قولُه تَعَالى: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾.
قرأ ابن كثير وَأَبُو عَمْرو مشدّدًا.
وقرأ الباقون مخفّفًا. فمن شدَّدَ فمعناه: بيَّناها وفصَّلناها وأحكمناها فرائض مختلفة.
وَقَالَ الفراء: من شدَّد فمعناه: فرضناه عليك وعلى من يَجيءُ بعدك.
فالتَّشديدُ للتَّكثِيرِ، والدَّوامِ، ومَنْ خفَّف يجعله من الفَرْضِ فرضنا؛ لأن الله تَعَالى ألزم العباد بِهِ لزومًا لا يفارقهم حتَّى الممات، مأخوذ من فرض القوم، وهو الحزُّ الذي فيه الوتر. والفَرْضُ فِيْ غير هذا: صِنْفٌ من التَّمْرِ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا أَكَلْتُ سَمَكًا وفَرْضًا ذَهَبْتُ طَوْلًا وذَهَبْتُ عَرْضًا
والفَرْضُ أيضًا: نُزُول القرآن. قَالَ الله تعالى: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: إلى وَطَنِكَ بِمَكَّةَ، و﴿سورة أنزلناها﴾. يرفعه عند الكوفيين والبصريين بإضمار هَذِهِ سورةٌ، لأنّ النَّكِرَةَ لا يُبتدأ بها.
وقرأ عِيْسى بْن عُمر «سورةً أنزلناهَا» بإضمار فعل تقديره: أنزلنا سورةً.
وقولُه تَعَالى: ﴿ولا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةً﴾.
فيه أربع قراءات:
قرأ أَبُو عَمْروٍ: «رافةً» بترك الهمزةِ إِذَا نَزَلَ.
وقرأ ابنُ كَثِيْرٍ: «رأَفةً» بفتح الهمز من غيرِ مدٍّ.
وقرأ سائِرُ النَّاسِ: «رَأْفَةً» بالهَمْزِ، والجَزْمِ، وهو الأصلُ، يقال: رؤف الرجل بالأجراء: إذا سَقِمَ سَقَاْمَةً، ورَؤُفَ رَأَفًا مثل كَرُمَ كَرَمًا.
فأما ابن كثير أدخل الهاء وبقاه عَلَى الفَتْحِ. كَمَا قرأ حفص: «سَبْعَ سِنِيْنَ دَأَبًا».
وحدَّثني ابنُ مُجاهدٍ، عَنْ السِّمَّرِيِّ، عَنْ الفَرَّاءِ، قَالَ: تَقُولُ العربُ: السَّأَمةُ، والسَّآمةُ، والرأفةُ، والرآفة، فالرأفة، المرَّة الواحدة. والرآفة المصدر المجهول.
وحَدَّثَنَا الصُّوليّ، قَالَ حَدَّثَنَا: الطبري النَّحوي، عَنْ المازِنيُّ، عَنْ أبي زيدٍ، قَالَ:
سمعتُ ابنَ جُرَيْجٍ يقرأ «وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَآفَةً فِيْ دِيْنِ الله» بالمدِّ مَصدر رَؤُفَ رَآفةً.
[ ٢٩٥ ]
وقرأَ النَّاسُ كلُّهم: «وَلَا تَأْخُذْكُمْ» بالتاءِ إلا أبا عَبْد الرّحمن السُّلميّ فإنه قَرَأَ «وَلَا يَأخُذْكُمْ» بالياء. فمَن أنَّثَ فَلِتأنيثِ الرَّأفةِ لَفْظًا. ومن ذكر فلأنَّ تأنيثَها غيرُ حقيقي.
وسَمِعْتُ ابنُ عَرَفَةَ، يَقُولُ: الرَّأفةُ رِقَّةُ الرَّحمةِ، واعلم أن الرآفة بالمدّ: لغةٌ لا قراءةٌ، إلَّا ما ذكرتُهُ، عَنْ ابنِ جُرَيْجٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بِاللهِ﴾.
