غافر
قولُه تَعَالى: ﴿حم﴾.
قرأ ابن كثير مفخما «حم».
وقرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وأبو بَكْرٍ، عنْ عاصمٍ وابن عامر ممالًا.
واختَلف عنْ الباقين فُروى عنْ أبي عَمْرٍو بالكسرِ والفتحِ.
والاختيار عنْ عاصمٍ فِي رواية حفصٍ الفتح.
وعن نافعٍ بين بين، لا مفتوح ولا مكسور.
وفيها قراءةٌ رابعةٌ: حَمَ بفتح الميم قرأ بِهِ عِيسَى بْن عُمر وجعله اسمًا للسُورة، والتَّقدير: اُتل حمَ، أقرأ حَمَ.
وقال آخرون: موضعه جرٌّ، لأنَّه لا ينصرفُ، وهو جرٌّ بالقسم ويُنشد:
وَجَدْنَا لَكْمْ فِي آلِ حَمَ آيَةً تَأَوَّلَهَا مِنَّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ
وقال آخر:
يُذَكِرُنِي حَاميمَ والرُّمْحُ شَاجِرٌ فَهَلَّا تَلَا حَامِيْمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ
ومن جَزَمَ قَالَ: هذه حروفُ التَّهجي لا يدخلها إعراب هُوَ كما بينت ذلك في صدر الكتاب، والإمالة والتفخيم في هذه القراءة لغتان فصيحتان، واختلف النّاس فِي تفسير «حمَ» فَقَالَ قومٌ: قَضَى والله، حمَ والله.
وقال آخرون: حمَ شعارٌ للسورةِ.
وقال آخرون: قسمٌ.
وقال آخرون: هذه الحُروف من أسماءِ اللَّه تَعَالى: ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيْمُ﴾، فالراءُ والألف، واللام من المَر، وحَم من الحاء والميم، ونون من النون.
وقال ابْنُ مسعودٍ: الحواميم ديباجةُ القُرآن، قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -:
«الحَوَامِيْمُ كالحَبِرَاتِ والثِّيَابِ» ونزلت كلُّها بمكةَ واللَّفظ بِ «حَمَ» بتخفيف الميم لا غير، وكذلك طس، ويس بتخفيف السين.
وأما ابنُ خالويه: الحواميمُ من كلامِ العامَّةِ لا يجوز جمعُ حاميم عَلَى حَوَامِيْمِ إنما
[ ٣٨٢ ]
يُقال: آل حامِيم. فأعرفه.
وقولُه تَعَالى: ﴿والَّذِيِْنَ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِهِ﴾.
قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ - رواية هشامٍ - بالتاء عَلَى الخِطاب، أي: قُل لهم يا مُحَمَّد.
وقرأ الباقون بالياءِ إخبارًا عنْ غَيْبٍ، والأمرُ بينهما قَريبٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ .. والتَّنَادِ.
كان ابْنُ كثيرٍ يثبت الياء فيهما وَصَلَ أو وَقَفَ عَلَى الأصل، لأنَّه من لَقِيْتُ ونَادَيْتُ.
وكان نافعٌ يثبتها وصلًا، ويحذفها وقفًا، لأنَّه تبعُ المُصحَفَ فِي الوقف، والَأصلَ فِي الدَّرْجِ.
والباقون يحذفون وَصَلُوا أو وَقَفُواْ اجتزاءً بالكسرة، واتباعًا للمُصحف، ولأنَّها رأس آية.
وفي «التَّنَادِ» قراءةٌ رابعةٌ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بن عبدان، عن علي، عن أبي عبيد، قال: أخبرني إبراهيم، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عَبَّاس، «يوم التَّنَادِّ» بتشديد الدال. قَالَ: تَنِدُّ الإِبِلُ، وشاهده قولُه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيْهِ﴾.
وحدَّثني ابنُ مجاهد، عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ الفَرَّاء، قَالَ: حَدَّثَنَا حبَّان، عنْ الَأجلح، عنْ الضَّحاك بْن مُزاحم، أَنَّهُ قَالَ: تَنْزلُ الملائكةُ من السّماوات فتحيط بأقطار الأرضِ ويجاءُ بَجَهنَّم، فإذا رأوها هالتهم فَنَدُّوا فِي الأرضِ كَمَا تَنِدُّ الإِبل فلا يتوجهون قط إلا رأوا ملائكة فيرجعون من حيث جاءوا وذلك قولُه: ﴿يَاْ مَعْشَرَ الجِنِّ والِإنْسِ إِنِ استَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أقَطَارِ السَّمَاوَاتِ﴾ وذَلِكَ قولُه: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ وذلك قولُه: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا﴾.
