَصُوهَا خِفَافًا كُلُّهَا يَتَقَى بِإِثْرِ
وَأَصْلُهُ مِنْ أَخَذَ يَأْخُذُ فَكَأَنَّ الْأَصْلَ أَيْتَخَذَ، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ تَصِيرُ يَاءً لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا ثُمَّ تُقْلَبُ الْيَاءُ تَاءً وَتُدْغَمُ التَّاءُ فِي التَّاءِ فَالتَّشْدِيدُ من أجل ذَلِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ بِتَخْفِيفِ كُلِّ مَا فِي الْقُرْآنِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَنَافِعٌ بِتَشْدِيدِ كُلِّ مَا فِي الْقُرْآنِ، وَهُمَا لُغَتَانِ: يُبْدِلُ وَيُبَدِّلُ مِثْلَ يَنْزِلُ وَيُنَزِّلُ، قَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ التَّثْقِيلَ، لِأَنَّ شَاهِدَهُ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً﴾ وَلَمْ يَقُلْ: أَبْدَلْنَا، وَقَالَ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: لَا إِبْدَالَ وَالْعَرَبُ تَقُولُ: بَدَّلَ يُبَدِّلُ تَبْدِيلًا وَبِدَالًا، فَهُوَ مُبَدِّلٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ: أَبْدَلْتُ الشَّيْءَ: إِذَا أَزَلْتُ الْأَوَّلَ وَجَعَلْتُ الثَّانِيَ فِي مَكَانِهِ كَقَوْلِ أَبِي النَّجْمِ:
عَزْلُ الْأَمِيرِ لِلْأَمِيرِ الْمُبْدَلِ
وَبَدَّلْتُ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ: إِذَا غَيَّرْتُ حَالَهُ وَعَيْنَهُ، وَالْأَصْلُ بَاقٍ كَقَوْلِكَ: بَدَّلْتُ قَمِيصِيَ جُبَّةً وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ فَالْجِلْدُ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْأَوَّلِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَذَابُ إِذَا لَمْ يُبَاشِرِ الْمَعْصِيَةَ، وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَخْفِيفِ كُلِّ ذَلِكَ إِلَّا قَوْلُهُ فِي النُّورِ «وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا» فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا أَتَوْا بِالْمَعْنَيَيْنِ كِلَيْهِمَا، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ عِنْدِي أَنَّهُمْ شَدَّدُوا هَذَا الْحَرْفَ خَاصَّةً إِرَادَةَ تَكْرِيرِ الْفِعْلِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَّلَهُمُ الْأَمْنَ مِنَ الْخَوْفِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ،
[ ٢٣٦ ]
وَأَمْنًا عَلَى أَمْنٍ فَالتَّشْدِيدُ دِلَالَةً عَلَى تَكْرِيرِ الْفِعْلِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «رُحُمًا» بِضَمَّتَيْنِ، وَكَذَا عَبَّاسٌ وَنَصْرٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «رُحْمًا» خَفِيفًا، وَهُوَ الْأَكْثَرُ فِي كَلَامِهِمْ مِثْلَ الْعُمْرِ وَالْعُمُرِ وَالرُّعْبِ وَالرُّعُبِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵁: وَفِيهَا لُغَةٌ ثَالِثَةٌ: أَقْرَبَ رَحْمًا تَقُولُ: أَطَالَ اللَّهُ عُمْرَكَ وَعُمُرَكَ وَعَمْرَكَ وَمَعْنَاهُنَّ كُلُّهُنَّ: وَأَقْرَبَ رَحْمَةً وَعَطْفًا وَقُرْبَى وَقَرَابَةً، وَقَالَ الشَّاعِرُ شَاهِدًا لِمَنْ خَفَّفَ:
وَلَمْ يُعَوِّجْ رُحْمَ مَا يَعَوَّجَا
وَقَالَ آخَرُ:
يَا مُنْزِلَ الرُّحْمِ عَلَى إِدْرِيسَ
