قوله تَعَالى: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾.
قرأَ أهلُ الكوفةِ مُنوَّنًا.
وقرأ الباقون: غيرَ منونٍ.
فمَنْ نوَّنَ جَعَلَ قَبَسًا نعتًا للشهابِ، وشهاب قبس: شعلةُ قبسٍ قَالَ الشَّاعِرُ:
فِيْ كَفِّهِ صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ فِيْهَا سِنَانٌ كَشُعْلَةِ القَبَسِ
وكلُّ أبيض يُورى فهو شِهَابٌ، وجمعه شُهُبٌ، والأشهب من الألوان: بياضٌ يخلطه سوادٌ. ويقال: سَنَةٌ شهباء وكَحلاء وحَمراء إِذَا كانت جَدبةً.
وقرأ الباقون: «بِشِهْابِ قَبَسٍ» مضافًا فيكون عَلَى ضربين: بشهاب من قبس، أو يكون قد أضافَ الشَّيءَ إلى نَفْسِهِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿هُدْى وبُشْرَى لِلْمُؤْمِنينَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وعاصمٌ وابنُ عامرٍ: «بُشْرَى» بلا إمالة عَلَى الَأصلِ.
وقرأ الباقون بالإمالة. وموضعُ «هُدًى وبُشْرَى» نصبٌ عَلَى الحالِ، تلك آيات القرآن هاديةً ومبشرةً.
قَالَ النَّحويون جميعًا: ويجوزُ أن يكونَ رفعًا عَلَى الابتداء، وخبرًا لابتداء أو تجعله خبرًا بعدَ خبرٍ، تلك آياتٌ تلك هُدًى وبشرى.
قوله تعالى: ﴿رآها تهتز﴾.
قرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الهمزة. وإنما أمال من أجلِ الياء.
وقرأ أهل الكوفة إلا حفصا: «رءاها» بكسرِ الراءِ والهَمزة أمالوا الهمزةَ من أجلِ الياء، وأمالوا الرضاء لمجاورة الهمزة. وهذا يسمى إمالة كَمَا يقال فِيْ رمى رمى.
وقولُه تَعَالى: ﴿ما لي لَا أَرَى الهُدْهُدَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ - برواية البزي - وابنُ عامرٍ - من روايةِ هشام - وعاصمً والكسائي بفتح الياء هاهنا وفي «يس».
وقرأ نافعٌ وَأَبُو عَمْرٍو بإسكان الياء هاهنا وفتحها هناك.
وأسكنها الباقون.
[ ٣١٨ ]
فمن أسكنها ذهب إلى التَّخفيف، ومن فَتَحَ فعلى أصلِ الكلمةِ، لأنَّ الياءَ اسمٌ مكني، وكلُّ مكني فإنه يُبنى عَلَى حركةٍ نحو الكاف فِيْ كَذَلِكَ، والتاء فِيْ قمت وذهب، وإنَّما السُّؤال فِيْ قراءة أبي عَمْرٍو لِمَ فتحَ حرفًا وأسكن آخر وهما سيَّان؟
ففي ذَلِكَ ثلاثةُ أجوبةٍ:
قَالَ أَبُو عَمْرٍو: إنَّمَا فرَّقتُ بينهما؛ لأنَّ الذي فِيْ النَّمل استفهام، والذي فِيْ يس انتفاء، ولم يذكر لم وجب أن يكون كَذَلِكَ.
وَقَالَ آخرون: جَمَعَ بين اللُّغتين ليُعلم أنَّهما جائزتان.
والقولُ الثالثُ: أن «ما لي لَا أَرَىَ الهُدْهُدَ» استفهام، يصلح الوقف عَلَى ما لي وما لك، فإذا وقفت سكنت الياء «وما لي لَا أَعْبَدُ» بني الكلام فيه عَلَى الوصل فحرك الياء إِذَا لم ينو الوقف.
وقيل لابن عَبَّاس: لم تَفَقَّدَ سليمانُ الهُدهدَ من بني الطير؟
فَقَالَ: لأنَّه كان قُناقنًا، أي: يعرف مواضع المياه. تَقُولُ العرب للذي يحفر الآبار: رجل قنقن وقناقن. وإنَّما رَفَعَ اللهُ العَذَابَ عن الهُدْهد لبرِّه بأبَوَيْه.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَوْ لَيَأَتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾.
قرأ ابن كثير: «أو ليأتينَّنِي» بنونين، الأولى مشدَّدةٌ نونُ التَّوكيد، والثَّانيةُ مَعَ الياءِ اسمُ المتكلم.
وقرأ الباقون: «أو لَيَأْتِيَنِّي» بنونٍ واحدةٍ كرهوا الجمعَ بين ثلاثِ نوناتٍ فخَزَلُوا واحدةً كَمَا قَالَ: ﴿إنَّا أَعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ والأصلُ: إنَّنا. ومعنى «بِسُلْطَانٍ مُبِيْنٍ» أي: بحجَّةٍ بيِّنةٍ. وكلُّ سلطانٍ فِيْ القرآن فهو حجَّةٌ.
حَدَّثَنَا ابنُ مجاهدٍ عَنْ السِّمَّرِيِّ، عَنْ الفَرَّاءِ، قَالَ: السُّلطانُ: الخليفةُ يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ، يُقال: قَضَتْ بِهِ عليك السَّلطان وقضى.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيْدٍ﴾.
قرأ عاصمٌ وحده: «فمكث» بالفتح.
