قولُه تَعَالى: ﴿كَأنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ برواية قُنبلٍ وأبو عَمْرٍو والكِسَائِيُّ «خُشْبٌ» مُخففًا.
وقرأ الباقون: «خُشُبٌ» مثقَّلًا، ثُمَّ يجمع الخشاب عَلَى خشب، والواحد خَشَبَةٌ وتجمع الخَشَبَةُ عَلَى خشاب، ثُمَّ تجمع أيضا عَلَى خشاب وخشابًا عَلَى خشبٍ، والخشاب فِي غير هَذَا قبيلةٌ، قَالَ جريرٌ:
عَدَلْتُ بِهَا طُهَيَّةَ والخِشَابَا
قَالَ الفَرَّاءُ يجمع الخَشب خشابًا ثُمَّ تجمع عَلَى خُشُبٍ مثل ثِمَار وثُمُرٍ. وإن شئتَ تجمع خَشَبَةً عَلَى خُشب مثل بَدَنَةٍ وبُدُنٍ، ومن أسكنَ مالَ إلى التَّخفيفِ، يُقال:
خُشْبٌ جمع خَشْباء مثل حَمْرَاءَ وحُمْرٍ ومَن أسكنَ الشّينَ فله مذهبان:
أحدُهما: أن يكونَ أرادَ المُثَقَّلَ فخفَّف، كما تَقُولُ فِي رُسُل: رُسْل.
والوجه الثَّاني: أنَّ العربَ تجمع فَعَلَةَ عَلَى فُعْلٍ، قَالَ اللَّه تَعَالى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فالواحدة بَدَنَةٌ.
قَالَ أَبُو عَمْرٍو: إنما أَجزت التّخفيفَ، لأنَّ الواحدةَ خَشْبَاءَ مثل حَمْرَاءَ، قَالَ أوسُ بْن حَجَرٍ - شاهدًا لأبي عَمرو -:
كأنَّهُمُ بَيْنَ السُّمَيْطِ وَصَارَةٍ وجُرْثُمِ والسُّوبانِ خُشْبٌ مُصَرَّعُ
والوَقف عَلَى قولِهِ: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ ثُمَّ تَبْتَدِئُ ﴿هم العدو فاحذرهم﴾.
وقوله تعالى: ﴿لووا رؤسهم﴾.
قَرَأَ نافعٌ وحده: «لَوَوْاْ رُءُوسَهُمْ» مخفَّفًا جعله من لَوى يَلْوِيْ والأصلُ: لَوَيواْ فحُذفت الضَّمةُ من الياءِ، فالتَقَى ساكنان الياءُ والواوُ فَحَذَفُواْ الياءَ لالتقاءِ السَّاكنين.
وقرأ الباقون: «لَوَّوْاْ» مشدّدًا، ومعناه: ينغضون رءوسهم أي: يحركون، استهزاء بقراء رَسُولِ اللَّه - ﷺ - والمُصدر من المُخَفَّفُ: لَوَى يَلْوِيْ لَيًّا فهو لاوٍ، والأصلُ: لويًا فقَلبوا من الواوِ ياءً، وأَدغموا الياءَ فِي الياءِ، ولَوَيْتُ غَرِيْمِي أَلوِيه لَيًّا، وليانا، وينشد:
[ ٤٤٥ ]
تظلين لياني وأنت مليئة فأحسن يا ذات التَّقَاضِيَا
وفي حَديثِ رَسُولِ اللَّه - ﷺ -: «لَيُّ الوَاْجِدُ ظُلْمٌ يُحِلُّ عِرْضُهُ بِعُقَوْبَتِهِ»، فالعِرض نَفسه يحلّ للرجل لزومها والعُقوبة الحَبس. والمصدر من المُشدد لَوَّى يُلَوِّى تَلْوِيَةً وتَلْوِيًّا فهو مُلَوٍّ والأمرُ من هَذَا: لَوِّ، ومن الآخر: ألوِ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ:
تَقُولُ العَرَبُ مَطَلَهُ، ودَالَكَهُ، ولَواه بمعنًى واحدٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقرأ أَبو عَمرو وحدَه: «وَأَكُونَ» بالواوِ، والنَّصْبِ جَعله نَسَقًا عَلَى «فَأَصَّدَّقَ» وذلك: أن «لَولا معناه» هلَّا وجوابُ الاستفهامِ والتَّخصيص بالفاءِ يكون منصوبًا، واحتّجَّ بأن فِي حرفِ عبدِ اللَّه وأُبيّ «أَكُونَ» بالواوِ مكتوبًا. قَالَ: إنّما حذفُوا الواوَ فِي الكتابةِ كما حُذفت من كلمون، وكما حذفت الألف من سُليمان.
وحدَّثني ابْنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاء، قَالَ: فِي بعض مَصاحف عبدِ اللَّه «فَقُلَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا» بغير واوٍ، وهو خَطَأٌ، والقِراءَةُ «فَقُوْلَا».
وقرأ الباقون بالجَزْمِ: «وَأَكُنْ» وحذفُوا الواوَ واحتَجُّوا بأنّها كُتبت فِي مُصحفِ عُثمان الَّذِي يُقال لَهُ: الْإِمَام بغير واوٍ، فأمَّا جَزمه فبالنَّسَقِ عَلَى موضعِ الفاءِ قبل دخولها والأصلُ: هلَّا أخرتني أَصَّدَّقَ وأَكُنْ، أنشدَ:
فأبلوني بَلِيَّتِكُمْ لعلِّي أُصَالِحَكُمْ وأَستَدْرِجْ نويا
فجزم «استدرجْ» عطفًا عَلَى الموضع فِي: «أصالِحَكُمْ» قبل دخول لعلى، والأصل: فأبلوني بليْتكم أُصالِحْكُم، وأستَدْرجْ ومثلُه قولُ الآخر:
مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ فَلَسْنَا بِالجِبَالِ وَلَا الحَدِيدَا
ولم يَختلف القُراء فِي إثبات الياء فِي «أخَّرْتَنِي» فِي وصلٍ ولا وقفٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُوْنَ﴾ فِي آخر السورة.
قَرَأَ عاصمٌ فِي روايةِ أَبِي بكرٍ بالياء إخبارًا عنْ غيب والباقون بالتاء أي: أنتم وهم.
[ ٤٤٦ ]