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو مُشَدَّدًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُخَفَّفًا، وَهُمَا لُغَتَانِ: أَفْعَلَ يُفْعَلُ أَتْبَعَ يُتْبَعُ، وَافْتَعَلَ يَفْتَعِلُ اتَّبَعَ يَتَّبِعُ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالُوا: اتَّبَعْتَهُ: سِرْتَ فِي أَثَرِهِ، وَأَتْبَعْتَهُ: لَحِقْتَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ وَرَوَى حُسَيْنٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو «وَأَتْبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ» وَتَفْسِيرُهُ كَتَفْسِيرِ مَا ذَكَرْتُ، وَالسَّبَبُ: الطَّرِيقُ هُنَا، وَالسَّبَبُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَبْلُ، وَالسَّبَبُ: الْقَرَابَةُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَنَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: «حَمِئَةٍ» عَلَى وَزْنُ فَعِلَةٍ مَهْمُوزًا، وَمَعْنَاهُ: تَغْرُبُ فِي طِينٍ سَوْدَاءَ، وَهِيَ الْحَمْأَةُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ الْبِئْرِ، وَيُقَالُ لَهَا: الثَّأْطُ وَالْحَرْمَدُ وَالْحَالُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثُ: «أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا غَرَّقَهُ اللَّهُ أَخَذَ جِبْرِيلَ - ﷺ - مِنْ حَالِ الْبَحْرِ فَحَشَاهُ فِي فِيهِ لِئَلَّا يَنْطِقَ بِكَلِمَةِ النَّجَاةِ إِذْ كَانَ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ» عَلَى وَزْنِ فَاعِلَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ أَيْ: حَارَّةً حَمِيَتْ تَحْمَى فَهِيَ حَامِيَةٌ مِثْلَ شَرِبَتْ فَهِيَ شَارِبَةٌ.
[ ٢٣٧ ]
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ عَوْفٍ عَنِ الْحَسَنِ «حَامِيَةٍ».
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمِونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي حَاضِرٍ وَابْنِ حَاضِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَقَرَأَ: «تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ» فَقُلْتُ: مَا نَقْرَؤُهَا إِلَّا «حَمِئَةٍ» فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَيْفَ تَقْرَؤُهَا؟ قَالَ: كَمَا قَرَأْتَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْتُ: فِي بَيْتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ! فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ إِلَى كَعْبٍ: أَيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ فِي التَّوْرَاةِ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْعَرَبِيَّةُ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهَا، وَأَمَّا أَنَا فَأَجِدُ الشَّمْسَ فِي التَّوْرَاةِ تَغْرُبُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ.
وَحَدَّثَنِي ابْنُ مجاهد عن السمري عن الفراء، قال: حدثنا حيان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ: «فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ» وَقَالَ: فِي مَاءٍ وَطِينٍ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: حَمَأْتُ الْبِئْرَ: أَخْرَجْتُ مِنْهَا الْحَمْأَةَ، وَأَحْمَأْتُهَا: أَلْقَيْتُ فِيهَا الْحَمْأَةَ، وَحَمِيَتْ هِيَ: صَارَ فِيهَا الْحَمْأَةُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: هَذَا حَمُو فُلَانٍ فَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: حَمْؤٌ وَحَمُو وَحَمًا وَحَمٌ قَالَ الشَّاعِرُ:
هِيَ مَا كَنَّتِي وَتَزْ عُمُ أَنِّي لَهَا حَمُو
وَقَالَ آخَرُ:
قُلْتُ لِبَوَّابٍ لَدَيْهِ دَارُهَا تِئْذَنْ فَإِنِّي حَمْؤُهَا وَجَارُهَا
