ومن سورة
بني إسرائيل
- وقوله تَعَالَى: ﴿أَلَا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ بِحَذْفِ الْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بالتاء، والأمر بينها قَرِيبٌ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَا يَتَّخِذُوا، وَقُلْنَا لَهُمْ: لَا تَتَّخِذُوا، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ، وَقُلْتُ لَهُ: أَنْ يَقُومَ وَ﴿قُلِ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ و«سيغلبون».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ أَيْ: كَافِيًا وَرَبًّا، ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا﴾ نَصْبٌ عَلَى النِّدَاءِ الْمُضَافِ وَالتَّقْدِيرُ: يَا ذُرِّيَةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَهَذَا الْحَرْفُ، وَإِنْ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ فَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ لِأَنَّ ذُرِّيَةً: وَزْنُهَا فِعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ، وَيَكُونُ فَعُولَةٌ مِنَ الذَّرْيِ وَالذَّرِّ فَيَكُونُ الْأَصْلُ: ذَرْوِيَةٌ، فَتُقْلَبُ مِنَ الْوَاوِ يَاءٌ وَتُدْغَمُ الياء في الياء.
- وقوله تعالى: ﴿ليسوؤا وُجُوهَكُمْ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وحفص عن عاصم: «ليسوءوا وُجُوهَكُمْ» هَمْزَةٌ بَيْنَ وَاوَيْنِ عَلَى الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلِيَدْخُلُوا﴾ ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾.
وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِالنُّونِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، كَمَا تَقُولُ: لِتَدْعُو فَعَلَامَةُ النَّصْبِ فَتْحَةُ الْوَاوِ، وَعَلَامَةُ النَّصْبِ فِي الْقِرَاءَةِ الْأُولَى حَذْفُ النُّونِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لِيَسْوَءَ وُجُوهَكُمْ» بِالْيَاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ عَلَى مَعْنَى: لِيَسْوَءَ الْعَذَابُ وُجُوهَكُمْ، وَإِنَّمَا مَدَّ «ليسوءوا» تَمْكِينًا لِلْهَمْزَةِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاوٍ سُكِّنَتْ وَانْضَمَّ ما قبلها وأتت بعدها همزة فلا بد مِنْ مَدٍّ فِي كَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ فَمَا كان من كلمتين فنحو: ﴿قالوا آمنا﴾. وَمَا كَانَ مِنْ كَلِمَةٍ فَنَحْوَ: تَبُوءُ بِإِثْمِهِ، وَيَنُوءُ بِحِمْلِهِ، وَيَسُوءُ زَيْدًا، وَكَذَلِكَ الْيَاءُ، وَالْأَلِفُ كَالْوَاوِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى أَيْضًا.
فَحَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ ﵁ عَنِ السِّمَّرِيِّ عَنِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: «ليسوأن وُجُوهَكُمْ» بِنُونٍ خَفِيفَةٍ وَهِي نُونُ التَّأْكِيدِ مِثْلَ ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ وَ﴿لِيَكُونَا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ نُونٌ خَفِيفَةٌ وَهِيَ نُونُ التَّأْكِيدِ غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَمَنْ بَنَى قِرَاءَتَهُ عَلَى قِرَاءَةِ أُبَيٍّ يُضْمِرُ فِي اللَّامِ «كَيْ» وَلِيَدْخُلُوا وتكون اللام في
[ ٢١٢ ]
قراءة أبي «ليسوأن» لَامَ التَّأْكِيدِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «يَلْقَاهُ» مُشَدَّدًا، جَعَلَ الْفِعْلَ لِغَيْرِ الْإِنْسَانِ، أَيِ: الْمَلَائِكَةُ تَلْقَاهُ بِالْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ نُسْخَةُ عَمَلِهِ، وَشَاهِدُهُ: ﴿وَكُلُّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرُهُ﴾. فَيَلْزَمَ الطَّائِرَ وَيَلْقَى الْكِتَابَ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يَلْقَاهُ» جَعَلَ الْفِعْلَ لِلْإِنْسَانِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَلْزَمَهُ طَائِرَهُ لَقِيَ هُوَ الْكِتَابَ وَصَحَائِفَ عَمَلِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. وَلَمْ يَقُلْ: يُلَقَّ أَثَامًا، وَهَذَا وَاضِحٌ بَيِّنٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾.
اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ السَّبْعُ عَلَى «أَمَرْنَا» بِالتَّخْفِيفِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَقَصْرِ الْأَلِفِ، وَلَهُ مَعْنَيَانِ:
أَمَرْنَاهُمْ بِالطَّاعَةِ فَفَسَقُوا فِيهَا.
وَتَكُونُ مِنَ الْكَثْرَةِ، يُقَالُ: أَمَرَ بني فُلَانٍ إِذَا كَثُرُوا، وَأَمَرَهُمُ اللَّهُ فَهُمْ مَأْمُورُونَ، وَأَمَرَهُمُ فَاللَّهُ مُؤَمِّرٌ، وَهُمْ مُؤَمَّرُونَ.