قرأ حمزةُ، والكِسَائِيُّ، وحفصٌ، عَنْ عاصمٍ «أَرْبَعُ» بالرَّفعِ، جعلوه خبرَ الابتداء، والمبتدأ «فَشَهَادَةُ».
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مَنْ رَفَعَ فقد لَحَنَ؛ لأنَّ الشَّهادة واحدةٌ. وقد أخبر عَنْهَا بجمعٍ.
ولا يَجوزُ هذا كَمَا لا يجوزُ زيدٌ إخوتُكَ. وغَلِطَ، لأنَّ الشهادةَ وإن كانت واحدةً فِيْ اللَّفظِ فمعناها الجَمْعُ، وهذا كقولِهِ صلاتِي أجمعين، وصَوْمِي شَهْرٌ.
وقرأ الباقون: أَرْبَعَ بالنَّصب، جعلوهُ مفعولًا، أي: تَشهد أربعَ شهاداتٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿والخامسة أن لعنت اللهِ عَلَيْهِ﴾، و﴿أنَّ غَضَبَ اللهِ﴾.
قرأن نافعٌ وحده بتخفيف «أن» و«لَعْنَةٌ» رفعٌ بالابتداء، وغضب فعل ماض.
واسمُ الله تَعَالى رفعٌ بفعله.
وقرأ الباقون بتَشديدِ «أنَّ» ونصبِ الغَضَبِ واللَّعْنَةِ.
ومعنى هَذِهِ الآية أن مَن قَذَفَ محصنَةً مسلِمةً بفاحشةٍ فلم يأتِ بأربعةِ شُهداء جُلِدَ ثمانين، ومَن رمى امرأته بفاحشةٍ تَلَاعَنَا. والمُلاعنة: أن يبدأ الرَّجُلُ فيحلف بالله الذي لا إله إلا هو أَنَّهُ صادِقٌ فيما رَماها بِهِ، ويشهد الخامسةُ أنَّ لعنةَ الله عَلَيْهِ إن كان من الكاذِبين فيما رمَاها بِهِ، وتَشهد المرأة أربعُ شهاداتٍ بالله إنه من الكاذبين فيما رماها بِهِ، وتشهد الخامسة أنَّ غَضَبَ الله عليها إن كان من الصادقين. ثُمَّ يفرق بينهما فلا يجتمعان أَبدًا.
فأمَّا مَنْ قذف مُسلمة فلا تُقبَلُ شهادته أَبَدًا. ويقبل الله توبته. وَقَالَ آخرون: تقبل شهادته إن كان الله قد قبل توبته. فيجعل الاستثناء فِيْ قوله: ﴿أولئك هُمْ الفاسِقُون﴾.
﴿إلّا الَّذِيْنَ تابوا﴾ استثناءً متصلًا. وقرأ حفصٌ وحده، والخامِسَةَ بالنَّصب عَلَى تأويل.
وتشهد الخامسةَ.
والباقون يرفعون عَلَى الابتداء والخبر.
[ ٢٩٦ ]
وقولُه تَعَالى: ﴿إذْ تَلَقَّونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾.
فيه خمسُ قراءاتٍ:
قرأ أَبُو عَمْروٍ وحمزةُ والكِسَائِيُّ «إذْ تَّلَقَّونَهُ» بإدغام الذَّال فِيْ التاء لقربهِما وبسكون الذَّال.
وقرأ الباقون: ««إذْ تَلَقَّونه» بالإظهار؛ لأنَّ الذالَ ليست أختًا للتاء. وهما من كلمتين.
وقرأ ابنُ كثيرٍ: «إذْ تَّلَقَّونَهُ» بتشديد التّاء. أراد: تتلقونه فأدغم وليس بجيِّدٍ، لأنَّه جمع بين ساكنين.
وقرأ ابنُ مسعودٍ وأُبِّيُّ: «تَتَلقَّونَهُ» بتاءين عَلَى الأصلِ، تاء أبي عَمْروٍ أيضًا.
والقراءةُ الخامسةُ قراءةُ عَائِشَة: «إذْ تَلِقُونَهُ» مُخَفَّفٌ من الولق في السير، وفي تكذب، وهو السُّرعة، والأصل: تولقونه، فوقعت الواو بين تاءٍ وكسرةٍ فخزلت.