وقال الأجلح: وقرأ الضَّحاك «يَوْمَ التَّنَادّ» مشددًا قَالَ الشَّاعِرُ: - فِي التَّنادي بإثبات الياءِ، والتَّخفيف -:
مَنَعَ النَّوْمَ ذكرُ يومِ التَّنَادِيْ وإلى اللَّه مَرْجِعِي وَمَعَادِي
يومَ زَادَتْ أضْعَافْهَا الأرضُ مدًّا ثُمَّ صَارَتْ قَرَارَ كلِّ العِبَادِ
يُريد قَوْلَه تَعَالى: ﴿وَإذَا الَأرْضُ مُدَّتْ﴾ وهو بتبديلها «يَوْمَ تُبَدَّلُ الَأرْضُ غَيْرَ
[ ٣٨٣ ]
الَأرْضِ»، «يَوْمَ التَّنَادِ»، «يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ» وفي حَرْفِ أُبِيٍّ: «بارِزونَ لَهُ» وفي حرفِ ابنِ مَسْعُودٍ: «لَاْ يَخْفَي عَلَيْهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ» فأمَّا تَفسِيْرُ: «يَوْمِ التَّلاقِ» فهو يومُ القِيَامَةِ. يَلتقي أهلُ السماءِ، وأهلُ الأرضِ، وذلك قولُه: ﴿يُلْقِىْ الرُّوْحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ فقيل:
الرُّوح القْرآن، وقيل: النبوة، وقيل: أمر النبوة، لأنَّ اللَّه تَعَالى أحيا بالقرآن وبالرَّسول أفئدةً صَدِئَةً، وأحيا بهما قلوبًا ميِّتةً؛ لأنَّ اللَّه تَعَالى سَمّى الكافِرَ ميتًا، والمؤمنَ حيًّا، وذلك حيث يقول: ﴿أومن كَانَ مَيتًا﴾ بكفره ﴿فَأَحْيَينَاهُ﴾ بالإِيمان.
وقولُه: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عَبَادِهِ﴾ أي: عَلَى من يصطفيه لرسالته (لينذر يوم الحَسْرَةِ).
وقال آخرون: لِيُنْذِرَ اللَّه، ومن قرأ بالتَّاء فإنه أراد خطاب رَسُول اللَّه - ﷺ - أي: لتُنذر أنت يا مُحَمَّد وهي قراءة الحَسَنِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحده: «أشد منكم» بالكاف فِي مصاحِف أهل الشام.
فإن سألتَ عنْ خبر كان الأول، والثاني، والثالث.
فقل: اسم «كانَ» الأول «عاقِبَةُ» وخبره «كيفَ» وإنما قدّم لأن الاستفهام لَهُ صدرُ الكلامِ، واسمُ كان الثاني الضَّمير الَّذِي دَلّ عَلَيْهِ الواو، وخبره «من قَبْلهُمْ» واسم كان الثالث الضَّمير، وهُمْ فاصلة عند البصريين وعمادٌ عند الكوفيين كما تَقُولُ: كان زيدٌ هُوَ القائِمُ «وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّاْلِميْنَ» و«أشدَّ» خبرُ كان الثالث.
فإن قيلَ لَكَ: الفاصلة لا يكون إلا بين معرفتين وأَشَدَّ نكرةٌ فِلمَ صلح ذَلِكَ؟
فقل: لأن أفعل الذي معه من المُضاف المعرفة. قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوْهُ عِنْدَ اللَّه هُو خَيْرًا﴾ لأنَّ خيرًا أَفعل فِي الَاصلِ محذوفُ الهمزِ تخفيفًا، ولا يستعمل إلا ب «من» فِي الأصل كقولك: زيدٌ خير من عَمْرٍو.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ: وأن يَظْهَرَ بفتح الياء الفَسادُ رفعًا.
وقرأ أَبُو عَمْرٍو ونافعٌ: يُظهر بضم الياء «الفَسَادَ» نصبًا.