وَقَالَ آخَرُ:
وَبِجَارَةٍ شَوْهَاءَ ترق بني وَحَمًا يَخِرُّ كَمَنْبَذِ الْحِلْسِ
وَفِيهِ لُغَةٌ خَامِسَةٌ وَسَادِسَةٌ «الْحَمْوُ» مِثْلُ الْعَفْوِ وَ«الْحَمَأُ» مِثْلُ الْخَطَأِ ذَكَرَهُ اللَّحْيَانِيُّ، وَكُلُّ قَرَابَةٍ مِنْ قِبَلِ الزوج فهم الأحماء، وكل قرابة من أصل النِّسَاءِ فَهُمُ الْأُخْتَانُ، وَالصِّهْرُ يَجْمَعُهَا، فَأُمُّ امْرَأَةِ الرَّجُلِ خِتْنَتُهُ، وَأَبُوهَا خِتْنُهُ، وَأُمُّ الزَّوْجِ حَمَاةُ الْمَرْأَةِ، وَأَبُوهُ حَمُوهَا، وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ شَاهِدًا لِأَبِي عَمْرٍو فِي «عَيْنٍ حَمِئَةٍ»:
تَجِئْكَ بِمِلْئِهَا طَوْرًا وَطَوْرًا تَجِئْكَ بِحَمْأَةٍ وَقَلِيلِ مَاءِ
وَقَالَ آخَرُ:
وَسُقِيتُ بِالْمَاءِ النَّمِيرِ وَلَمْ أُتْرَكْ أُلَاطِمُ حمأة الجفر
[ ٢٣٨ ]
وَقَالَ تُبَّعٌ:
قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ جَدِّي مُسْلِمًا مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَسْجُدُ
بَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ؟ !
فَرَأَى مَغَارَ الشَّمْسِ عِنْدَ مَغِيبِهَا فِي عَيْنِ ذِي رَتَقٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدٍِ
قَالَ: الثَّأْطُ: الْمَاءُ وَالطِّينُ، وَالْحَرْمَدُ: الْحَمْأَةُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «فَلَهُ جَزَاءً» بِالنَّصْبِ مُنَوَّنًا فَنَصَبَهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
عَلَى الْمَصْدَرِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: فَلَهُمُ الْجَنَّةُ مَجْزِيُّونَ بِهَا جَزَاءً.
وَقَالَ آخَرُونَ: نَصَبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَهَذَا فِيهِ ضَعْفٌ، لِأَنَّ التَّمْيِيزَ يُقَبَّحُ تَقْدِيمُهُ كَقَوْلِهِ: تَفَقَّأَ زَيْدٌ شَحْمًا، وَتَصَبَّبَ عَرَقًا، وَمَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ رَاحَةٍ سَحَابًا، وَلَهُ دَنٌّ خَلًّا، وَيُقَبَّحُ لَهُ خَلًّا دَنٌّ، فَأَمَّا عَرَقًا تَصَبَّبَ فَمَا أَجَازَهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إِلَّا الْمَازِنِيُّ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى» بِالرَّفْعِ وَالْإِضَافَةِ وَشَاهِدُهُ قَوْلُهُ: فَلَهُمْ ﴿جَزَاءُ الضعف بما عملوا﴾ والحسنى هاهنا: الحسنات.
- وقوله تعالى: ﴿بين السدين﴾.
فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: السَّدُّ فِي الْعَيْنِ، وَالسَّدُّ: الْحَاجِزُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّيْءِ وَقَالَ حَجَّاجٌ عَنْ هَارُونَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كُلُّ مَا كَانَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ فَهُوَ السَّدُّ، وَمَا كَانَ مِنْ صُنْعِ بَنِي آدَمَ فَهُوَ سَدٌّ، وَكَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَمِدَ إِلَى الْحَدِيدِ فَجَعَلَهُ أَطْبَاقًا وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا الْفَحْمَ وَالْحَطَبَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ الْمِحْلَاجَ، يَعْنِي: الْمِفْتَاحَ: حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ﴿آتُونِي﴾ أَيْ: أَعْطُونِي ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ وَالْقِطْرُ: النُّحَاسُ فَصَارَ جَبَلَ حَدِيدٍ مُرْتَفِعًا ﴿فما اسطاعوا أَنْ يُظْهِرُوهُ﴾ أَيْ: يَعْلُوهُ، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقَبًا﴾.
وَرَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِفَتْحِ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «بَيْنَ السُّدَّيْنِ» وَفَتَحَا الْبَاقِي.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِرَفْعِ ذَلِكَ كُلِّهِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «يُفْقِهُونَ» بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ أَفْقَهَ يَفْقَهُ.
[ ٢٣٩ ]
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يَفْقَهُونَ». وَمَعْنَاهُ: لَا يَفْهَمُونَ، وَمَنْ ضَمَّ فَمَعْنَاهُ لَا يُبَيِّنُونَ لِغَيْرِهِمْ يُقَالُ: فَقَهَ يَفْقَهُ وَفَقُهَ يَفْقُهُ وَفَقِهَ يَفْقَهُ مِثْلَ فَهِمَ يَفْهَمُ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الطَّاهِرِيَّ يَقُولُ:
الْمُنَافِقُ إِنْ فَقِهَ لَمْ يُفْقِهْ وَإِنْ نَقِهَ لَمْ يُنْقِهْ.
سمعت ابْنَ مُجَاهِدٍ يَقُولُ: الِاخْتِيَارُ الْفَتْحُ، لِأَنَّكَ إِذَا ضَمَمْتَ الْيَاءَ فَقَدْ حَذَفْتَ مَفْعُولًا وَالتَّقْدِيرُ: لَا يُفْقِهُونَ أَحَدًا قَوْلًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ «يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ» بِالْهَمْزِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَقَالَ النَّحْوِيُّونَ: هُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ الْأَعْجَمِيَّةَ سِوَى هَذَا الْحَرْفِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ نَحْوَ طَالُوتَ وَجَالُوتَ وَهَارُوتَ وَمَارُوتَ وَحُجَّةُ مَنْ هَمَزَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ أَجِيجِ النَّارِ، وَمِنَ الْمِلْحِ الْأُجَاجِ فَيَكُونُ يَفْعُولًا مِنْهُ، هَذَا فِيمَنْ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا وَتَرَكَ صَرْفَهُ لِلتَّعْرِيفِ، لِأَنَّهَا قَبِيلَةٌ.
وَالِاخْتِيَارُ أَنْ تَقُولَ: لَوْ كَانَ عَرَبِيًّا لَكَانَ هَذَا اشْتِقَاقَهُ وَلَكِنَّ الْأَعْجَمِيَّ لَا يُشْتَقُّ قَالَ رُؤْبَةُ:
لَوْ كَانَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ مَعًا وَعَادَ عَادُ وَاسْتَجَاشُوا تُبَّعَا
فَتَرَكَ الصَّرْفَ فِي الشِّعْرِ كَمَا هُوَ فِي التَّنْزِيلِ، وَجَمَعُ يَأْجُوجَ يَآجِيجُ مِثْلَ يَعْقُوبَ وَيَعَاقِيبُ، وَالْيَعْقُوبُ: ذَكَرُ الْفَتْخِ، وَالْأُنْثَى: الْحَجَلَةُ، وَوَلَدُ الْفَتْخِ: السُّلَكُ، وَالْأُنْثَى:
السُّلَكَةُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: سُلَيْكُ بْنُ السُّلَكَةِ، وَقَالَ الْخَلِيلُ ﵁: الذَّعْفُوفَةُ:
وَلَدُ الْفَتْخِ وَالْقُهْبِيُّ أَبُوهُ. ذَكَرُهُ فِي كِتَابِ «الْعَيْنِ» وَمَنْ جَعَلَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فَاعُولًا جَمَعَهُ يَوَاجِيجَ بِالْوَاوِ، مِثْلَ هَارُونَ وَهَوَارِينٍ وَطَاغُوتَ وَطَوَاغِيتٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خَرْجًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «خَرْجًا» وَكَذَلِكَ فِي «قَدْ أَفَلْحَ» فَخَرْجُ رَبِّكَ وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «خَارِجًا»، «فَخَرَاجُ رَبِّكَ» وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، لِأَنَّ الْخَرْجَ: الْجُعْلُ، وَالْخَرَاجُ: الْإِتَاوَةُ وَالضَّرِيبَةُ الَّتِي يَأْخُذُهَا السُّلْطَانُ مِنَ النَّاسِ كُلَّ سَنَةٍ.