فَأَمَّا حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: «خَيْرُ الْمَالِ: مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أَوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ» فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْمُهْرَةِ الْكَثِيرَةَ النِّتَاجِ، وَإِنْ قِيلَ الْمَأْمُورَةُ، مِنْ أَجْلِ الْمَأْبُورَةِ، وَالسِّكَّةُ: الطَّرِيقُ مِنَ النَّخْلِ، وَالْمَأْبُورَةُ: الْمُصْلَحَةُ الْمُلَقَّحَةُ، وَلَوِ انْفَرَدَتْ لِقِيلَ:
مُؤَمَّرَةٌ، كَمَا يُقَالُ: «جَاءَ بِالْغَدَايَا وَالْعَشَايَا» وَغَدٌ: لَا يُجْمَعُ عَلَى غَدَايَا وَلَكِنْ لَمَّا قَارَنَ الْعَشَايَا أَجْرَى لَفْظَهُ عَلَى لَفْظِهِ لِيَزْدَوِجَ الْكَلَامُ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُقَالُ: أَمَرَ الشَّيْءَ وَأَمَرَهُ غَيْرُهُ كَمَا يُقَالُ: نَزَحَتِ الْبِئْرُ وَنَزَحَتْهَا، وَفَغَرَ فُوهُ وَفَغَرَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْحَرْفَ، لِأَنَّ خَارِجَةَ رَوَى عَنْ نَافِعٍ، وَحَمَّادَ بْنَ سلمة، عن ابن كثير «أمَرْنَا مُتْرَفِيهَا» مِثْلَ قِرَاءَةِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ جَعَلَهُ مِنَ الْإِمَارَةِ.
وَحَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنِ السِّمَّرِيِّ عَنِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: «آمِرْنَا مُتْرَفِيهَا».
بِكَسْرِ الْمِيمِ وَمَدِّ الْأَلِفِ وَهَذِهِ رَدِيئَةٌ، لِأَنَّ فَعِلَ لَا يَتَعَدَّى عِنْدَ أَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ مِنْ أَمِرَ، لِأَنَّ أَمِرَ لَازِمٌ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ لُغَتَيْنِ فَيُعَدَّى أَمِرَ كَمَا يُعَدَّى أَمَرَ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ دُرَيْدٍ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمَرْنَا، الْأَصْلُ آمَرْنَا فَتُحْذَفُ الْمَدَّةُ كَمَا قَرَأَ بَعْضُهُمْ: «وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ».
[ ٢١٣ ]
وحدثني أحمد بن علي، عن أبي عبيدة، قَالَ: الِاخْتِيَارُ «أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا». لِأَنَّ الْمَعَانِيَ الثَّلَاثَةَ تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، يَكُونُ مِنَ الْأَمْرِ وَمِنَ الْإِمَارَةِ، وَمِنَ الْكَثْرَةِ أَنْشَدَنِي، فِي «أَمَرَ الرَّجُلِ»: إِذَا صَارَ أَمِيرًا:
كَرْنِبُوا وَدَوْلِبُوا وَحَيْثُ شِئْتُمْ فَاذْهَبُوا
قَدْ أَمَرَ الْمُهَلَّبُ
أَيْ: صَارَ أَمِيرًا، وَمَعْنَى كَرْنِبُوا، أَيْ: لَقِّحُوا نَخْلَكُمْ وَدَوْلِبُوا: أَيْ عَلِّقُوا دوابكم.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا ﴿تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْكَسْرِ مَعَ التَّنْوِينِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «أُفِّ» بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَهَذِهِ كَلِمَةٌ يكنى بها الْكَلَامُ الْقَبِيحُ وَمَا يُتَأَفَّفُ مِنْهُ، لِأَنَّ التُّفَّ: وَسَخُ الظُّفْرِ: وَالْأُفَّ: وَسَخُ الْأُذُنِ، وَقَدْ جَرَى مَجْرَى الْأَصْوَاتِ فَزَالَ الْإِعْرَابُ عَنْهُ كَقَوْلِهِ صَهْ معناه: اسكت ومه مَعْنَاهُ: كُفَّ، وَ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ مَعْنَاهُ: بَعِيدَ بَعِيدَ، فَإِذَا نَوَّنْتَ أَرَدْتَ النَّكِرَةَ سُكُوتًا وَكَفًّا وَقُبْحًا، وَإِذَا لَمْ تُنَوِّنْ أَرَدْتَ الْمَعْرِفَةَ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ جَاءَ حَرَكَةُ الْفَاءِ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ؟
فَقُلْ: لِأَنَّ حَرَكَتَهَا لَيْسَتْ حَرَكَةُ إِعْرَابٍ، وَإِنَّمَا هِيَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فَيُفْتَحُ لِخِفَّةِ الْفَتْحَةِ وَيُضَمُّ، لِأَنَّهُ يُتْبِعُ الضَّمَّ الضَّمَّ، وَيُكْسَرُ لِأَنَّ حُكْمَ السَّاكِنَيْنِ إِذَا الْتَقَيَا أَنْ يُكْسَرَ أَحَدُهُمَا، وَمِثْلُهُ مُدَّ وَمَدُّ وَمُدِّ وَيُنْشِدُ هَذَا الْبَيْتَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلَابَا
غُضَّ وَغُضُّ وَغُضِّ، وَفِي: «أُفٍّ» سَبْعُ لُغَاتٍ: أُفَّ وَأُفُّ وَأُفِّ، وَأُفًّا وَأُفٍّ، وَأُفَّى مُمَالُ وَزَادَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أُفْ مُخَفَّفَةً.
وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَهْرُوَيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْغَازِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرَّضِيِّ عَنْ أَبِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى لَفْظَةً أَوْجَزَ فِي تَرْكِ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ مِنْ «أُفٍّ» لَأَتَى بِهَا.
[ ٢١٤ ]
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾.
قَرَأَ وَالْكِسَائِيُّ «يَبْلُغَانِ عِنْدَكَ» عَلَى الِاثْنَيْنِ لِذِكْرِ الْوَالِدَيْنِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَبِمَ تَرْفَعُ «أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا»؟
فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ «يَبْلُغَانِ».
وَيَجُوزُ أَنْ تَرْفَعَهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَبْلُغَانِ عِنْدَكَ الْكِبَرَ يَبْلُغُ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا.
وَيَكُونُ رَفْعًا عَلَى السُّؤَالِ وَالتَّفْسِيرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَسَرُّوُا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يَبْلُغَنَّ» لِأَنَّ الْفِعْلَ إِذَا تَقَدَّمَ لَمْ يُثَنَّ وَلَمْ يُجْمَعْ وَلَا ضَمِيرَ فِيهِ فَيَرْتَفِعُ «أَحَدُهُمَا» بِفِعْلِهِ وَهُوَ «يَبْلُغَنَّ» وَيُنْسَقُ «أَوْ كِلَاهُمَا» عَلَى «أَحَدِهِمَا» هَذَا بَيِّنٌ.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ: فَقَالَ: هَلْ أَبَاحَ اللَّهُ أَنْ يُقَالَ لَهُمَا «أُفٍّ» قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَا الْكِبَرَ؟
فَالْجَوَابُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ عَلَى الْوَلَدِ لِجَمَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ الطَّاعَةَ فِي كُلِّ حَالٍ، وَحَظَرَ عَلَيْهِ أَذَاهُمَا، وَإِنَّمَا خَصَّ الْكِبَرَ، لِأَنَّ وَقْتَ كِبَرِ الْوَالِدَيْنِ مِمَّا يَضْطَرُّ الْوَلَدُ إِلَى الْخِدْمَةِ إِذَا كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إِلَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، وَالْعَرَبُ تَضْرِبُ مَثَلًا لِلْبَارِّ بِأَبَوَيْهِ فَيَقُولُونَ: «فُلَانٌ أَبَرُّ مِنَ النَّسْرِ» وَذَلِكَ أَنَّ النَّسْرَ إِذَا كَبُرَ وَلَمْ يَنْهَضْ لِلطَّيَرَانِ جَاءَ الْفَرْخُ فَزَقَّهُ كَمَا كَانَ أَبَوَاهُ يَزُقَّانِهِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾.
إِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الأعجوبة في «وكهلا» في كلام عِيسَى - ﷺ - وَهُوَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أُعْجُوبَةٌ، وَخَبَّرَ أَنَّهُ يَعِيشُ حَتَّى يَكْتَهِلَ فَيَتَكَلَّمُ بَعْدَ الطُّفُولَةِ، وَنَحْوَهُ قَوْلُهُ: ﴿الأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْأَمْرَ لَهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَإِنَّمَا خَصَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ مَلَّكَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا أَقْوَامًا جَعَلَهُمْ مُلُوكًا وَخُلَفَاءَ، وَذَلِكَ الْيَوْمُ لَا مَلِكَ سِوَاهُ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ثُمَّ أَجَابَ بِنَفْسِهِ فَقَالَ: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ.
- وقوله تعالى: ﴿إن قتلهم كان خطأ كَبِيرًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ بِرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ «كَانَ خَطَأً كَبَيرًا» بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالْهَمْزِ وَالطَّاءِ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَالْمَدِّ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «خِطْأً» بِكَسْرِ الْخَاءِ وَجَزْمِ الطَّاءِ مَقْصُورًا، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ
[ ٢١٥ ]
تَقُولُ: خَطِئَ زَيْدٌ يَخْطَأُ خَطَأً فهو خَاطِئٌ مِثْلَ أَثِمَ يَأْثَمُ إِثْمًا فَهُوَ آثِمٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
عِبَادُكَ يُخْطِئُونَ وَأَنْتَ رَبٌّ بِكَفَّيْكَ الْمَنَايَا لَا تَمُوتُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «يَا خَاطِئَ بْنَ الْخَاطِئِ» وَقَالَ لِآخَرَ:
وَإِنَّ مُهَاجِرَيْنَ تَكَنَّفَاهُ غَدَاةَ إِذٍ لَقَدْ خَطِئَا وَخَابَا
وَمَعْنَى «خِطْئَا كَبِيرًا» أَيْ: إِثْمًا كَبِيرًا.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ «أَنَّهُ كَانَ خَطَأً» فَهُوَ ضِدُّ الْعَمْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَطَأُ بِمَعْنَى الْخَطَأِ كَمَا تَقُولُ: قِتْبٌ وَقَتَبٌ وَبَدْلٌ وَبَدَلٌ وَ«خِطَاءً» عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ فِعَالٌ مِنَ الْخَطَأِ أَيْضًا، مِثْلَ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، وَالْخَطِيئَةُ مِنْ ذَلِكَ.