وقرأ الباقون: «فمكث» بالضم، وهما لغتان مَكَثَ ومَكُثَ وحَمَضَ وحَمُضَ وكَمَلَ وكَمُلَ فهو ماكثٌ وحامضٌ وكاملٌ. والاختيار فَعَلَ بالفتح؛ لأنَّ فَعُلَ بالضَمِّ أكثرُ ما يأتي الاسم عَلَى فَعِيْل نحو ظَرُفَ وكَرْمَ فهو ظريف وكريم، وقد حكي لغةٌ ثالثةٌ فِيْ
[ ٣١٩ ]
كَمُلَ بالكسر وكُّل ذات صوابٌ. ومعنى ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍْ﴾ أي: غيرَ طويلٍ.
والبَعِيْدُ والطَّوِيْلُ بمعنًى.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾.
روى عَبْدٌ عَنْ أبي عَمْرٍو: «لَاْ يَحْطِمَنْكُمْ» بتخفيف النون وإسكانها جعلها نون التَّأكيد خفيفةً مثل اِضْرِبَنْ واذْهَبَنْ.
والباقون يشدِّدون، وهو أبلغُ فِيْ التأكيد. والعرب تَقُولُ: اضرب يا فتى فإذا كثر قالوا: اضربَنْ فإذا زادوا عَلَى التأكيد تأكيدًا قالوا: إضربَنَّ بالتَّشديد. ومثله «وَلَا يَغُرَنَّكُمْ بالله الغرور» و«ولا يَغُرَّنْكُمْ» وأَصل الحَطْمِ: الكَسْرُ يقال: حَطَمَ يَحْطِمُ وحَطَمَ يَحْطُمُ، وفلانٌ حَطَّمَتْهُ السِنُّ.
وقولُه تَعَالى: ﴿من سبإ بنبإ يقين﴾.
فيه ثلاث قراءات:
قرأ أَبُو عَمْرٍو وابنُ كثيرٍ: «مِنْ سَبَأَ» غيرَ منصرفٍ جعلاهُ اسم أرضٍ، أَبُو بلدةٍ، أو امرأةٍ. قَالَ الفَرَّاءُ: سُئِلَ أَبُو عمرٍو لِمَ لَمْ تَصرف سبأ؟ فَقَالَ: لأنِّي لا أعرفه. فقال الفراء: وقد جرى؛ لأن العربَ إِذَا لم تَعْرِفْ الاسم تَرَكَتْ صَرْفَهُ.
وقرأ الباقون: «من سبأٍ» مصروفًا، وكذلك اختلافهم فِيْ سورة سبأ، أَنشدَ ابنُ عَرَفَةَ - حجَّةً لمَنْ صَرَفَ -:
الوَارِدُوْنَ وَثَيْمٌ فِيْ ذُرى سَبَأٍ قَدْ عَضَّ أَعْنَاقُهُمْ جِلْدُ الجَوَامِيْسِ
والقراءةُ الثانيةُ: ما قرأت على ابن مجاهد عن قنبل، عَنْ ابن كثيرٍ «سَبَأْ بنبأٍ يَقِيْنٍ» ساكنةَ الهمزةِ، وإنما أسكَنه لأنَّ الاسمَ مؤنثٌ وهو ثقيلٌ والهمزةُ ثقيلةٌ فلما اجتمع ثقيلان أسكن الهمزة تخفيفا. ومثله «فتوبوا إلى بارئكم» قراءة أبي عَمْرٍو «ومَكْرُ السَّيءْ وَلَا يَحِيْقُ» كذلك قرأها حمزة.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ لله﴾.
قرأ الكِسَائِيُّ بتخفيف ألا جعله تنبيها وقف. ألا يا زَيْد، ألا يا هَؤُلَاءِ اسجُدوا، تقولُ العربُ: ألا يرحمونا، يريدون: ألا يا هَؤُلَاءِ ارحمونا. وإنما اختارَ الكسائيُّ التَّخفِيْفَ ولفظَ الأمرِ، لأنَّها سَجْدَةٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا يَا اسلمي يا دارمي عَلَى البَلَا ولا زَاْلَ مُنْهَلًّا بِجَرْعَائِكِ القطْرُ
[ ٣٢٠ ]
وقال آخر:
ألا يا اسلمي يَا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَدْرِ وإنْ كانَ حيانا عدى آخر الدهر
يريد: ألا يا هَذِهِ اسلمي، واحتجَّ الكسائيّ بما حدثني ابن مجاهد عن السمري، عن الفَرَّاء، قَالَ: فِيْ حرفِ عبدِ الله: «هَلَّا يسجدون» ف «هلا» تحضيض من السُّجودِ. وفي حرف أُبيّ: «ألا تَسجدون للذي يَعْلمُ سرَّكُم وجَهْرَكُمْ» وفي مصحفنا: «الذي يُخرجُ الخَبْءَ فِيْ السَّمَاوَاتِ» المَطَرُ. وفي الأرضِ: النَّباتُ.
وقرأ الباقون: «ألَّا يَسْجُدُوا» ف «يَسْجُدُوا» نصبٌ ب «أن» وعلامة النَّصب حذف النًُّون. وتلخيصه: وزين لهم ألَّا يَسْجُدُوا. فمن قرأ بهذه القراءة لَزِمَه أن لا يَسجد فِيْ هَذِهِ الآية، سَمعتُ ابنَ مجاهدٍ يَقُولُ ذَلِكَ، وكذلك قَالَ غيره من العُلماء، لأنَّه خبرٌ لا أَمرٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَعْلمُ ما تُخْفُوْنَ وَمَا تُعْلِنُوْن﴾.