قَالَ الشَّاعِر:
إنّ الجُلَيدَ زَلِقٌ وزُمَّلِقْ جاءَت بِهِ عَنْسٌ من الشَّامِ تلق
مجوع البطن كلابي الخلق
ومَن شدَّد، فَقَالَ: تَلَقَّوْنَهُ فمعناه: تقبلونه وتأخذونَه كَمَا قَالَ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتِ﴾ أي: قَبِلَها وأخذها. وكان الأصل فِيْ ذَلِكَ أنَّ النَّاس لما أفاضوا فِيْ الإِفك، وحديث عَائِشَة كان الرَّجُلُ يلقى الآخر فيقولُ: أما بَلَغَك حديث عَائِشَة؟ لتشيع الفاحشة فِيْ الَّذِيْنَ آمنوا، فأنزلَ الله تَعَالى فِيْ بَراءَتِهَا، وأرغم أنوف المنافقين.
فقال: ﴿أولئك مبرؤن مِمَّا يَقُولُونَ»، يعني عَائِشَة وصَفوان بْن المُعَطِّلِ.
وفيها قراءةٌ سادسةٌ وسابعةٌ، وثامنةٌ وتاسعةٌ عدَّدْتُها فِيْ البَدِيْعِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بالياء، لأنَّ الفعلَ متقدمٌ فيشبّهُ بقولهم: قامَ الرِّجالُ، ولأنَّ اللسانَ مذكرٌ.
وقرأ الباقون: «تَشهد» بالتاء لتأنيثِ الألسنة، والعرب تذكر اللسن، والذّراع، وتؤنثهما، فمَن ذكره، فَقَالَ: أَلْسُنٌ وأذرعٌ، ومَنْ أنَّث، قَالَ: ألسنةً، وأذرعةٌ.
وحدَّثني ابن مجاهد، عن السمري، عن الفراء، قال: هَذِهِ لسان ذهب بها إلى
[ ٢٩٧ ]
الرِّسالة.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾.
روى عَبَّاسُ، عَنْ أبي عَمْروٍ: «وَلِيَضْرِبْنَ» بكسرِ اللَّامِ عَلَى معنى كي. وتكون لامُ الأمرِ، فيكسر عَلَى الأصلِ كَمَا قُرئ: «وَلِيَطَّوَّفُواْ» ومعنى ذَلِكَ: أنَّ نساءَ الجاهليَّةِ كُنَّ يُسدلن خُمُرِهِنَّ من وراء، ويكشفن صدورهن، ونحورهن، فأمرهنَّ الله تَعَالى بالاسْتِتَار. فَقَالَ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زَيْنَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ عَينها، وكُحلها، وخِضَابُها. وقيلَ: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ القلب والفتحة. والقَلْبُ: السِّوارُ، والفَتْخَةُ:
الخاتَمُ. كان نساءُ العربِ يلبسنه في الأصابع العشر، قَالَ الشَّاعِر:
تَسْقُطُ مِنه فَتَخِيْ فِيْ كُمِّي
فلا يجب أن تُبديَ زينتَها إلا لبعلها، وأبوها. ومَنْ ذكر الله تَعَالى إلى قولِه تَعَالى:
﴿أو التّابِعِيْنَ غَيْرِ أُوِلِى الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ يعني بالتابعين: المتصرف مَعَ الرِّجال لا أربَ له فِيْ النِّساء يكون شريسًا أي: عنينًا، أو شيخًا كبيرًا، أو غُلامًا لم يَشهد بعدَ، أي:
لم يَحْتَلِمْ. يُقال: أَشهد فلان: إذا احتلم. يجب على المرأة أن تَسْتُرَ عَنْ كلِّ أحدٍ سِوَى هَؤُلَاءِ المَذكورين. وكذلكَ تَسْتَتِرُ عَنْ المرأة اليَهُوْدِيَّة والنَّصرانية.
وقولُه تَعَالى: ﴿غَيْرَ أُولِي الإِرْبَةِ﴾.