فَأَمَّا قِرَاءَةُ أَبِي جَعْفَرٍ، فَجَعَلَهُ مَصْدَرًا، خَطِئَ خَطَأً مِثْلَ شَرِبَ شُرْبًا وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
وَالنَّاسُ يَلْحَوْنَ الْأَمِيرَ إِذَا هُمُ خَطِئُوُا الصَّوَابَ وَلَا يُلَامُ الْمُرْشِدُ
قَالَ: خطئوا بمعنى الخطأ هاهنا، وَأَخْبَرَنِي ابْنُ دُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ قَالَ: مَكَانٌ مَخْطُوءٌ فِيهِ مِنْ خَطِئْتُ، وَمَكَانٌ مُخْطَأٌ فِيهِ مِنْ أَخْطَأَ يُخْطِئُ، وَمَكَانٌ مَخْطُوٌّ فِيهِ بِغَيْرِ هَمْزٍ مِنْ تَخَطَّى النَّاسَ يَتَخَطَّى تَخَطِّيًا، وَمَنْ هَمَزَ تَخَطَّأْتُ النَّاسَ فَقَدْ غَلِطَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «فَلَا تُسْرِفْ» بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ.
فَحُجَّةُ الْأَوَّلِينَ: قِرَاءَةُ أُبَيٍّ «فَلَا تُسْرِفُوا فِي الْقَتْلِ»: وَحُجَّةُ مَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ قَالَ: لِأَنَّ ذِكْرَ الْوَلِيِّ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا مَعْنَاهُ، فَلَا يُسْرِفِ الْوَلِيُّ فِي الْقَتْلِ إِنَّ الْوَلِيَّ كَانَ مَنْصُورًا.
وَمَعْنَى الْإِسْرَافِ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ إِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَأَرَادَ الْوَلِيُّ قَتْلَ الْقَاتِلِ لَمْ يُمَثِّلْ بِهِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِكَسْرِ الْقَافِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ، وَهُمَا لُغَتَانِ، غَيْرَ أَنَّ الضَّمَّ أَفْصَحُ، لِأَنَّهَا حِجَازِيَّةٌ وَمَعْنَاهُ:
الميزان العدل.
[ ٢١٦ ]
وَقَالَ آخَرُونَ: الْقِسْطَاسُ بِالرُّومِيَّةِ تَكَلَّمَتِ الْعَرَبُ بِهَا وَهُوَ الْقَرَسْطُونُ وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الشَّاهِينُ.
وَفِيهَا قِرَاءَةٌ ثَالِثَةٌ: رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ: «وَزَنُوا بِالْقِصْطَاسِ» الْحَرْفُ الْأَوَّلُ بِالصَّادِ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَإِنَّمَا قُلِبَتِ السِّينُ صَادًا لمجيء الطَّاءِ بَعْدَهَا كَمَا قُرِئَ «الصِّرَاطُ» وَالْأَصْلُ: السِّرَاطُ، وَقَدْ مَرَّتْ عِلَّةُ ذَلِكَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَابْنُ عَامِرٍ «سَيِّئُهُ» مُضَافًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «سَيِّئَةً».
فَمَنْ أَضَافَ فَشَاهِدُهُ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ «كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئَاتُهُ» بِالْجَمْعِ مُضَافًا.
وَمَنْ لَمْ يُضِفْ قَالَ: لَيْسَ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ حَسَنٌ فَيَكُونُ سَيِّئُهُ مَكْرُوهًا. لَكِنْ كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ هُوَ سَيِّئَةً مَكْرُوهًا.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: «كُلُّ» جَمَاعَةٌ فَلِمَ وُحَّدْتَ كَانَ؟
فَقُلْ: إِنَّ «كل» وإن كان معناه الجمع فلفظه الْوَاحِدُ فَلَكَ أَنْ تُوَحِّدَ عَلَى اللَّفْظِ، وَتَجْمَعَ عَلَى الْمَعْنَى، قَالَ اللَّهُ ﷿ ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ «لِيَذْكُرُوا» خَفِيفًا ذَكَرَ يَذْكُرُ مِثْلَ دَخَلَ يَدْخُلُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لِيَذَّكَّرُوا» مُشَدَّدًا، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، أَرَادُوا: لِيَتَذَكَّرُوا فَأَدْغَمُوُا التَّاءَ فِي الذال فالتشديد من أجل ذَلِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَمَّا يَقُولُونَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «عَمَّا تَقُولُونَ»، ««كَمَا تَقُولُونَ» «تُسَبِّحُ» ثَلَاثَتُهُنَّ بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَهُنَّ ابْنُ كَثِيرٍ بِالْيَاءِ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا، قَرِيبٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ:
فَعَلْتُ كَذَا، وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ فَعَلَ كَذَا، ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾.
أَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَإِنَّهُ قَرَأَ: «كَمَا تَقُولُونَ» بِالتَّاءِ، وَ«تُسَبِّحُ» بِالتَّاءِ، وَالْأَخِيرُ بِالْيَاءِ، وَشَاهِدُهُ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ: «سَبَّحَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ» فَهُوَ يُؤَدِّي إِلَى التَّأْنِيثِ.
[ ٢١٧ ]
وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَقَالَ: لِأَنَّ «السَّمَاوَاتُ» جَمْعٌ قَلِيلٌ، وَالْعَرَبُ تُذَكِّرُ فِعْلَ جَمْعِ الْمُؤَنَّثِ إِذَا كَانَ قَلِيلًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾. وَلَمْ يَقُلِ: انْسَلَخَتْ، وَ﴿قَالَ نِسْوَةٌ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: قَالَتْ: فَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيَّ لِمَ صَارَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ ثَعْلَبًا فَقَالَ: لِأَنَّ جَمْعَ الْقَلِيلِ قَبْلَ الْكَثِيرِ، وَالْمُذَكَّرَ قَبْلَ الْمُؤَنَّثِ، فَجُعِلَ الْأَوَّلُ عَلَى الْأَوَّلِ.
وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَلَهُ حُجَّةٌ أُخْرَى، قَالَ: لَمَّا فَصَلَ بَيْنَ الِاسْمِ فَاصِلٌ وَهُوَ «لَهُ» جَازَ تَذْكِيرُهُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ نَافِعٌ وَغَيْرُهُ، «كَمَا تَقُولُونَ» بِالتَّاءِ، «عَمَّا يَقُولُونَ» بِالْيَاءِ، وَ«يُسَبِّحُ» بِالْيَاءِ أَيْضًا، وَخَالَفَهُمْ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ فَقَرَأَ: «كَمَا يَقُولُونَ» وَ«عَمَّا يَقُولُونَ» بِالْيَاءِ فِيهِمَا جَمِيعًا و«تسبح» بالتاء.
- وقوله تعالى: ﴿أإذا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ فِيهِمَا، الْأُولَى اسْتِفْهَامٌ وَالثَّانِيَةُ أَصْلِيَّةٌ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِتَلْيِينِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ فِيهِمَا، وَيَجْعَلُ بَيْنَهَا مَدَّةً.
وَابْنُ كَثِيرٍ يَقْرَأُ مِثْلَ أَبِي عَمْرٍو غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُمِدُّ، كَأَنَّهُ يَهْمِزُهُ وَيَأْتِي بِيَاءٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ سَاكِنَةٍ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ الْأُولَى مِثْلَ أَبِي عَمْرٍو، وَلَا يَسْتَفْهِمْ بِالثَّانِي، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ الْأُولَى مِثْلَ حَمْزَةَ، وَالثَّانِيَةُ مِثْلَ نَافِعٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ عِلَّةَ ذَلِكَ فِي الْأَعْرَافِ وَفِي الرَّعْدِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿دَاوُدَ زَبُورًا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ «زَبُورًا» بِالضَّمِّ.
وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ عِلَّتَهُ، فِي النِّسَاءِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أخرتن﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَصْلًا وَحَذَفَهَا وَقْفًا، إِلَّا ابْنَ كَثِيرٍ فَإِنَّهُ وَقَفَ بِيَاءٍ.
وَالْبَاقُونَ يَحْذِفُونَهَا وَصْلًا وَوَقْفًا وَقَدْ ذَكَرْتُ عِلَّتَهَا فِي الْبَقَرَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهَا هُنَا، لِأَنَّ «لَئِنْ» حَرْفُ شَرْطٍ وَلَا يَلِيهِ إِلَّا الْمَاضِي، وَالشَّرْطُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْمُسْتَقْبَلِ.
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ اللَّامَ فِي «لَئِنْ» تَأْكِيدٌ يَرْتَفِعُ الْفِعْلُ بَعْدَهُ، وَ«إِنْ» حَرْفُ
[ ٢١٨ ]
شَرْطٍ يَنْجَزِمُ الْفِعْلُ بَعْدَهُ فَلَمَّا جَمَعُوا بَيْنَهُمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْزِمْ فِعْلَ وَاحِدٍ وَيَرْفَعَ فَغَيَّرُوُا الْمُسْتَقْبَلَ إِلَى الْمَاضِي، لِأَنَّ الْمَاضِيَ لَا يَبِينُ فِيهِ إِعْرَابٌ فَهَذِهِ عِلَّةٌ لَطِيفَةٌ فَاعْرَفْهَا، لِأَنَّ كُلَّ مَا أَتَى فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ «لَئِنْ» فَلَا يَلِيهِ إِلَّا الْمَاضِي نَحْوَ قَوْلِهِ:
﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجْلِكَ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ «وَرَجْلِكَ» بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّامَ كُسِرَتْ عَلَامَةً لِلْجَرِّ، وَكُسِرَتِ الْجِيمُ اتِّبَاعًا لِكَسْرَةِ اللَّامِ كَمَا تَقُولُ: هَذَا شَيْءٌ مِنْتِنٌ، وَالْأَصْلُ: مُنْتِنٌ فَكَسَرُوُا الْمِيمَ لِكَسْرَةِ التَّاءِ، وَكَمَا قَرَأَ الْحَسَنُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «وَرَجْلِكَ» سَاكِنُ الْجِيمِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِأَنَّ رَجْلَكَ جَمْعُ رَاجِلٍ، فَرَاجِلٌ وَرَجْلٌ كَصَاحِبٍ وَصَحْبٍ وَشَارِبٍ وَشَرْبٍ وَتَاجِرٍ وَتَجْرٍ، وَقَاتِلٍ وَقَتْلٍ وَسَافِرٍ وسفر ويائس ويأس.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ﴾، ﴿أَنْ يُعِيدَكُمْ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو كُلُّ ذَلِكَ بِالنُّونِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، فَالنُّونُ إِخْبَارُ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ، فَمَعْنَاهُ:
أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ.
