قولُه تَعَالى: ﴿لَأمَاناتِهم وَعَهْدِهِمْ﴾.
قرأ ابن كثير وحده «أمانتهم» وحجَّته، «وَعَهْدِهِمْ» ولم يَقُلْ وعهودهم؛ وذلك أنَّ العربَ تَجتزي بالواحدِ عَنْ الجماعةِ كقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لم يظهروا﴾.
وقرأ الباقون «أماناتهم» جِماعًا. وحجَّتُهُمْ ﴿إن الله يأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّواْ الأَمَاناتِ إلى أَهْلِهَا﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿عَلَى صَلَواتِهِمْ يحافظون﴾.
قرأ حمزة والكسائي «صلاتهم» واحدة.
والباقون «صَلَواتِهِمْ» جماعًا. وقد ذكرتُ علته في براءة.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامرٍ «الْعِظْمَ لَحْمًا» في هذا الحرف عَلَى التَّوحيد، لأنَّ العَظْمَ تَجري عَلَى العِظام، مثل الأمانات، والأمانة.
قَالَ الشَّاعِرُ:
بِهَا جِيَفُ الحَسْرَى فَأمَّا عِظَامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ
ولم يقل: جلودها.
وقرأ الباقون «الْعِظَامَ لَحْمًا» عَلَى الجِماع بالألف. وحجتهم ﴿عِظَامًا نَخِرَةً﴾.
وحدَّثني أَحْمَد، عن علي، عن أبي عبيد، قال: في حرف ابن مَسْعُود «فكسونا العَظامَ لحمًا وَعَصَبًا فتبارك الله أحسن الخالقين» ويقال: إنَّ العظم، والعصب يخلقهما الله تَعَالى من ماءِ الرَّجُلِ، ويخلق الدَّم واللَّحم والشَّعر من ماء المرأة؛ لأن ماء المرأة أصفر رقيق، وماء الرَّجل أبيض ثخين. فإن جامع الرَّجل المرأة فغلب ماء الرجل ماء المرأة أذكر بإذن الله، وإذا غلب ماءها أنَّث بإذن الله.
والعرب تستحب للرجل أن يأتي المرأة وهي لا تَشتهى، أو يفرعها أو يغصبها، أو يأخذها على غفلة، لينزع الشبَّه إلى الأبِ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
مِمَّنْ حَمَلْنَ به وهن عواقد حبك النطاق فشب غير مهيل
[ ٢٨٨ ]
حَمَلَتْ بِهِ في لَيْلَةٍ مَرْدُوْفَة كَرْهًا وعِقْدُ نِطَاقِهَا لَمْ يُحْلَلِ
وقولُه تَعَالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾
قَالَ المُفَسِّرُون: هو نبات أُبطه وشِعْرَتِهِ ولِحْيَتِهِ وشَيْبَتِه.
وَقَالَ آخرون «ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ» إلى أن مشى.
قولُه تَعَالى: ﴿سَينَاءَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ، وَأَبُو عَمْرو، ونافعٌ بكسر السِّين. وحجَّتهم ﴿وطُورِ سينِيْنَ﴾ بكسرِ السين. والسِّيْنَاءُ، والسِّيْنِيْنُ، الحُسْنُ. وكل جَبَلٍ ينبت الثِّمار فهو سِينِيْن.
وقرأ الباقون «سَيناءَ» بفتح السِّين. وهما لُغتان، وأصله سريانيّ.
وقولُه تَعَالى: ﴿تَنْبُتُ بالدُّهْنِ﴾.
قرأ أَبُو عَمْروٍ، وابنُ كَثيرٍ بضمِّ التاء، كأنَّه لم يعتدَّ بالياء، وأراد: تُنبت الدُّهنَ، قَالَ الشَّاعِر:
رأيتُ ذَوِي الحَاجَاتِ حَولَ بُيُوْتِهِمْ قَطِنيًا لَهُمْ حتَّى إذَا أَنبتَ البَقْلُ
وقرأ الباقون: «تَنْبُتُ» بفتح التاء وهو الاختيار، لأن العرب تَقُولُ:
ذهبت بزيد وأذهبتُ زيدًا فيخزلون الباء مَعَ الهمزة.