قرأ الكسائيُّ وحفصٌ عَنْ عاصمٍ بالتاء أي: قُل لهم يا مُحَمَّد. والله تَعَالى يعلم السِّرَّ وأَخفى. قِيلَ: وأَخفى أي: ما حدَّثت بها أَنفسها. والسِرُّ: ما تُخفيه عَنْ المخلوقين.
وقرأ الباقون بالياءِ، ومعناه: الله يعلم ما يُسر ويُعلن هَؤُلَاءِ الكَفَرَة؛ لأنَّهم كانُوا يزنون فِيْ السِّرِّ، ولا يَزنون فِيْ العَلانِيَةِ، يتوهمون أنَّهم لا يُطالبون بذلك، وكانُوا يخفون عَنْ المَخلوقين ولا يَستحيون من الله، فأعلمهم الله تَعَالى أَنَّهُ يطالبهم ويعذِّبهم عَلَى السِرّ والجَهْرِ، وأنَّه لا يَخْفَى عَلَيْهِ خافيةً، وَقَالَ: ﴿يَسْتَخْفُوْنَ مِنَ النَّاسِ وَلَاْ يَسْتَخْفُوْنَ مِنَ اللهِ» و﴿إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿فأَلْقِهْ إِلَيهِمْ﴾.
أسكنَ الهاءَ حَمزةُ وعاصمٌ وَأَبُو عَمْرٍو.
وكسرَ الهاءَ من غير ياءٍ نافعٍ فِيْ رواية قالون.
وقرأ ابنُ كَثيرٍ والكِسَائِيُّ وورشٌ، عَنْ نافعٍ، «فَأَلْقِهِيْ إِلَيهِمْ» بياءٍ بعد الكسرة.
وقد ذكرت علة ذَلِكَ فِيْ آل عمران.
ومعنى «ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ» أي: اختفِ عَنْهُمْ، ثُمَّ انظر ماذَا يقولون.
وَقَالَ آخرون: معناه: التَّقديم والتَّأخير أي: فانظر ماذا يرجعون. ثُمَّ تَوَلّ عنهم.
[ ٣٢١ ]
وقولُه تَعَالى: ﴿أتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾.
قرأ حمزةُ: «أَتُمِدُّونِّي» بنون مشدَّدةٍ. وأَثبت اليَاءَ وَصَلَ أَوْ وَقَفَ.
والأَصلُ: «أَتُمِدُّوِْنَِنيْ»، النُّون الأول علامة الرّفعِ، والثانيةُ مَعَ الياءِ اسمُ المُتَكَلِّمِ.
ومعنى «أَتُمِدُّونَنِ» تَقُولُ العرب فِيْ الخير أَمْدَدْتُهُ وفي الشر مَدَدْتُهُ. قال الله تعالى:
﴿ويمدهم فِيْ طُغْيَانِهِمْ يَعْمهُوْنَ﴾.
وقرأ أَبُو عَمْرو والكِسَائِيُّ ونافع وابن كثير وابن عامر - برواية هشام - وأما هشام وابن كثير فأثبتاها فِيْ الحالين «أَتُمِدُّونَنِ» أظهروا ولم يدغموا غيرَ أنّهم يحذفون الياءَ من الوقفِ، لأنها لَيست ثابتةً فِيْ المصحف.
وقرأ الباقون: «أَتُمِدُّونَنِ» بنونين أيضًا، غير أنهم اجتزءوا بالكسرةِ عَنْ الياءِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَمَا آتَانِيَ الله خَيْرٌ﴾.
قرأ نَافعٌ وَأَبُو عَمرو وحفصٌ عن عاصم: «ءاتاني» بفتح الياء.
وقرأ الباقون: «ءاتان اللهُ» بغيرِ ياءٍِ إتباعًا للمُصحف.
والباقون أثبتوا وفَتَحُوا لئَلَّا تَسقطَ لالتقاءِ السَّاكنين أعنى: الياءَ واللَّامَ من اسمِ الله تَعَالى.
وكان الكِسَائِيُّ وحده يميل «ءاتاني الله» من أجل الياء «ءاتيك» الأَصلُ فِيهِ:
أَئْتِيْكَ به فَكَرِهُوا الجَمْعَ بين همزتين. الثَّانِيَةَ، و«ما» بمعنى الَّذِي وهو ابتداء، و«آتاني» صلةُ «ما»، «وخيرٌ»: خبرُ الابتداء، والتَّقدير: والذي آتاني اللَّه خيرٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ﴾.
قرأها حمزةُ بالِإمالة «ءاتيك».
والباقون يفخمون.
فإن سألَ سائِلٌ قوله: «فَمَا آتاني اللَّه» مددته لأنّه من الإعطاء.
فلم مَدَدْتَ «أنا ءاتيك بِهِ» وهو من المَجِيْءِ أي: أَنَا أجيئك بِهِ؟
فالجوابُ فِي ذلك: أنَّ المَقصورَ فِي الماضي من المَجِيْءِ، تَقُولُ: أتى زيدٌ عَمْرًا، وأَتَيْتُ زيدًا، فإذا رددت الماضي إلى المستقبل زادت على الهمزةِ همزةً، الأولى علامة استقبال، والثانية فاء الفعل، فصيرت الثانية مدة، فلذلك صارت ممدودًا «أَنَا آتيك بِهِ» وكذلك تَقُولُ: «قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إليك طَرْفُكَ» يعني: مدى ما ينظر الرَّجُلُ أمامه،
[ ٣٢٢ ]
و«قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَاْمِكَ» يعني: قبل أن تقومَ من مَجْلِسِ حُكْمِكَ.