وَفِي هَذِهِ الْأَيَةِ حَرْفَانِ: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةِ عَبْدٍ «فَنُغْرِقُكُمْ» مُدْغَمًا.
وَالْبَاقُونَ يُظْهِرُونَ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِاخْتِلَافِ الْحَرْفِ وَلِسُكُونِ الْغَيْنِ وَفِيهَا أَيْضًا: «أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ» مُدْغَمًا رَوَاهُ أَبُو الْحَارِثِ عَنِ الْكِسَائِيِّ لِقُرْبِ الْفَاءِ من الباء.
وَالْبَاقُونَ يُظْهِرُونَ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْبَاءَ تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الشَّفَتَيْنِ، وَالْفَاءَ مِنْ بَاطِنِ الشَّفَةِ السُّفْلَى وَالثَّنَايَا الْعُلْيَا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالْإِمَالَةِ فِيهِمَا إِلَّا حَفْصًا فَإِنَّهُ فَتَحَهُمَا، لِأَنَّ الْيَاءَ مُتَطَرِّفَةٌ وَهُوَ رُبَاعِيٌّ فَأَمَالُوا ذَلِكَ، وَالْعَرَبُ قَدْ تُمِيلُ ذَوَاتِ الْوَاوِ إِذَا كَانَ رُبَاعِيًّا نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ فَكَيْفَ بِذَوَاتِ الْيَاءِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ بِالتَّفْخِيمِ فِيهِمَا، وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّ الْيَاءَ فِيهِمَا قَدْ
[ ٢١٩ ]
صَارَتْ أَلِفًا لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَالْأَصْلُ: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى، مَنْ كَانَ فِيمَا وَصَفْنَا مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا أَعْمَى فَهُوَ فِي نَعِيمِ الْآخِرَةِ أَعْمَى.
وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو أَحْذَقَهُمْ فَفَرَّقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ فَقَرَأَ: «وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى» بِالْإِمَالَةِ: «فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى»، بِالْفَتْحِ أَيْ: أَشَدُّ عَمًى، فَجَعَلَ الْأَوَّلَ صِفَةً بِمَنْزِلَةِ أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ، وَالثَّانِي بِمَنْزِلَةِ أَفْعَلَ مِنْكَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يُقَالُ: هُوَ أَشَدُّ عَمًى فَلِمَ قَالَ تَعَالَى: ﴿فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ وَلَمْ يَقُلْ: أَشَدُّ عَمًى؟
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْعَمَى عَلَى ضَرْبَيْنِ: عَمَى الْعَيْنِ وَعَمَى الْقَلْبِ فَيُقَالُ: مَا أَشَدَّ عَمَاهُ فِي الْعَيْنِ، وَفِي الْقَلْبِ، مَا أَعْمَاهُ، بِغَيْرِ أَشَدَّ، لِأَنَّ عَمَى الْقَلْبِ حُمْقٌ، وَرُبَّمَا قَالَ الشَّاعِرُ ضَرُورَةً، مَا أَبْيَضَهُ وَمَا أَحْمَرَهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَمَّا الْمُلُوكُ فَأَنْتَ الْيَوْمَ أَلْأَمُهُمْ لُؤْمًا وَأَبَيْضُهُمْ سِرْبَالَ طَبَّاخِ
وَيُقَالُ: مَا أَسْوَدَهُ مِنَ السُّؤْدَدِ لَا مِنْ سَوَادِ اللَّوْنِ، وَمَا أَحْمَرَهُ مِنَ الْبِلَادَةِ كَأَنَّهُ حِمَارٌ لَا مِنَ الْحُمْرَةِ.
وَحَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنِ السِّمَّرِيِّ، عَنِ الْفَرَّاءِ: أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: امْرَأَةٌ مُسْوَدَّةٌ مُبْيَضَّةٌ أَيْ: تَلِدُ السُّودَانَ وَالْبِيضَانَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَالِاخْتِيَارُ امْرَأَةٌ مُوضِحَةٌ إِذَا وَلَدَتِ الْبِيضَانَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا وَجْهَ لِمَا فَرَّقَ أَبُو عَمْرٍو بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الثَّانِيَ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى أَفْعَلَ مِنْكَ فَلَا يَمْتَنِعُ مِنَ الْإِمَالَةِ كَمَا لَا يَمْتَنِعُ «بِالَّذِي هُوَ أَدْنَى».