وقولُه تَعَالى: ﴿نُسْقِيْكُمْ مما في بطونها﴾.
قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابنُ عامرٍ «نَسْقِيكُمْ» بفتح النون.
وقرأ الباقون بالضَمِّ، فجعلها بعضهم لُغتين سَقَيْتُ وأَسْقَيتُ واحتجَّ بقول الشَّاعِرِ:
سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأَسْقَى نُمَيْرًا والقَبَائِلَ من هِلَالِ
والاختيار: أن يكون سَقَيْتُ للشَّفه، وأسقيت للأنهار والأنعام، وتقولُ دعوت الله أن يَسقيه. وقد بيَّنت ذَلِكَ في سورة النَّحل بأكثر من هذا.
فإن سَأَلَ سائلٌ فَقَالَ: لِمَ قَالَ تَعَالى: ﴿مِمَّا في بُطُونِهِ﴾ في موضعٍ. وَقَالَ في موضع آخر ﴿بُطُونِهَا﴾؟
فالجوابُ في ذَلِكَ: أن مَنْ أنّث سقط السؤال عنه. ومَنْ ذكر فله حججٌ، إحداهن:
أن الأنعامَ والنَّعم بمعنى فذكَّره لذلك.
والحجة الأخرى: أن التَّقديرَ نسقيكم من بعضِ ما في بطونه.
[ ٢٨٩ ]
وقولُه تَعَالى: ﴿أَنْزِلْني مُنْزَلًا مُّبَارَكًا﴾.
قرأ عاصمٌ ونافع في روايةِ أبي بَكْر «مَنْزلًا» جعله اسمًا للمكان ومصدرٌ ثلاثيٌّ.
وقرأ الباقون مُنزلًا لأنَّه مصدر، أنزلت، إنزالًا، ومنزلًا مثل «أَدْخِلْني مُدْخَلَ صِدْقٍ» وإدخال صِدْقٍ «وأنتَ خيرُ المُنْزِلِينَ» فلو قرأ قارئٌ وأَنْتَ خيرُ المُنَزِّلِينَ لكان صَوابًا عَلَى تقدير وأنت خيرُ المُنَزِّلين بِهِ، كَمَا تَقُولُ أنزلتُ حوائجي بك.
وقولُه تَعَالى: ﴿مِنْ كلِّ زَوجَيْنِ اثْنَينِ﴾.
روى حفصٌ، عَنْ عاصمٍ «مِنْ كلِّ زَوْجَيْنِ» مُنونًا عَلَى تقدير: اسلك فيها زوجين اثنين من كلٍّ أي: من كل جِنْسٍ، ومن كل الحَيَوَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿وَلِكُلٍّ وُجْهَةٌ﴾ أي:
«ولكل إنسانٍ قبلةٌ هو موليها»، لأنَّ «كلٍّ» و«بعضًا» يقتضيان مضافًا إليهما.
وقرأ الباقون «مِنْ كلِّ زَوجِينِ» مضافا.
وقوله تعالى: ﴿رسلنا تترا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وَأَبُو عَمرو «تترًى» منونًا. والوقف على قراءتهما بالألف. قَالَ ابنُ مجاهد: ومن نوَّن لم يقف إلا بألفٍ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: قد يَجوزُ أن يقفَ بالألِف وهو الاختيار كَمَا قَالَ، إذا جعل الألف عوضًا من التنوين، كَمَا تَقُول: رَأَيْت عمرًا تقف عمرا غير ممالٍ ولا يجوز عمري.
ومن جعل الألف للإلحاق نحو أرطى ومعزى يجوز له أن يقف بالإمالة.
و«تترى» يكون فَعْلَى مثل: سكرى، ويكون فعلى مثل: أرطى. ويكون فَعْلًا مثل:
عَمْرًا، وهو الاختيار، لأنَّه مصدر وَتَرَ، يَتِرُ، وَتْرًا، ثُمَّ قُلب من الواوِ تاءً فقيل: تَتْرا كَمَا قِيلَ تُراث، ووارث.