قرأ عاصمٌ برواية أبي بكرٍ وابنُ عامرٍ غيرَ بالنَّصب فيكون نصبه عَلَى الحال، وعلى الاستثناء.
وقرأ الباقون غير بالكسر جعلوه نعتا للتابعين. ومن الإِربة حديث عَائِشَة: كان رَسُول الله - ﷺ - يُقَبِّلُ وهو صائم وكان أملككم لإربه أي: لعُضْوِهِ، ولحاجَتِهِ إلى النِّساء.
وسُئِلَ ابنُ عَبَّاس، لم رخِّصَتْ للشَّيخ إِذَا كان صائمًا، وكُرِهَتْ للشَّاب؟ ! فَقَالَ: إنّ عرق الذكر معلق بعرنين الأنف. إذا شمَّ تحرَّك. وقيل: فِيْ قوله: ﴿من شرٍّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ قَالَ: مِنْ شرِّ الذَّكر إِذَا قامَ.
وأكثر المُفَسِّرِيْنَ عَلَى اللَّيل إِذَا دَخَلَ بظُلمته، ويحتجُّون بحديثِ عائِشَةَ أنَّ النَّبيّ - ﷺ - قَالَ لها: - وقد نظر إلى القمر -: «تعوَّذي يا عائِشَةَ بِهَذَا فإنه الغاسق إذا وقب.
[ ٢٩٨ ]
وقوله تعالى: ﴿أيها المُؤْمِنُونَ﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ: «أيُّهْ المُؤْمِنُونَ» ويقفُ كَذَلِكَ اتباعًا للمُصحف؛ لأنَّها كَذَلِكَ كتبت، وكذلك: ﴿أيه الثقلان﴾، «يا أيه السَّاحِرُ».
وقرأ الباقون «أيُّها» بألفٍ. ويجب عَلَى قرائهم أن يَقِفوا بألفٍ إِذَا اضطُر إلى ذَلِكَ.
قَالَ ابنُ مُجاهدٍ، لا ينبغي لأحدٍ أن يتعمَّد الوقف عَلَيْهِ، لأن الألف قد سقطت لالتقاء الساكنين لفظًا. قَالَ: وحدَّثني مُحَمَّد بْن يحيى الوراق، عن محمد بْن سعدان، عَنْ الكسائي، «أيُّهَا المؤمنون» وقف بألف.
وقولُه تَعَالى: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا﴾.
روى أَبُو عَمْرو، عَنْ الكسائي كمشكاة ممالا.
وقرأ الباقون مُفخمًا والمِشكاة: الكُوَّة التي لا تنفذ، وفيها المصباح فشبَّه الله تَعَالى قَلْبَ المُؤْمِنِ، وما أَوْدَعَهُ من النُّورِ بذلِكَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿كَأَنَّها كَوكَبٌ دُرِّيٌّ﴾.
فيه أربعُ قراءاتٍ:
قرأ أَبُو عَمْرو، والكِسَائِيُّ «دِرَّيءٌ» بكسر الدال، والهمز، والمدُّ جعلاه من الدَّراري من النُّجوم، وهي التي تَجيءُ وتَذْهَبُ.
وَقَالَ آخرون: بل هي أحدُ النَّجومِ الخَمسة المُضيئة زُحل، وبُهرام، والمُشتري، وعُطارد، والزُّهرة. أَنْشَدَنِي ابنُ دُرَيْدٍ:
إلّا خَصَائِصَ كالدَّرَا ري المُحزَئِلَّاتِ الفِرَادِ
وقرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وابنُ كثيرٍ، وحفصٌ، عَنْ عاصمٍ «دُرِّيٍ» بضم الدَّال، وترك الهمز منسوبٌ إلى الدُّرِّ.
وقرأ حمزةُ وعاصمٌ فِيْ رواية أبي بكرٍ «دُرِّيءٌ» بالضَمِّ مَعَ الهَمْزِ. قَالَ الفَراء: لا وَجْهَ له عِنْدِيْ؛ لأنَّ فُعِّيْل لَيْسَ فِيْ كلام العَرَبِ. إنما هو من الأسماء الأعجمية مثل مُرِّيْق.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وله عِنْدِي وَجْهٌ أن يكون دَرِّيٌ بفتح الدّال كأنَّه فَعيل منه.