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّمَا أَرَادَ أَبُو عَمْرٍو أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا لَمَّا اخْتَلَفَ مَعْنَيَاهُمَا وَاجْتَمَعَا فِي آيَةٍ كَمَا قَرَأَ «وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ» بَالْيَاءِ يَعْنِي الْكُفَّارَ «عَمَّا تَعْمَلُونَ» بِالتَّاءِ، أَيْ:
أَنْتُمْ وَهُمْ، وَلَوْ وَقَعَ مُفْرَدًا لَأَجَازَ الْإِمَالَةَ وَالتَّفْخِيمَ فِي كِلَيْهِمَا، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ فِيهِ قَوْلًا رَابِعًا: قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: «فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى» لَمْ يُرِدْ أَعْمَى مِنْ كَذَا إِنَّمَا يُخْبِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ عن عاصم ﴿خلافك﴾.
والباقون «خلفك» قال: إنما اخْتَرْنَا ذَلِكَ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ: بَعْدَكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ أَيْ: لِمَا بَعْدَهَا مِنَ الْأُمَمِ، وَلَيْسَ هذا
[ ٢٢٠ ]
كَقَوْلِهِ: «بِمِقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ» لِأَنَّ الْخِلَافَ هُنَاكَ مُخَالَفَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: جِئْتُ بَعْدَكَ وَخَلْفَكَ وَخِلَافَكَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:
عَفَّتِ الرَّذَاذُ خِلَافَهَا فَكَأَنَّمَا بَسَطَ الشَّوَاطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرَا
يُرِيدُ: الْمَطَرَ الْخَفِيفَ، وَيَصِفُ رَوْضَةً وَأَرْضًا غِبَّ مَطَرٍ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ بِرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ، «وَنَاءٍ بِجَانِبِهِ» جَعَلَهُ مِنْ نَاءَ يَنُوءُ: إِذَا طَاقَ الْحِمْلَ مِنْ قَوْلِهِ: «لِتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ» وَالْأَصْلُ: نَوَأَ، فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ أَلِفًا لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا وَمَدَدْتَ الْأَلِفَ تَمْكِينًا لِلْهَمْزَةِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «وَنِئِي بِجَانِبِهِ» بِكَسْرِ النُّونِ وَالْهَمْزَةِ أَيْ: بَعْدَ مَا أَمَالَ الْهَمْزَةَ لِمَجِيءِ الْيَاءِ، وَأَمَالَ النُّونَ لِمُجَاوَرَةِ الْهَمْزَةِ، لِأَنَّهَا مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ كَمَا يُقَالُ:
رَغِيفٌ وَبَعِيرٌ وَشَعِيرٌ.
أَخْبَرَنِي ابْنُ دُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَعْرَابِيًّا يَسْأَلُ النَّاسَ وَيَقُولُ: تَعَطَّفُوا عَلَى شَيْخٍ ضَعِيفٍ بِكَسْرِ الضَّادِ، وَالْمَصْدَرُ مِنْ هَذَا نَأَى يَنْأَى نَأْيًا فَهُوَ نَاءٍ.
وَحَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، عَنْ أَبِي عُمَرَ عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ «وَنَإِيَ بِجَانِبِهِ» بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَكَذَلِكَ قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ هُنَا وَكَذَلِكَ مَرَّةً قَرَأَهَا أَبُو عَمْرٍو فِي رِوَايَةٍ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَالْبَاقُونَ يَفْتَحُونَ النُّونَ وَالْهَمْزَةَ وَنَأَى عَلَى وَزْنِ نَعَى وَهُوَ الْأَصْلُ، لِأَنَّ الْيَاءَ قَدِ انْقَلَبَتْ أَلِفًا لِانْفِتَاحِ الْهَمْزَةِ، وَالْأَصْلُ نَأَيَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالتَّخْفِيفِ، وَمِنْ فَجَرَ يَفْجُرُ: إِذَا شَقَّ الْأَنْهَارَ.
وَالْبَاقُونَ «حَتَّى تُفَجِّرَ» بِالتَّشْدِيدِ وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهْرًا﴾ أَيْ:
مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَكَقَوْلِهِ: ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾ وَالتَّفْجِيرُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ
[ ٢٢١ ]
فَجَّرَ، كَمَا أَنَّ التَّكْلِيمَ مِنْ كَلَّمَ.
- وقوله تَعَالَى: ﴿كِسَفًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «كِسْفًا» بِالسُّكُونِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ إِلَّا فِي الرُّومِ فَإِنَّهُمْ ثَقَّلُوا، وَزَادَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الثَّقِيلُ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُحَرِّكًا وَأَسْكَنَ الْبَاقِي وَرَوَى حَفْصٌ بِإِسْكَانِ الَّذِي فِي الطُّورِ وَتَثْقِيلِ مَا عَدَا ذَلِكَ، فَمَنْ قَالَ: كِسَفًا جَعَلَهُ جَمْعَ كِسْفَةٍ مِثْلَ قِطْعَةٍ وَقِطَعٍ، وَمَنْ قَالَ: كِسْفًا فَيَكُونُ جَمْعَ كِسْفَةٍ مِثْلَ تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ بَسْرَةٍ وَبَسْرٍ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: يَكُونُ مَصْدَرًا إِذَا سَكَّنْتَ.