وقرأ ابنُ كثيرًا ونافعٌ وأبو عَمْرٍو وابنُ عامرٍ: «وَأَنْ يَظْهَرَ» بغيرِ ألفٍ. وكذلك هِيَ فِي مصاحفهم.
[ ٣٨٤ ]
وقرأ الكوفيون: «وَأَنْ يَظْهَرَ» كذلك فِي مصاحفهم.
وقرأ عاصمٌ فِي روايةِ أَبِي بكرٍ والكِسَائِيُّ: «أو أن يَظهر» بفتح الياء «الفَسَادُ» رفعُا.
وروى حَفْصٌ، عنْ عاصمٍ: «أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرض» برفع الياء «الفَسَادَ» نصبًا لَهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ - ﵀ -: الاختيار «أَوْ» تكونُ بمعنى الواو كقوله: ﴿إلى مائَةِ ألْفٍ أَوْ يَزِيْدُوْنَ﴾ أي: ويَزِيْدُوَن، وبَلْ يَزِيْدُونَ، ولا تكونُ الواوُ بمعنى «أَوْ».
قَالَ أَبُو عبدِ اللَّه: إذا كانت أَوْ إباحةً تكون الواو بمعناها، لأنَّ قولَكَ: جالس الْحَسَنَ أَوْ ابْنُ سِيرِينَ أَوْ الشَّعْبِيّ فمعناه: قد أبحت لَكَ الجُلوس مَعَ هَذَا الضَّربِ من الناس، تَقُولُ: جالس الحسن أو ابن سيرين أو الشعبي بمعنى الإباحة، ومن نَصب الفساد أشَركَهُ مَعَ التَّبديل، أي: أخاف أن يبدل دينكم فإذا بَدَّل ظَهَرَ الفسادُ، وكلتا القراءتين حسنةٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ﴾.
قرءوا كلُّهم بضمِّ الجيمِ، وإنما ذكرتُه لأنَّ ابنَ مُجاهدٍ حدثني، عن الحسن، عن القطيعي، عنْ عُبَيْدٍ، عنْ أَبِي عَمْرٍو: «وَقَالَ رَجْلٌ مؤمن» بإسكان الجيم، وهي لغة كانوا يستثقلون الضَمَّة، كما يُقال كَرْمَ زيْدٌ يريدون كَرُمَ وفي عَضُدٍ عَضْدٌ، قَالَ الشَّاعِر:
رَجْلَانِ مَرْضِيَّان أَخْبَرَانَا أنَّا رَأيْنَا رَجُلًا عُرْيَانَا
أراد: رَجُلَيْنِ، فأسكن. الوقف فِي هذه الآية: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ ثُمَّ يبتدئ ﴿مِنْ آلِ فِرْعَونَ يَكْتُمُ إيْمَانَهُ﴾ لأنَّه لم يكن قِبْطِيًّا، وإنَّما معناه يكتم إيْمانه من آل فرعون.
وقال آخرون: بلْ كان من آلِهِ وكان مُؤْمِنًا وحده، كما كانت امرأته مؤمنةً فالوقف عَلَى قراءتهم من آل فرعون.
فإن سألَ سائِلٌ فَقَالَ: قَدْ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ ولم يستثن أحدًا، فكيفَ يجوزُ أن يُجعل المُؤْمِنَ من آلِهِ؟
فقُل: عَلَى الجواب الأول لا يَلزمُنا هَذَا السُّؤال، وعلى الجَواب الثاني، تَقديره:
أدخلوا آل فِرْعَوْنَ أي: مَنْ كانَ عَلَى دِينِهِ كما أقول: اللَّهم صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعلى آلِهِ،
[ ٣٨٥ ]
يعني بِهِ المُؤمنين، وقد كان فِي قراباته كفّارٌ لا يَدْخُلُونَ فِي الدُّعاءِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكِمْ﴾.
قرأ أَبُو عَمرٍو وحمزةُ والكِسَائِيُّ بالإِدغام لقُرب الذَّالِ من التَّاءِ.
وقرأ الباقون بالِإظهار؛ لأنَّ الحرفين غيرُ مُتجانسين. ومعنى «عُذْتُ بِرَبِّي» أي:
اعْتَصَمْتُ واستَعَنْتُ باللهِ من كلِّ مُتَكَبِّرٍ عنْ طاعةٍ اللَّه لا يُؤْمِنُ بيومِ الحسابِ أي: الجَزَاء.