قَالَ سيبويه: وليس فِيْ كلام فَعِّيل إنّما هو فِعّيل مثل سكيتٍ: كثير السُّكوت.
وفِسِّيْقٌ، وخِمِّيرٌ.
[ ٢٩٩ ]
وقوله تعالى: ﴿يوقد مِنْ شَجَرَةٍ﴾.
فيه أربعُ قراءاتٍ:
قرأ ابنُ عامرٍ: ونافعٌ، وحفصٌ، عَنْ عاصمٍ «يُوقَدُ» ردًّا عَلَى الكواكب وقرأ ابن مُحَيْصن «تُوقَدُ» برفع الدال ردًّا عَلَى الزُّجاجة. أراد: تتوقد فحذف إحدى التاءين، والمصدرُ من تَوَقَّدَ تَوَقُّدًا والمصدر من تُوقد ويُوقد ايقادًا.
وقرأ ابنُ كثيرٍ، وَأَبُو عَمْرو «تَوَقَّدَ» فعل ماضٍ.
وقرأ حمزةُ، والكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصمٍ «توقد».
والناس كلهم يضمون الزاي فِيْ الزُّجاجة إلى نصر بْن عاصم، فإنه قرأ «زِجَاجة» بكسر الزاي، والزِّجاج فِيْ كلام العرب فِيْ غير الموضع جمع زِجّ.
وقولُه تَعَالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيْهَا بالغدو﴾.
قرأ عاصم - في رواية أبي بكر وابن عامر «يسبح له» على ما لم يمض فاعله.
فعلى قراءتهما تَرتفع «الرَّجال» من وجهين:
أحدهما: أنَّ الكلامَ قَد تَمَّ عند «الَأصال». ثُمَّ يَقُول: ﴿رجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ، وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ الله﴾ فالتِّجارة الجَلب، والبَيع ما يَبيع الرَّجُلُ عَلَى يده.
والوجه الثاني: أن ترفع الرجال بإضْمَارِ فعلٍ فيكون الكلام تامًّا عَلَى «والأَصال»، ثُمَّ يتبدى: رجالٌ أي: يسبِّحه رجالٌ.
وقرأ الباقون: «يُسبِّحُ» بكسر الباء «رجال»: برفع، فعلى هَذِهِ القراءة لا يكون الوقف إلا عَلَى الرِّجال. والاختيار يُسبَّح بكسر الباء، لأنّ فتحَ الباءَ ما روى إلا عَنْ عاصمٍ وابن عامر، وقد روى عَنْ عاصم الكسر أيضًا.
وحدَّثني ابنُ مجاهدٍ، قَالَ: حدَّثني إدريس وابن أبي خَيْثَمَةَ، عَنْ خلف، عَنْ الضَّحاك بْن ميمون، عَنْ عاصمِ بْن أبي النُّجود «يُسبِّح» بكسر» الباء. وأمَّا «الأَصَال» فجمعُ أصيلٍ، وهو قراءة الناس إلا أبا مجلز قرأ «بالغُدُوِّ والِإصَالِ» بكسر الألف جعله مصدرًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿واللهُ خَلَقَ كلِّ دَآبَةٍ من ماءٍ﴾.
قرأ حمزة، والكِسَائِيُّ «خالِقُ كلِّ دآبةٍ» عَلَى فاعل، وهو مضاف إلى ما بعده.
وقرأ الباقون «خَلَقَ» فعل ماضٍ. «وكلَّ» نصب مفعول. و«من» جر فإنَّ
[ ٣٠٠ ]
موضع «كلَّ» منصوب فِيْ المعنى، وإن كان جرًّا فِيْ اللَّفظ كَمَا تَقُولُ: هذا راكبُ فرسٍ. والأصل راكبٌ فرسًا. ولو قرأ قارئ: «والله خالِقٌ كلَّ دابة» كان سائغًا فِيْ النحو مثل: «كَاشِفَاتٌ ضُرَّهُ» إلا أنَّ القراءةَ سنةٌ لا تُحمل عَلَى قياسِ العَرَبِيَّةِ إنَّمَا يتبع بِهِ الأئمَّة.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَهُمْ﴾.