وحدثني ابن مجاهد، قال: حدثنا محمد بن هَارُونَ عَنِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَعْرَابِيًّا فِي طَرِيقِ مَكَّةَ يَسْأَلُ بَزَّازًا فَقَالَ: أَعْطِنِي كِسْفَةً أُرَقِّعُ بِهَا قَمِيصِي.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ «قَالَ سُبْحَانَ» عَلَى الْخَبَرِ، وَكَذَلِكَ فِي مُصْحَفِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالشَّامِ.
وَالْبَاقُونَ عَلَى الْأَمْرِ، قُلْ يَا مُحَمَّدُ، تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِمَّا ادَّعَاهُ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةُ مِنْ أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ: «لَقَدْ عَلِمْتُ» بِالضَّمِّ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «لَقَدْ عَلِمْتَ» بِالْفَتْحِ.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ: لِمَ جَازَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهَا هَذَا الِاخْتِلَافُ؟
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ، اخْتِلَافُ تَغَايُرٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْكَلَامُ بِحَمْدِ اللَّهِ، مَوْجُودًا فِي الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا قَالَ مُوسَى ﵇ لِفَرْعَوْنَ لَمَّا كَذَّبَهُ وَنَسَبَهُ إِلَى أَنَّهُ سَاحِرٌ: لَقَدْ عَلِمْتَ يَا فِرْعَوْنَ أَنَّ الَّذِي جِئْتُ بِهِ لَيْسَ بِسِحْرٍ، أَوْ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى: لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَا أَيْضًا أَنَّ الَّذِي جِئْتُ بِهِ لَيْسَ سِحْرًا.
وَبَلَغَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ عَلِيًّا قَرَأَ: «لَقَدْ عَلِمْتُ» فَقَالَا: «لَقَدْ عَلِمْتَ» بِالْفَتْحِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾. فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: لِمَ جَازَ لَهُمَا أَنْ يُخَالِفَا عَلِيًّا وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمَا وأعلم.
[ ٢٢٢ ]
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُمَا الْبَلَاغُ، وَلَوْ صَحَّ لَتَبِعَاهُ، فَأَمَّا الْفَرَّاءُ فَإِنَّهُ قَالَ: الِاخْتِيَارُ: «لَقَدْ عَلِمْتُ» لِمَا ذَكَرْتُ مِنَ الْحُجَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتُخَالِفُ الْكِسَائِيَّ؟ ! فَقَالَ: أُخَالِفُهُ أشد الخلاف.
- وقوله تعالى: قال ﴿ادْعُوُا اللَّهَ﴾.
قَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي الْبَقَرَةِ وإنما أعدته هاهنا، لِأَنَّ عَبَّاسًا رَوَى عَنْ أَبِي عَمْرٍو «قُلِ ادعوا اللَّهَ» بِكَسْرِ اللَّامِ فَلِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَمَنْ ضَمَّ فَإِنَّهُ أَتْبَعَ الضَّمَّ، الضَّمَّ.
- وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وقرآنا فَرَقْنَاهُ﴾.
فَقَرَءُوا كُلُّهُمْ، أَعْنِي السَّبْعَةَ بِالتَّخْفِيفِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ لِأَنَّ ابْنَ مُجَاهِدٍ حَدَّثَنِي عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو «فَرَقْنَاهُ» بِالتَّشْدِيدِ، فَمَنْ خَفَّفَ فَمَعْنَاهُ: بَيَّنَّاهُ وَأَحْكَمْنَاهُ، وَمَنْ شَدَّدَ قَالَ: مَعْنَاهُ: نَزَلَ مُتَفَرِّقًا.
وَمِنَ الْيَاءَاتِ فِي هَذِهِ السَّورَةِ مَا حُذِفَ خَطَأً.
﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾.
أَثْبَتَ الْيَاءَ أَبُو عَمْرٍو وَنَافِعٌ وَصْلًا، وَحَذَفَاهُ وَقْفًا.
وَالْبَاقُونَ يَحْذِفُونَ وَصْلًا وَوَقْفًا.
- وَقَوْلُهُ: ﴿أَخَّرْتَنِ﴾.
أَثْبَتَهَا ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ، وَأَثْبَتَهَا نَافِعٌ وَأَبُو عمرو وصلا، وحذفها وقفا (^١).
_________________
(١) قال ابن الجزري في النشر ص/ ٣٢٩: «(وفيها من ياءات الإضافة واحدة) (ربي إذا) فتحها المدنيان وأبو عمرو. (ومن الزوائد) ثنتان (لئن أخرتن) أثبتها وصلا المدنيان وأبو عمرو وأثبتها في الحالين ابن كثير ويعقوب (فهو المهتد) أثبتها وصلا المدنيان وأبو عمرو وأثبتها في الحالين يعقوب ورويس عن قنبل من طريق ابن شنبوذ».
[ ٢٢٣ ]