وقرأ الباقون «تَتْرَى» عَلَى وزن سَكْرى غير منون، فعلى قراءة هَؤُلَاءِ يجوز الوقف بالتّفخيم، وبالِإمالة ألفًا وياءً.
ومَنْ نَوَّن فله حجّةٌ أخرى أن المصحفَ كُتب فيه بالألف.
وأجاز سيبويه تعلمت علمي، ورأيت زيدًا بالِإمالة من أجلِ الكسرة والياء. ولا يجوزُ رَأَيْت عَمْرَا، لأنَّها لا كسرةَ هناك ولا ياءَ فأفخم.
وقولُه تَعَالى: ﴿زُبُرًا كلُّ حِزْبٍ﴾. قرأ ابنُ عامرٍ وحده «زَبْرًا» جمع زَبْرَةٍ، وهي القِطعة من الحَديد وغيره. وقرأ الباقون زُبُرًا. وقد ذكرت علته في النساء.
[ ٢٩٠ ]
وقولُه تَعَالى: ﴿نُسَاْرِعُ لَهُمْ فِيْ الخَيراتِ﴾.
روى أبو عمرو، عن الكسائي «نسارع لهم بالخيرات» من أجلِ كسرةِ التاءِ.
وقرأ الباقُون مفخمًا.
وفيها قراءة ثالثة، حدثني أحمد، عن علي، عَنْ عُبَيْدٍ أنّ عَبْد الرحمن بْن أبي بَكْرَةَ قرأ «يُسَارِعُ لهم» ومعنى هذه القراءة أي: يُسارع لهم إمدادنا إيَّاهُمْ بالمال، والبنين.
يقال: أمددته بالخيرِ، ومددته فِيْ الشِّر، كقوله تَعَالى: ﴿ويَمُدُّهُمْ فِيْ طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُوْنَ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿إلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ﴾.
قرأ عاصمٌ، وابنُ عامرٍ بفتح الرّاء.
والباقون بالضَمِّ.
وقد ذكرت علة ذَلِكَ فِيْ البقرة وفيها سبعُ لُغاتٍ قد ذَكرتُهنَّ هناك. ومعنى «ذَاتِ قَرَارٍ»، أي: إلى ربوةٍ: منحنى مرتفع، ذات قرار، أي: حول الرَّبوة منبسط يجري فيها الماء. المعين يكون مفعولًا من العيون، ويكون فعيلًا من الماعون. والمعنى: قَالَ أَبُو عُبَيْدةَ: تَقُولُ العربُ: فلانٌ فِيْ رَبْوَةٍ من أهله أي: فِيْ عِزٍّ، ومَنَعَةٍ، وشَرَفٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾.
قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكِسَائِيُّ «إنّ» بالكسرةِ، جعلوه استئنافًا، وتمامُ الكلامِ ﴿بما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
وقرأ ابنُ كثيرٍ، ونافعٌ، وَأَبُو عَمْرو «وأنَّ» بالنَّصب عَلَى تقدير: «بأن الله بما تعملون عليم». ولأنَّ هذه، ف «أنَّ» اسم مَعَ ما بعدها فِيْ موضع نصب، لمَّا فقدت الخافض، وجرٌّ عند الكسائي، وهذه نصب بأن. وأمتكم: خبر إنِّ، وأمةً بدلٌ منها.
وواحدة: نعتٌ الأمة فِيْ مَنْ رفع. وهي قراءة الحسن، وقراءة سائر الناس. «أمةً واحدةً» بالنصب عَلَى الحال.
وقرأ ابنُ عامرٍ «وأنْ هَذِهِ» بفتحِ الألفِ وتخفيِف النُّون عَلَى تقدير. ولأن هَذِهِ أُمتكم أو يكونُ مخففًا مِنْ مشدَّدٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾.
قرأ نافع «تُهْجَرُونَ» بالضَمِّ من أَهجر إهْجارًا: إذا أهذى. يقال أهجر المريضُ:
[ ٢٩١ ]
إذا تكلّم بما لا يفهم.