وكان يجلس من صلاة الغداة إلى الظهر. و«الذي عنده علم من الكتاب»:
آصف بْن برخيا وكان عنده اسمُ اللَّه الأعظم «يا حي يا قيوم يا ذَا الجَلَالِ والِإكْرَامِ».
وقولُه تَعَالى: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ - برواية قنبل - بالهمز.
قرأ الباقون بترك الهمز. فقالَ قومٌ: هما لُغتان مثل الكأس.
وقال آخرون: ساق مثل باب. والأصل: سوق، فانقلبت الواوُ ألفًا، فلا يجوز همزهما. وهذا مما تغلط العربُ فِيهِ فتهمز ما لا يهمز تشبيها بما يهمز فكأس، ورأس، سواق وزنها واحدٌ، فَتُشَبِّهُ بعضًا ببعضٍ، أَلا ترى أنَّ العرب تَقُولُ: حلَّأتُ السَّويق والأصل: حَلَّيْتُ تشبيهًا بحلأت الْإِنْسَان عن الماء والإِبل. وجمع الساق فِي القلب أَسوق بغيرِ همزٍ، وإن شئت أسؤق بالهمز، لانضمام الواوِ، كما تقولُ: ثوبٌ وأثؤُبٌ ومثله: «وَإذا الرُّسُلُ أُقِتَتْ» والأصلُ: وُقِّتت، فصارت الواوُ همزةً لانضمامها.
ولابنِ كثيرٍ حُجَّةٌ أُخرى: وذَلك أنَّ العربَ تعمد إلى حرف المد واللين فيقلبون بعضا من بعض؛ لاشتراكهما في اللفظ، ويقلبونها همزةً، والهمز تُقلب حرفَ لينٍ، كان العجاج، من لغته أن يقول: جاء العألم، وأنشد:
بخندف هامة تُضَارِعُها نحو بِسِمْسِمٍ أَوْ عَنْ يَمِيْنِ سِمْسِمِ
وأمَّا قوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ﴾ فقرأها ابنُ كثير بالسوق مهموزًا أيضًا، فهذه الواو وإن كانت ساكنةً فإنه شبهها بيؤمنون، لأنَّهما فِي الهجاء واوٌ.
قال ابنُ مُجاهد: وهذا غَلَطٌ. والاختيارُ فِي قراءَةِ ابن كثيرٍ «طَفِقَ مَسْحًا بالسُّووقِ والأَعنَاقِ» على فُعُول فيجتمع واوان الأولى أصليةٌ عينُ الفعل، والثانيةُ مزيدةٌ ساكنةٌ، فانقلبت الأولى همزةً لانضمامها، كما تقول: خال بين الخئولة وغارت عينُه غوورًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿لنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُوْلَنَّ﴾.
قرأ حمزة والكِسَائِيّ بالتاءِ، ومعناه: تَقَاسَمُوا بالله قالُوا حلفوا لتُبيتنه وأهله.
ومعناه: أنهم تحالفوا ليقتلن صالحًا وأهله أي: قومه، ولنهلكنهم «ثُمَّ لَنَقُوْلَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ» أي: ما فَعَلْنَا ذلك. فذلك مكرهم فأرسل اللَّه عليهم صخرة فدمغَتْهُمْ فقال تَعَالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
[ ٣٢٣ ]
وقرأ الباقون: «لنُبَيِّتَنَّهُ ثُمَّ لَنَقُوْلَنَّ» بالنون.
وفيها قراءة ثالثة: حدثني أحمد، عن علي، عن أبي عبيد أن حميدا قرأ:
«لنبيتنه .. ثُمَّ لَنَقُوْلَنَّ» بالياء جعل الإخبار عن غَيْبٍ. وهذه النُّون مشدَّدةٌ فِي يبيِّتنُ ويقولُن أسقطت الواو، والأصل ليبيِّتون، وليقولون، فسقطت الواو لالتقاء الساكنين.
ويقال: باتَ فلان يفعل كذا: إذا فعله ليلًا. وظلَّ فلانٌ يفعل كَذَا: إذا فعل نَهارًا.
ويٌُقال: طَرَقُهْم أتاهم لَيلًا، أَوَّبَهُمْ أتاهم نهارًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿مَاْ شَهِدْنَاْ مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾.
فِيهِ ثلاث قراءات:
قرأ عاصم - فِي رواية أَبِي بَكْر -: «مَهْلَك» بفتح اللام والميم.
وقرأ فِي رواية حفص: «مَهِلكَ» بكسر اللام وفتح الميم.
وقرأ الباقون: «مُهلَك» بضمّ الميم، وفتح اللام.