قرأ ابن كثير، وَأَبُو بَكْر، عَنْ عاصم «يُبْدِلنَّهُمْ» خفيفًا.
وقرأ الباقون، وحفص عَنْ عاصم مشدَّدًا. وقد ذكرت الفرق بينهما فِيْ سورة النّساء، والكهف فأغنى عن الإعادة هاهنا.
وقوله تعالى: ﴿ويخش اللهَ وَيَتَّقْهِ﴾.
فيه أربعُ قراءاتٍ:
قرأ ابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ فِيْ روايةِ أبي بكرٍ، وحمزةٌ، وابنُ عامرٍ «يَتَّقِهْ» ساكنًا، وذلك أن الياء لما اختلطت بالفعل وصارت من دَرْجِهِ ثَقُلت الكلمة، فخُفّفت بالإسكان.
وَقَالَ آخرون: بل تَوَهَّمُوا أنَّ الجزمَ واقعٌ عَلَى الهاءِ.
وقرأ نافعٌ - فِيْ روايةِ ورشٍ - وابنُ كثيرٍ والكِسَائِيّ «وَيَتَّقِهِيْ» بكسر الهاء لمجاورة القاف المكسورة يتبعون الهاء ياءً تقوية.
وروى قالون عَنْ نافعٍ «وَيَتَّقْهِ» باختلاس الحركة، وهو الاختيار عند النَّحويين، لأنَّ الأصلَ فِيْ الفعلِ قبلَ الجزمِ أن يكونَ يتَّقِيْهِ بالاختلاس فلما سقطت الياء للجزمِ بقيت الحركةُ مختلسةً كأول وَهلةٍ.
والقراءةُ الرَّابِعَةُ: روى حفصٌ، عَنْ عاصمٍ «وَيَتَّقْهِ» بإسكان القاف وكسر الهاء، وله حُجَّتان:
أحدهما: أَنَّهُ كره الكسرة في القاف، فأسكنها تخفيفًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
عَجِبْتُ لمولودٍ وليس له أب ومن ولد لم يلده أبوان
يعني: آدم وعيسى ﵉. أراد «لم يَلِدْهُ فأسكن اللَّام».
ويجوز أن يكونَ أسكنَ القافَ والهاءُ ساكنةٌ فكسر الهاءَ لالتقاءِ الساكنين.
كما قرأ عاصمٌ فِيْ أول الكَهف «مِنْ لَدُنْهِ» بكسر الهاء لسكونها، وسكون النون.
[ ٣٠١ ]
وفيها حجَّةٌ ثالثةٌ: أنَّ من العربِ مَنْ يقولُ: زيدٌ لم يَتَّقْ فجزم القاف بعد حذف الياء، توهمًا أن القاف آخر الكلمة، وينشد:
وَمَنْ يَتَّقْ فإنَّ الله مَعْهُ ورِزْقُ اللهِ مؤتابٌ وغادِى
وقولُه تَعَالى: ﴿سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ﴾.
روى قُنبل، عَنْ ابنُ كثيرٍ «سَحَابٌ ظلماتٌ» عَلَى الابتداء، وروى غيره عَنْ ابن كثير «سَحابُ ظُلُماتِ» بالكسرِ مضافًا غيرَ منونٍ. وقرأ الباقون: «سَحَابٌ ظُلُماتٌ» بالرّفع عَلَى النّعت، فشبه الله تَعَالى الكفر بظلمات، كَمَا شبه المؤمن بالمصباح.
﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾
فيه قولان:
قَالَ بعضهم: يراها بعد إبطاءٍ لشِدَّةِ الظُّلمة.
وَقَالَ آخرون: لم يَرَهَا وَلَمْ يَكَدْ.
فأمَّا ابنُ كثيرٍ إذَا نوّن «سحابٌ» وخفض «ظُلُمَاتٍ» فإنَّه يجعلها بدلًا من الظَّلمات التي قبلها. والتَّقدير: أو كظلماتٍ ظلماتٍ.