وكان الكّفارُ إذا سَمِعُوا قراءةَ رَسُولِ الله - ﷺ - تكلَّمُوا بالفحش، وهَذَوا وسَبُّوا. فَقَالَ الله جلَّ وعزَّ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أي: بالقرآن. وقيل: بالبَيتِ العتيق، سامرًا وجَمعه: سُمَّارٌ، وهم الَّذِيْنَ يتحدثون باللَّيْلِ فِيْ السَّمرَ. والسَّمَرُ: ظِلُّ القمر، يقال له: الفخت، والدارة حول القمرِ: الهالةُ والسّاهور: غلافُ القَمَرِ. وقد قرئ «مستكبرين به سمارا تهجرون» و﴿سامرا تَهْجُرُونَ﴾. فمن قرأ سُمَّرًا جعله جمع سامرٍ مثل غائبٍ، وغُيَّبٍ.
وقد جَعَلَ بعضُهم الِإهجار هاهنا. التَّرْكُ.
وقرأ الباقون «تَهْجُرُونَ» من الهجران. يقال: هجر فلان فُلانًا: إذا صَرَمَهُ، وهَجَرَ بلاده: إِذَا خَرَجَ منها وتَركها، فشبَّه الله تَعَالى من تَرَكَ القرآنَ والعَمَل بِهِ كالمُهاجر لِرُشْدِهِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيرٌ﴾.
قرأ ابن عامر، «خَرْجًا فَخَرجُ ربِّكَ».
وقرأ ابن كثيرٍ ونافعٌ وَأَبُو عَمْرو وعاصمٌ: «خَرْجًا فخراج ربِّكَ».
وقرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ «خَراجًا. فَخَراجٌ رَبِّكَ» وقد ذكرتُ علّته فِيْ الكَهْفِ وهي الأتاوة التي يأخذها السُّلطان من بعض الرّعيّة.
وقولُه تَعَالى: ﴿سَيَقُولُونَ لِلهِ﴾.
قرأ أَبُو عَمْرو وحدة «سَيَقُولُونَ الله» بألفٍ فِيْ الحرفين الأخيرين، وكذلك فِيْ مصاحِف أهلِ البصرةِ. وذلكَ أنَّ القائلَ إِذَا قَالَ لِمَنْ هَذِهِ الضّيعة؟ جازَ أن تقولَ:
لفلانٍ، أو صاحبها فلانٌ، أنشدَني ابنُ مجاهد:
وأَعْلَمُ أنَّي سأكونُ رِمْسًا إِذَا سَارَ النَّواجِعُ لا يَسِيْرُ
فَقَالَ السَّائِلُون لِمَنْ حَفَرْتُمْ فَقَالَ المُخْبِرُوْنَ لَهُمْ وزير
وقرأ الباقون: «لِله»، «لِله»، «لِله» ثلاثها، واحتَجُّوا بمُصْحَفِ عُثْمَان الذي يُقالُ: إنه الإمام كَذَلِكَ كُتبت فيه، وكذلك مصاحفُ أهلِ الحِجَاز والكوفةَ والأمر فيهما واحد، وهو صواب ولله الحمد.
[ ٢٩٢ ]
وقولُه تَعَالى: ﴿عَالِمِ الغَيبِ﴾.
قَالَ أَبُو عَمْرو، وابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم بالخفض، «سبحان الله عَالِمِ الغَيبِ».
وقرأ الباقون «عَالِمُ الغَيبِ» بالرّفع عَلَى الاستئناف، لأنّ بعد تمام أية، وشبيه بهذا «إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾. الله» و«الله» كَذَلِكَ «عَمَّا يَصْفُوْنَ عالم» و«عَالِمِ».
وقولُه تَعَالى: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيّ «شِقَاوتُنا» بالألف.
والباقون: «شِقْوَتُنا» فيكونان مصدرين واسمين، قَالَ الشَّاعِر:
كَلَّفَ مِنْ عَنَائِهِ وشِقْوَتِهْ بِنْتَ ثَمَانِ عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ
وما قرأ أحدٌ «شَقوتنا» بفتح الشين، وكان بعضهم لا يجيزه البّتة فِيْ قراءة، ولا عرّبته. وهو عندي جائز؛ لأنه المَرة الواحدة من المصدر شَقِيَ، شَقْوَةً، ونام، نَوْمةً، وزقا الدِّيُك زَقوة. وقام زَيْد قَومة. إِلَا أنّ القراءةَ سنّةٌ لا يقرأ إلا بما قد قُرِئَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًا﴾.