فمن ضمَّ جعله مصدرًا من أَهلك مُهلكًا، مثل: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ ومن كَسَرَ اللَّامَ أو فَتَحَها على قراءةِ عاصمٍ مصدرَ هَلَكَ ثلاثيًا لا رباعيًا. وقد أحكمتُ هذا فِي سورة «الكهف» ويقال: هَلَكَ زيدٌ، ماتَ، وهَلَكَ إذا وقع فِي بَلِيَّةٍ، وجمع هالك: هُلَّاك وهالكون، وأما قولهم فِي المثل: «هالك فِي الهوالك» فإن هذا جَرى كالمثل لا يٌقاس عليه، لأنَّ فواعل جمع لفاعِلَةٍ لا لفاعل وإنما جاءَ فارسٌ، وفوارس، لأنَّ الفروسية تكون فِي الرِّجال دون النّساء، فأَمِنُوا اللَّبسَ و﴿رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ قال المُبَرِّدُ: كلُّ صفةٍ على فاعل نحو ضارب وجالس فإنه لا يجمعه على فواعل إلا نحو ضوارب، وجوالس فرقًا بين المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، تَقُولُ المؤنث: امْرَأَة صالحة، وضاربة، والجمع صوالح، وضوارب، وجوالس، قرأ طَلْحَةَ: «فالصَّوَالحْ، قَوَانتْ حوافظ للغيب» فأما قولُ الشّاعِرُ:
وإذَا الرِّجَالُ رَأَوا يَزِيْدَ رَأَيْتَهُمْ خَضُعَ الرِّقاب نَوَاكِسَ الأَبْصَارِ
فإنه اضطُرَّ إلى ذلك. ويُقالُ: تَهَالَك الرَّجل لِفُلانٍ: إذا تواضع له، وامرأةٌ هلوكٌ:
فاسدةٌ. ويُقال: اهتلك يَهْتَلِكُ: إذا اجتهد فِي الطّيران وغيره، قال: زُهير يَصِفُ صَقْرًا:
دونَ السَّماءِ وفوقَ الأَرضِ قَدْرُهُمَا عند الذنابى فلا فوت ولا درك
[ ٣٢٤ ]
ينقد عندَ الذُّنَابَي لا صوتٌ وأزمَلَةٌ تكادُ تخطَفُهُ طورًا وتَهْتَلِكُ
وقولُه تَعَالى: ﴿أنَّا دَمَّرنَاهُمْ﴾.
قرأ أهل الكوفِة: «أنًّا» بفتح الألف.
وقرأ الباقون: «إنَّا» بالكسرِ. فمَن كسر استأنف وابتدأ، ومن فَتَحَ جعله فِي موضعِ نَصبٍ على تقديرٍ: فانظر كيف كان عاقبة مكرهم بأنَّا دمَّرناهم، فلما سقطت الباء حكمت عليها بالنَّصب فِي قول النَّحويين إلا الكِسَائِيّ، فإنه يَجعل موضِعه خفضًا مع سقوطِ الباءِ.
وقال آخرون: مَن فَتح «أنَّا» جعل «أنَّا» مع ما بعدها فِي موضع اسم، وجعله خبر «كان»، وتلخيصه: فانظر كيف كان عاقبة مكرهم التَّدمير.
وقولُه تعالى: ﴿أإنكم لَتَأْتُوْنَ﴾ الفَاحشةَ.
قرأ ابنُ كثيرٍ: «أَيِنَّكم» بياء بعد الهمزة.
وقرأ نافعٌ وأبو عَمْرٍو: «آينكم» ممدودا.
وقرأ الباقون: «أإنكم» بهمزتين. وقد أحكمنا علته فيما سلف. ومعنى قوله:
﴿لَتأتُونَ الفَاحِشَةَ﴾: اللِّواط وما كان يعرف هذا الفعل قبلَ قومِ لوطٍ، قولُه تَعَالى: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا من أَحَدٍ مِنَ العَالَمِين﴾ فأنذرهم لَوْطٌ ﵇ عذابَ اللَّه. فلم يرعووا حَتَّى أرسل اللَّه تَعَالى نقمته وأهلكهم. واللواط كالزِّنا سواءً، يحدُّ فاعله. وقد حرَّق أَبُو بَكْر رحمةُ اللَّه عَلَيْهِ رجلًا لُوطِيًا بالنَّارِ. وكذلك عليٌّ ﵁ هَدَمَ على لُوطِيٍّ حائطًا. والعربُ تَقُولُ: هذا أليط بقلبي بالياء، وأصله الواو، لئلا يلتبس بألوط من الِّلوَاطِ عَلَى أَنَّهُ قد جاء فِي الحديث: «الوَلَدُ أَلْوَطُ بالقَلْبِ» أي: أَلْصَقُ بالقَلْبِ من غيره. ويقال: لاطَ زيدٌ حَوْضَه يَلُوْطُ: إذا أصلحه بالمُدر لئلا يخرج الماء. والفاحشة فِي غير هذا الموضع الَّذِي قال اللَّه تعالى: ﴿واللاتي يَأْتِيْنَ الفَاحِشَةَ﴾. الزِّنا وسَمِعْتُ بعضَ النَّحويين، يَقُولُ: اللُّوطِيُّ هذا المَفعول بِهِ، لأنَّه يلصق فِي الأرض، وسُمي الفاعل أيضًا للصوقه بالمفعول بِهِ، لأنَّه يلصق فِي الأرض، وسُمي الفاعل أيضًا للصوقه بالمفعول وفي جزءٍ آخر يقتل الفاعل والمفعول. وكذلك من أَتى بهيمةً حُدَّ وذُبحت البهيمة؛ لأنَّ بني فَزارة خاصةً كانوا يأتون النُّوق، فولدت مرةً ناقةٌ بإنسانٍ، فقال شاعِرُهُم:
[ ٣٢٥ ]
خذ بيدي خذ بيدان إنَّ بني فَزارة بن بيان
قد وَلَدَتْ ناقتهم بإنسان مُشنَّأ أعجب بخَلْق الرَّحمن
وقال آخر يهجو بني فزارة:
لا تَأْمَنَنَّ فَزَاْرِيًّا خَلَوْتَ بِهِ عَلَى قَلْوْصُكَ واكْتُبْهَا بأَسْيَارِ
معنى واكتبها، أي: اشُدد بها. يقال: كتبت القربة: إذا خَرزتها، ويقال: كتبتُ الكتابَ، أي: ضمَمْتُ الحروفُ بعضها إلى بعضٍ وجمعتُها تَشبيهًا بالخَرْزِ. وسُمِّيَتِ الكتيبةُ كتيبةً لاجتِمَاعها. قال ذو الرُّمة:
وَفْرَاءَ غُرْفِيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزْهَا مُشَلْشَلٌ ضيَّعَتْهُ بينَها الكنب
وقولُه تَعَالى: ﴿قَدَّرْناها مِنَ الغابِريْنَ﴾.