وَمَنْ قَرَأَ «خَرْجُ رَبِّكَ» فَحُجَّتُهُ، أَيْضًا: مَا حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ الَّذِي يُقَالُ: إنه «الإمام»، ﴿أم تسألهم خَرْجًا﴾ مَكْتُوبٌ بِغَيْرِ أَلِفٍ.
[ ٢٤٠ ]
وقرأ الباقون: «أم تسألهم خَرْجًا» بِغَيْرِ أَلِفٍ ««فَخَرَاجُ» بِأَلِفٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحْدَهُ «مَا مَكَّنَنِي» بِنُونَيْنِ، لَامُ الْأُولَى لَامُ الْفِعْلِ أَصْلِيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ مَعَ الْيَاءِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ فَأَظْهَرَهُمَا ابْنُ كَثِيرٍ عَلَى الْأَصْلِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مَا مَكَّنِّي» مُشَدَّدًا فَأَدْغَمُوا إِرَادَةً لِلِاخْتِصَارِ وَالْإِيجَازِ، وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي وَصِلَتُهُ «مَكَّنِّي» «وَخَيْرٌ»، خَبَرُ الِابْتِدَاءِ، وَمَعْنَاهُ: الَّذِي مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ وَلَيْسَتْ جَحْدًا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ «بِالرَّفْعِ، والرافضة تقف به «ما تركنا صدقة» فأخطئوا الْإِعْرَابَ وَالدِّينَ جَمِيعًا، وَنَاظَرَنِي بَعْضُ الرَّافِضَةُ فِي قول النبي - ﷺ -: «ما نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ ﵁» فَقَالَ: مَا الثَّانِيَةُ جَحْدٌ مِثْلُ الْأُولَى، أَيْ: لَمْ يَنْفَعْنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ؟ ! فَقُلْتُ لَهْ: إِنَّ قِلَّةَ مَعْرِفَتِكَ بِالْعَرَبِيَّةِ قَدْ أَدَّتْكَ إِلَى الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا «مَا» الثَّانِيَةُ بِمَعْنَى «الَّذِي» وَتَلْخِيصُهُ لَمْ يَنْفَعْنِي مَالٌ كَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ بِرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ «الصُّدْفَيْنِ» بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَضَمِّ الصَّادِ وَمَعْنَاهُ: بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
قَدْ أَخَذْتَ مَا بَيْنَ عَرْضِ الصُّدْفَيْنِ نَاحِيَتَيْهَا وَأَعَالِي الرُّكْنَيَيْنِ
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ: «الصُّدُفَيْنِ» بِضَمَّتَيْنِ جَعَلَهُمَا لُغَتَيْنِ مِثْلَ السُّحْتِ وَالسُّحُتِ وَالرُّعْبِ وَالرُّعُبِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ» بِفَتْحِ الصَّادِ وَالدَّالِ، وَأَحَدُهُمَا صَدَفٌ، فَمَنْ قَرَأَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَحُجَّتُهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: كَانَ إِذَا مَرَّ بِصَدَفٍ مَائِلٍ أَسْرَعَ الْمَشْيَ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «كَانَ إِذَا مَرَّ بِطِرْبَالٍ مَائِلٍ أَسْرَعَ الْمَشْيَ» أَيْ:
حَائِطٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آتُونِي أفرغ عليه﴾.