قرأ نافع، وحمزة، والكسائي بالضم هاهنا وفي ص.
والباقون بالكسرِ، فمَنْ كَسَرَ جَعَلَهُ من الهُزْءِ والسُّخرية. ومن ضَمَّ جَعَلَهُ من السّخر.
وَقَالَ بعضُ العلماء: الاختيارُ الضَّمُّ لاتفاقِ الجميعِ عَلَى التي فِيْ الزُّخرف ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًا﴾.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: وقد قرأ التي فِيْ الزّخرف بالكسرِ ابنُ محيصن المَكيّ فيما حدَّثني عَنْهُ أَحْمَد بْن عبدَان، عَنْ عليّ، عَنْ أبي عُبَيْدٍ.
وحدَّثني ابنُ عَرَفَةَ، عَنْ ثَعلب، قَالَ: تَقُولُ العَرَبُ: رجلٌ سُخرةٌ: إِذَا كان النَّاسُ يسخرون منه. ورَجُلٌ سُخَرة - بفتح الخاء - إِذَا كان يَسخر من الناس. فالمفعولُ ساكنٌ، والفاعلُ متحركٌ. وكذلك رجلٌ هُزْأَةٌ وهُزَاَةٌ وضُحْكةٌ، وضُحَكةٌ. وامرأة طُلعْة قُبعْة إِذَا كانت كثيرةَ الاطلاع، فإذا أبصرها إنسان قَبعت أي: أدخلت رأسها. ورجلٌ نُكْحه: إِذَا كان كَثيرَ النِّكاح.
وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّهُمْ هُمُ الفَائِزُوْنَ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «إنِّهم» بالكسر عَلَى الابتداء و«إن» إذا كانت مبتدأة كانت
[ ٢٩٣ ]
مكسورة، والكلام قد تمَّ عند قوله: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَومَ بِمَا صَبَرُوا﴾ تلخيصه: إنِّي جزيتهم اليوم: الفوزَ بصبرهم، كَمَا يقال: اليومَ أجزيك بصنيعكَ حيث أحسنت إليَّ.
وقرأ الباقون بالفتحِ عَلَى تقديرِ: أنّي جزيتهم اليوم بما صبروا بأنهم هُمْ الفائِزُون.
ولأنَّهم. وروى خارجة، عَنْ نافعٍ مثل حمزة.
وقولُه تَعَالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾، ﴿قَالَ إنْ لَبِثْتُمْ﴾.
قرأها حمزةُ والكِسَائِيّ «قُل»، «قُل» عَلَى الأمرِ جميعًا.
وقرأ ابنُ كثيرٍ الأول عَلَى الأمرِ. والثانيِ عَلَى الخَبَرِ.
وقرأهما الباقون «قَالَ»، «قَالَ» عَلَى الخبرِ.
وكان ابنُ كثيرٍ، ونافعٌ، وعاصمٌ يظهرون الثَّاء عند التَّاء فِيْ «كَمْ لَبِثْتُمْ» إذ كانا غير متجانسين.
والباقون يُدغمون لقُرب التّاءِ من الثّاءِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾.
وقرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو هاهنا. وفي القصص. ترجعون، ويرجعون بضم التاء، والياء.
قرأ حمزة والكسائي بفتحهما فترجعون: تردون. ويرجعون: يصيرون.
وقرأ نافع هاهنا بالضمِّ. وفي القَصصِ بالفتح.
واختلفوا فِيْ ياءٍ واحدةٍ فِيْ هَذِهِ السُّورة.
﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ﴾.
فتحها نافع وابنُ كثيرٍ، وَأَبُو عَمْرو. وأسكنها الباقون. الأصل: لَعَلِّنِي أَعْمَلُ صالحًا. غير أن النّون أخت الّلام فخزلوا النُّون مَعَ اللَّام كَمَا تُحذف مَعَ النًُّون مثلِ إنّي قائمٌ، تريد: إنني.
[ ٢٩٤ ]