قرأ عاصمٌ فِي رواية أَبِي بكرٍ: «قَدَرْناهَا» مخففا كقوله: «فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُوْنَ﴾ «ولو كان» «قدَّرْنَاهَا» مُشدَّدًا لقال: «فنعم المُقَدِّرُوْنَ».
وقرأ الباقون مشدّدًا.
والعربُ تَقُولُ: قَدَرْتَ. وقَدَّرْتُ بمعنى التَّقدير. وقَدَرَ يَقْدُرُ وقدر يقدر مشددا، أو مخففًا بمعنى ضيَّق عَلَيْهِ من قوله: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ وقد قرأ «فقدَّر عَلَيْهِ رِزْقَهُ» بالتَّشديِد أَبُو جَعفر المَدَنِيُّ، وابنُ عامرٍ.
وقولُهُ تَعَالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّاَ يُشْرِكُوْنَ﴾.
قرأ عاصمٌ وأبو عَمْرٍو: «يُشركون» بالياء.
والباقون بالتَّاءَ، فأمَّا قولُه: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ فاتَّفقوا عَلَى تَخْفِيْفِه، وأمَّا قولُه: ﴿فُظَنَّ أَنْ لَنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ فقرأ الحَسَنُ: «أنْ لَنْ نُّقَدِّرَ عَلَيْهِ» بالتَّشديد أي: أن لن نضيِّق عليه.
وقوله تعالى: ﴿أإله مَعَ الله قَلِيْلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾.
قرأ أَبُو عمرو وحده: «يذكرون» إخبارًا عن غيبٍ.
وقرأ الباقون: «تَذَكَّرُون» عَلَى الخطاب بالتاء.
غير أن حمزة والكِسَائِيّ وحفصًا يخففون الذَّالَ، لأنهم أسقطوا التاء.
والباقون شدَّدُوا ذلك؛ لأنَّهم أدغموا التاء فِي الذال وجميع ما في هذه السورة أإله فإنّك تقف عَلَى كل ما يأتي فِي هذه السورة أإله مَعَ اللهِ. وذلك أنَّ اللَّه تَعَالى ذكرَّهم
[ ٣٢٦ ]
نَعَمَهُ، وعدَّدهم عليهم، فَقَالَ: ﴿أَمَّنْ يُجِيْبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاْهُ﴾، ﴿أَمَّن خَلَقَ السَّماواتِ﴾، ﴿أَمَّنْ يَهْدِيْكُمْ﴾. أإله مَعَ اللَّه يا مَعشَرَ الجَهَلَةِ، فلِمَ تَعبدون معه غيره من لا يقدر عَلَى ضرٍّ ولا نفع؟ ! فالوقف على «أإله مَعَ اللهِ» تامٌ، والهَمْزَةُ الأولى ألفُ توبيخٍ فِي لَفْظٍ الاستفهامِ والثانيةُ: أَصْلِيَّةٌ، فاءُ الفعل إلهٌ وآلهةٌ مثل رداء وأردية، ومن همز قوله: «أأنذرتهم»، «أإذا» قرأ «أإله» ومن مدّ هناك مد هُنا ومن لين الثانية هناك لين هاهنا.
وقولُه تَعَالى: ﴿بَلْ أدّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخرة﴾.
فِيهِ ستُّ قراءات:
قرأ أهلُ الكوفةِ ونافعٌ وابنُ عامرٍ: «بَلْ ادارك» أرادوا: بل تَدَارَكَ علمهم فأدغَمُوا التاءَ فِي الدَّالِ بعد أن قلبوها دالًا، وأتوا بألفِ الوصلِ لسكون الحَرف المُدغم، ومثله: «قَاْلُوا اطَّيَّرْنَا» بمعنى: تطيرنا «فادارأتم فيها» والأصل: تدارأتم، واحتجوا بقراءة أُبَيٍّ: «بل تَدَارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ».
وقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرٍو: «بلا أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ» من أَفعل يُفعل. وتَدارك زيدٌ أمرَهُ وأدرَك بمعنًى، ومثله: «إنَّا لَمُدْرَكُوْنَ» «ولمَّدَرَكُوْنَ» عَلَى قراءةِ الأَعْرَج. فعلى قراءة أَبِي عَمْرو: الألفُ ألف القطعِ. وعلى قراءة الباقين الألفُ ألفُ الوصلِ وكسرة اللّامِ من بل لسكونها. وسكون الدَّالِ المدغمة.
وحدثني أحمد بن علي، عن أبي عبيد أن عطاء بْن يَسار قرأ: «بَلَ ادَّرَكَ عِلْمُهُمْ» موصول الألف: أراد: بل أدرك، فنقل فتحة الهمزة إلى اللام، فانفتحت اللامُ وسقطت الهمزةُ. كما قرأ وَرْشٌ: «قَدَ افْلَحَ المُؤْمُنِوْنَ» يريد: قد أفلح وكقولِ العربِ مَنَ ابُوك؟ يريدون: مَنْ أَبُوْكَ.