قرأ عاصم وحمزة: «قال ائتوني» قَصْرًا مِنْ غَيْرِ مَدٍّ جَعَلَاهُ مِنْ بَابِ جِيئُونِي، يُقَالُ: أَتَيْتُهُ: جِئْتُهُ، وَآتَيْتُهُ: أَعْطَيْتُهُ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ: آتُونِي أَعْطُونِي، وَالْأَصْلُ
[ ٢٤١ ]
أَيْتُيُونِي فَاسْتَثْقَلُوُا الضَّمَّةَ عَلَى الْيَاءِ فَحَذَفُوهَا فَالْتَقَى سَاكِنَانِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ فَحَذَفُوُا الْيَاءَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ «فَمَا اسْطَّاعُوا» بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ، أَرَادَ: فَمَا اسْتَطَاعُوا فَأَدْغَمَ التَّاءَ فِي الطَّاءِ، لِأَنَّهُمَا أُخْتَانِ، وَجَمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ السِّينِ وَالطَّاءِ الْمُدْغَمَةِ فَقَالَ النَّحْوِيُّونَ جَمِيعًا: إِنَّهُ أَخْطَأَ لِجَمْعِهِ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵁: وَلَهُ عِنْدِي وَجْهَانِ: لِأَنَّ الْقُرَّاءَ قَدْ قَرَءُوا «لَا تَعْدُّوا فِي السَّبْتِ»، «أَمَّنْ لَا يهدي»، «و﴿نعما يَعِظُكُمْ».
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي السَّاكِنِ الْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْتَ الْحَرَكَةُ وَسُكُونُهَا عَارِضٌ وَقَدْ يَجُوزُ حَرَكَتُهَا فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُشَبِّهُ الْمُسَكَّنَ بِالسَّاكِنِ، لِاتِّفَاقِهِمَا فِي اللَّفْظِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ مَوْقُوفٌ وَالنَّهْيَ مَجْزُومٌ، وَقَدْ جَعَلْتُ حُكْمَهُمَا سُيَّيْنِ، فَالسِّينُ فِي قَوْلِهِ «فَمَا اسْطَاعُوا» سَاكِنَةٌ لَا يَجُوزُ حَرَكَتُهَا كَاللَّامِ الَّتِي لِلتَّعْرِيفِ نَحْوَ الْأَحْمَرِ وَالْأَيْكَةِ، فَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُحَرِّكْ هَذِهِ اللَّامَ فَيَقُولُ: لَيْكَةُ وَلَحْمَرُ فَجَازَ تَشْبِيهُ السِّينِ بِاللَّامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ تَتَوَهَّمُ بِالسَّاكِنِ الْحَرَكَةَ وَالْحَرَكَةِ السُّكُونَ.
وَحَدَّثَنِي ابن مجاهد عن السمري عن الفراء، قال: عَبْدُ الْقَيْسِ يَقُولُونَ اسَلْ زَيْدًا، فَيُدْخِلُونَ أَلِفَ الْوَصْلِ عَلَى سِينٍ مُتَحَرِّكَةٍ، لِأَنَّهُمْ تَوَهَّمُوا «إسْأَلْ» السُّكُونَ فِي السِّينِ، وَهَذِهِ الْحُجَّةُ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَيَّدَتْ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ فَإِنَّ الِاخْتِيَارَ مَا قَرَأَ الْبَاقُونَ «فَمَا اسْطَاعُوا» بِتَخْفِيفِ الطَّاءِ، أَرَادَ: اسْتَطَاعُوا أَيْضًا فَحَذَفُوُا التَّاءَ اخْتِصَارًا كَرَاهِيَةَ الْإِدْغَامِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيْنِ مُتَقَارِبِي الْمَخْرَجِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: طَاعَ يَطُوعُ وَطَوَّعَ يُطَّوِعُ مِنْ قَوْلِهِ: «فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ» أَيْ: تَابَعَتْهُ وَسَوَّلَتْ لَهُ.
وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ وَسِيبَوَيْهِ اسْتَطَاعَ يَسْتَطِيعُ بِمَعْنَى: أَطَاعَ يُطِيعُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «أَنْ يَظْهَرُوهُ» أَيْ: يَعْلُوهُ، يُقَالُ، ظَهَرْتُ عَلَى ظْهَرِ الْبَيْتِ، أَيْ: عَلَوْتُهُ «وما استطاعوا لَهُ نَقْبًا» أَيْ: لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَنْقُبُوُا الحديد.