ومن أضافَ ولم يُنَوِّن جعل السِّحاب غيرَ الظُّلمات.
وقوله تعالى: ﴿لا تحسبن الذين كفروا مُعْجِزِينَ﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحمزةُ بالياء.
وقرأها الباقون بالتَّاءِ فموضع «الَّذِيْنَ» نصبٌ، و«مُعْجِزِينَ» المفعول الثاني، والمفعول الثّاني لمن قرأ بالياء «فِيْ الأرْضِ».
وَقَالَ الَأخفشُ: من قرأ بالياء يجوز أن يكون «الَّذِيْنَ» فِيْ موضع نصبٍ عَلَى تقدير: «ولا يَحسبنَ الَّذِيْنَ» مُحَمَّد - ﷺ - الفاعل.
وقولُه تَعَالى: ﴿كَمَا اسْتخَلَفَ الَّذِيْنَ﴾.
قرأ عاصمٌ - فِيْ رواية أبي بَكْرٍ - «كَمَاْ اسْتُخْلِفَ» بضمّ التاء عَلَى ما لم يُسَمَّ فاعله.
وقرأ الباقون «كَمَا استَخْلَفَ» بفتح التاءِ لذكرِ الله تَعَالى قبل ذَلِكَ وبعده. فمَن ضمَّ التَّاء ف «الَّذِيْنَ» فِيْ موضع رفعٍ. ومن فَتَحَ التاء: «فالذين» فِيْ موضع نصب.
[ ٣٠٢ ]
وقوله تعالى: ﴿ثلاث عَوْراتٍ لكُمْ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ إلا حَفصًا: بالنَّصب ردًا عَلَى ما قبله، أي: فليستأذنوا ثلاث مرّات.
وقرأ الباقون: بالرَّفع عَلَى الابتداء.
قَالَ ابنُ مجاهدٍ: واتفق الناس عَلَى إسكان الواو فِيْ «عَوْرَاتٍ» ولا يجوز غير ذَلِكَ. فقلتُ لَهُ: قرأ الأعمش «ثَلاثُ عَوَراتٍ» بفتح الواو. فَقَالَ: هو غَلَطٌ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: إن كانَ جَعَلَهُ غَلَطًا من جهةِ الرِّوايةِ فقد أصاب. وإن كان غلَّطه من جهة العَرَبيَّةِ فليس غَلَطًا؛ لأنَّ المُبَرِّد ذكرَ أن هُذَيْلًا من طابخة يقولون فِيْ جَمْعِ جَوْزَةٍ ولَوْزَةٍ وَعَوْرِةٍ: عَوَرات ولَوَزات وجَوَزات.
وأجمعَ النَّحويون أنَّ الإسكانَ أجودُ، ليفرَّق بين الصَّحيح والمُعتل، لأنَّ الواوَ إذَا تَحَرَّكت، وانفتح ما قبلها صارت ألفًا، فوجبَ أن يُقال: عارات، وجازات، ولازات، وذوات الياءِ نحو بَيْضَةٍ، وبَيْضَات فيها ما فِيْ ذوات الواو، والاختيار الإسكان، ألا تَرى أنَّ قَوله: «فِيْ روْضَاتِ الجَنَّاتِ» ما قرأ أحدٌ رَوَضَات، وكذلك عَوْرَاتِ مثل رَوْضَات.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَومَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾.
قرأ أَبُو عَمْروٍ فِيْ رواية نَصرٍ، وعُبيد، وهارون: «وَيَومَ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ» وروى اليزيدي، وعبد الوارث: «وَيَوْمَ يُرْجَعُوْنَ إِلَيْهِ» بالضَّم أي: يردُّون. كَذَلِكَ قرأ الباقون» «يُرْجَعُوْنَ».
وفي هَذِهِ السُّورة ياءان:
﴿يَعْبُدُوْنَنِيْ لا يشركون بي شيئًا﴾.
اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى إسكانِها تخفيفًا.
[ ٣٠٣ ]