والقراءة الخامسة: قراءة ابن محيصن: «بل آدرك علمهم» ممدودٌ عَلَى الاستفهامِ، قال النَّحويون: غَلَطٌ لأن «بل» تَحقيقٌ وإيجاب، و«آدرك» بالمدّ نفي الإِدراكِ، فلا يلي المَنفى موجبًا.
والقِراءةُ السَّادِسَةُ: قراءةُ ابنِ عبَّاس: «بَلَى أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ» ف «بلى» جوابُ الجَحْدِ ويَصلحُ الوقفُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يبدأ بألفِ الاستفهامِ والتَّوبيخِ أَدْرَكَ أَمْ لم يدرك؟
[ ٣٢٧ ]
وقوله تعالى: ﴿أإذا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرٍو: «أيِذَا أيِنَّا» جمعا بين الاستفهامين غيرِ أنَّ ابنَ كثيرٍ يقصرُ، وأَبُو عمروٍ يمدُّ.
وقرأ حمزةُ وعاصمٌ بالجمع بين الاستفهامين، وبهمزتين عَلَى أصل الكلمة، وقد أحكمت عللَ هذا فيما تقدم، فأغنى عن الإعادة.
وقرأ نافعٌ: «إذا» بغيرِ استفهامٍ «آيِنَّا» خلافُ أصله واحدة عَلَى الخبر.
وقرأ الكسائي وابن عامر «أإذا» بالاستفهام والهمزتين «أإننا» بنونين عَلَى الجر.
وقولُه تَعَالى: ﴿ولا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾.
قرأ ابن كثير والمسيبي عن نافع: «في ضيق» بكسر الضاد.
وقرأ الباقون: «فِي ضَيق» وقد فسرته فِي النحل.
وقولُه تَعَالى: ﴿ولا تُسمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
قرأ ابن كثير وحده: «وَلَا يَسْمَعُ» بالياء، «الصمُّ» بالرفع جعلهم هُمْ الفاعلين.
وقرأ الباقون: «وَلَا تُسْمَعُ» أنت يا مُحَمَّد بالتَّاءِ خطابًا لرسولِ اللَّه - ﷺ -، «الصم» بالنصب مفعول بِهِ أي: ولا تسمع أنتَ يا مُحَمَّد القومَ الصُّمَّ «الدُّعَاءَ» مفعول ثانٍ. والصُّمُّ مثلٌ، لأنَّهم لو لَم يَسمعوا ولَم يُبصروا ما وَجَبَتْ الحُجَّةُ عليهم، ولكنَّه لما خَاطبهم وَوَعَظَهُمْ فَتَكَبَّرُوا عن المَوْعِظَةِ ومَجَّتْها آذانهم صارُوا بمنزلة من لا يسمع.
وقولُه تَعالى: ﴿ومَا أنْتَ بِهادِي العُمْىِ﴾.
قرأ حمزةُ وحده: «وَمَا أَنتْ تَهْدِي العُمْىَ» جعله فعلًا مضارعًا وكذلك فِي الرُّوم فيلزم من قرأ بقراءة حمزة أن يقف بالياء فِي السورتين كليهما.
وقرأ الباقون: «بهادِي» ف «هادي» اسم فاعل، وهو فِي موضع جرٍّ بالباء وهو خبر «ما» كأنه يَقُولُ: ما أنت بقائم، ولو أسقطت الباء لقلت ما أنت قائمًا، فإذا قلتَ: ما أنت تقوم ف «تقومُ» نصبٌ فِي المعنى، رفعٌ فِي اللَّفْظِ.
وكتبت «بهادي» بالياء على الأصل. وكتبت فِي الرُّوم «بهادِ» بغير ياء عَلَى الوقف، والاختيار أن تقف هاهنا بالياء، وثم بغير ياء على الوقف، اتباعًا للمُصحف. ويجوزُ فِي النَّحو إسقاط الياء من الجميع، وأثباتها.
[ ٣٢٨ ]
حَدَّثَنَا ابْنُ مجاهدٍ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحيى الكِسَائِيّ، عن خلف، قال: كان الكِسَائِيّ، يَقُولُ: من قَرَأ «تَهْدِي» بالتاء وقف عليهما بالياء. قال: خلف: وسَمِعْتُ الكِسَائِيّ يقف عليهما جميعًا.
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَرَفَةَ، قال: حَدَّثَنِي المُبَرِّدُ، قال: سمعتُ عُمارة بْن عَقيل بْن بلال بْن جَرير يقرأ: «وَمَا أَنْتَ بِهادٍ العُمْىِ» وهو جيِّدٌ فِي العَرَبِيَّة. كما تَقُولُ: براكبٍ الفرسَ، وبراكبِ الفرسِ، فعلى هذا القراءة تقف «هادٍ» بغير ياءٍ مثل «ولا مَوْلُوْدٌ هُوَ جَازٍ»، «فاقضِ ما أَنْتَ قَاضٍ».
وقولُه تَعَالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ أنَّ النَّاسَ﴾.
قرأ أهل الكوفة بالفتح، واحتجوا بقراءة ابْنُ مَسْعُود «تُكَلِّمُهُمْ بِأَنَّ النَّاسَ» بالباء فلما سقطت الباء حكمت عليهما بالنَّصبِ، و«أنّ» إذا كانت فِي موضع اسم كانت فِي موضع الرَّفع والنَّصب والجَرّ، لأنها تعرب كسائر الأسماء.