[ ٢٤٢ ]
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ مَمْدُودًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «دَكًّا» بِمَعْنَى مَدْكُوكَةٍ، قَالَ: وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَفَاعِلٍ فَيَقُولُونَ: هَذَا دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ، أَيْ: مَضْرُوبُ الْأَمِيرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ أَيْ غَائِرًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ عَامِرٍ: «أَنْ يَنْفَدَ» بِالْيَاءِ لِأَنَّ الْكَلِمَاتِ تأنيثها غير حقيقي، لأن جَمْعَ الْمُؤَنَّثِ مِمَّا لَا يَعْقِلُ يُشَبَّهُ بِمَا يَعْقِلُ نَحْوَ هِنْدَاتٍ، فَلَمَّا كَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ: قَالَ نِسْوَةٌ، قِيلَ: يُنْفِدُ الْكَلِمَاتِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «أَنْ تَنْفَدَ» بِالتَّاءِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِأَنَّهُ جُمِعَ بِالْأَلِفِ وَالتَّاءِ وَالِاخْتِيَارُ فِيهِ التَّأْنِيثُ، لِإِجْمَاعِ النَّحْوِيِّينَ.
وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الْيَاءَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ تِسْعُ يَاءَاتٍ:
قَوْلُهُ: «رَبِّي أَعْلَمُ» وَ«بِرَبِّي أَحَدًا»، «فَعَسَى رَبِّي أَنْ» فَتَحَهُنَّ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ.
وَأَسْكَنَهُنَّ الْبَاقُونَ.
وَ﴿مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ فَتَحَهَا نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ فَتَحَهَا نَافِعٌ فَقَطْ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَعِيَ صَبْرًا﴾ فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ، فَتَحَهَا حَفْصٌ عَنْ عاصم وأسكنها الباقون (^١).
_________________
(١) قال ابن الجزري في النشر ص/ ٣٣١: «(وفيها من آيات الإضافة تسع) (ربي أعلم، بربي أحدا، بربي أحدا) في الموضعين (ربي أن يؤتين) فتح الأربعة المدنيان وابن كثير وأبو عمرو، (وستجدني إن) فتحها المدنيان (معي صبرا) في الثلاثة فتحها حفص (من دوني أولياء) فتحها المدنيان وأبو عمرو. (ومن الزوائد ست)، (المهتد) أثبتها وصلا المدنيان وأبو عمرو وأثبتها في الحالين يعقوب ووردت عن ابن شنبوذ عن قنبل (أن يهدين وأن يؤتين وأن تعلمن) أثبتها وصلا المدنيان وأبو عمرو وأثبتها في الحالين ابن كثير ويعقوب (إن ترن) أثبتها وصلا أبو جعفر وأبو عمرو وقالون والأصبهاني عن ورش وأثبتها في الحالين ابن كثير ويعقوب (ما كنا نبغ) أثبتها وصلا المدنيان وأبو عمرو والكسائي وفي الحالين ابن كثير ويعقوب.
[ ٢٤٣ ]
نَجَزَ النِّصْفُ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابِ، وَيَتْلُوهُ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ سُورَةِ مَرْيَمَ ﵍.
وَفَرَغَ مِنْ تَحْرِيرِ هَذَا الْكِتَابِ الْعَبْدُ الْمُذْنِبُ الْفَقِيرُ الْمُحْتَاجُ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ فَرَّاجِ بْنِ سَرْوِ بْنِ الْأَبْهَرِيِّ بِتَارِيخِ مُنْتَصَفِ شَوَّالٍ سَنَةَ سِتِّمِائَةٍ حَامِدًا اللَّهَ تَعَالَى مُصَلِّيًا عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أجمعين.
_________________
(١) = وأما ﴿فلا تسألني﴾ فليست من الزوائد وتقدم الكلام على حذفها في موضعها والله الموفق.
[ ٢٤٤ ]