وقرأ الباقون بالكسرِ عَلَى الاستئناف، لأنَّهم جعلوا الكلام عند قوله «تُكَلِّمُهُمْ» تامًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾.
اتفق القراءُ عَلَى تشديدِ اللَّام إلا ابنَ عباس فإنه قرأ: «أخرجنا لهم دَآبَّةً من الَأرْضِ تَكْلِمُهُمْ» مخففا، أي تَسِمُهُم؛ تَجْرَحُهُمْ. تَقُولُ العرب: كلمتُ زيدًا أي: جَرَحْتُهُ، وكلَّمْتُهُ من الكَلَامِ. وربما قيل فِي الجراحة: كلَّمته بالتَّشديد، ولا يقال: كلمته فِي الكلام بالتَّخفيف.
وقولُه تَعَالى: ﴿وُكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِيْنَ﴾.
قرأ حمزةُ وحفصٌ، عن عاصمٍ «وكلُّ أَتَوْهُ دَاخِرِيْنَ» جعلوه فعلًا ماضيًا، كما تَقُولُ: غَزَوْهُ، قَضَوْهُ، والأصل: أتيوه، وقضيوه وغزووه، فاستثقلوا الضمَّ عَلَى الياءِ والواو فخزلوها، وحذفوا الياءَ والواوَ لِسُكونِها وسكون واو الجمع.
وقرأ الباقون: «وكل ءاتوه» بالمَدّ عَلَى فاعلوه مثل ضاربوه، والأصل: آتَيُونَهُ فذهبت الياءُ لما أعلمتك، والنون للإِضافةِ. ومددت أول الكلمةِ، لأنَّ الهمزةَ الأُولى فِي أوله فاءُ الفعلِ، والألفُ الثانيةُ ألفُ فاعلينُ زائدةُ مجهولةٌ. ولو قرأ قارئ «وكلُّ»
[ ٣٢٩ ]
ءَآتاهُ» فوحد جازَ، لأنَّ «كلَّ» له لفظٌ ومعنى فلفظه التَّوحيد ومعناه الجَمْع، فمَن جَمَعَ ردَّه إلى معناه ومن وحده ردَّه إلى لَفظه. كما قال: ﴿وُكُلُّهُمْ آتِيْهِ يَوْمَ القِيَامَةٍ فَرْدًا﴾. فوحَّد رد إلى اللفظ. ولو قرأ قارئٌ «وكلُّ آتِيْهِ» كان صوابًا غيرَ أنَّ القراءة سنة يأخذها آخر عن أول، ولا تُحمل عَلَى قياس العربية ومَنْ فَعَلَ ذلكَ كان عندَ العُلماء مَعِيْبًا مُبْتَدِعًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿خَبِيْرٌ بما تَفْعَلُوْنَ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ بالياء، إخبارًا عن غيبٍ، والخبير بالشيءِ: العالمُ بِهِ من جميع أقطاره، يقال: خَبِرٌ يخبر فهو خبر مثل فَطِنٌ، وخبر فهو خابرٌ: إذا عرف أقطار الأرضِ ومصالح الزِّراعة؛ لأنَّ الأَكَّارُ يقال له: الخبير. والخبر: المزادة الواسِعَةُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾.
قرأ أهلُ الكوفة: «مِنْ فَزَعٍ» منونًا ب «يَوْمَئِذٍ» نصبًا فمَنْ نون لم يُجز فِي الميمِ إلَّا النَّصب.
وقرأ أَبُو عَمْروٍ وابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ: «من فَزَعِ يَوْمِئِذٍ» بكسر الميمِ غير منون جعلوه مضافًا.
وروى إِسْمَاعِيل، عن نافعٍ «مِنْ فَزَعِ يومئذ» لم ينون وفتح الميم، لأنَّه جعلَ «يومَ» مَعَ «إذ» كالاسمِ الواحدِ؛ ولأنَّ إضافة «يومَ» إلى «إذ» غير محضة؛ لأنَّ الحروف لا يُضاف إليها ولا إلى الأفعال، لا يقال: هذا غلامُ يقوم، ولا يقال: هذا غلام إذا، وإنما أجازوا فِي أسماء الزَّمان الإضافة إلى الحروف وإلى الأفعال نحو «هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِيْنَ» لعلَّةٍ قد ذكرتها.
وقولُه تَعَالى: ﴿بغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُوْنَ﴾ فِي آخر النمل.
قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وحفصٌ عن عاصمٍ «تَعْمَلُوْنَ» بالتَّاء.
وقرأ الباقون بالياء.
وفي هذه السورة ستُّ ياءات إضافة:
«إني آنَسْتُ نارًا» «أَوْزِعْنِيَ أنْ» «ما لي لا أرى» «إني ألقي إلي» «ءاتان الله» «ليبلوني أأشكر».
[ ٣٣٠ ]
فَتَحَهْنَّ نافعٌ فِي رواية ورش.
وفتحَ ابنُ كثير «أوزعني» و«إني» و«ما لي» وأسكن الباقي.
وحرَّك أَبُو عَمْرٍو حرفين «إنيَ ءانست» و«ءاتان الله».
وفتح عاصم والكسائي: «ما لي» وأسكن الباقي.
وفتح حفص «ءاتان اللَّه».
وأما حمزة وابنُ عامرٍ فإنهما أسكنا كل ذلك.
[ ٣٣١ ]