فإن قيل لك: ما وزن «عُذْتُ» من الفعل؟
ففي ذَلِكَ ثلاثةُ أجوبةٍ:
قَالَ البصريون: وزنه فَعَلْتُ، والأصل: عَوَذْتُ، فصارت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فوجب سقوطها لسكونها وسكون الذال، ولا دلالة عليها، فنقلُوا فَعَلْتُ إلى فَعُلْتُ عَوَذْتُ إلى عَوُذْتُ لتكون الضَّمة دالةً عَلَى المعنى، وعلى الواو إذا أُسقطت، فالضمة عَلَى عُذتُ ضَمَّةُ الواوِ السَّاقطةِ.
وقال الكِسَائِيُّ: وزن عَوُذْتُ فعلت غير منقولة.
قال الفراء: وزن عوذت: فَعَلْتُ، كما قَالَ البَصريُّون، غير أَنَّهُ جَعَلَ الواو لام الفعل قال: عَوَذْتُ، وكذلك اختلافهم فِي جميع ما شاكلَ هَذَا نحو: قُلتُ، وزلْتُ، وحلْتُ. وعندَ الفَرَّاء قلوت وحلوت، وزلوت، وذلك خطأ عندَ البَصريِّين.
وقولُه تَعَالى: ﴿عَلَى كلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾.
قرأ أبو عمرو ذكوان، عنْ ابْنُ عامر: «قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ» منونًا جعله نعتًا للقلب؛ لأنَّ القلب إذا تكبَّرَ تكبَّرَ صاحِبُهُ، كما قَالَ: ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَهَاْ خاضعين﴾ لأن الأعناق لما خضعت أخضعت أربابها: مررت بيوم عاصف أي: عاصف ريحه.
وقرأ الباقون: «عَلَى كلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرِ» بالإضافة أي: عَلَى كلِّ قلبٍ رَجُلٍ مُتَكَبِّرٍ، واحتَجُّوا بما حدثني ابن مجاهد، عن السمري، الفَرَّاءِ، قَالَ: فِي حرفِ عبدِ اللَّه «كذلك يَطْبَعُ اللَّه عَلَى قَلْبِ كلِّ مُتَكَبِّرٍ جبَّارٍ بِهِ» فهذا شاهدٌ لمن أضاف.
قَالَ الفَرَّاءُ: وسمعتُ بعضَ النَّحوِيّين يَقُولُ: إنَّ فُلانًا يرجِّلُ شَعرهُ يومِ كلَّ جمعةٍ فقدم وأخر. والجَبَّارُ فِي اللُّغةِ: الَّذِي يَقْتُلُ عَلَى الغضب لَهُ.
فإن سَأَلَ سائلٌ، فَقَالَ: إنَّ صفات اللَّه تَعَالى نَحو: عَلِيْمٍ، وكَبِيْرٍ، وجبَّارٍ، محمودةٌ فلم صار هذا مذموما؟
[ ٣٨٦ ]
فقال: إنَ جبَّارًا فِي صفةِ اللَّه هُوَ الَّذِي أَجْبَرَ عباده عَلَى ما أراد وأحيا وأمات، وهي صفةٌ لا تليق إلا بالله. وكذلك الكبر رداء اللَّه فإذا جاء المخلوق ليتشبه بمَن لا يُشبهه شيء وارتكبَ ما ليس لَهُ ونازع اللَّه ﷻ رِدَاءَهُ، وكان مذمومًا لَهُ.
فإن قَالَ قائلٌ: فإن أَفعل لا يكون مِنْهُ فعَّال.
فقل: قَالَ ثعلبٌ: عنْ سَلَمةَ عنْ الفَرَّاء، قَالَ: قد وجدتُ فعالا من أفعل حرفين أدرك فهو دراك نحو أجبر فهو جبَارٌ ولا ثالث لهما، يُقال: أجبرتُه عَلَى كَذا، أي:
قَهَرْتُهُ، وجَبَرْتُ العَظْمَ الفَقِيْرَ فهما مجبوران، والله جابر كل كسر، وجبار.
قَالَ ابنُ خالويه: وقد وَجَدْتُ حرفًا ثَالِثًا أَسْأَرَ الشَّرابَ فِي القَدَحَ فهو سَأَرٌ، وقال الأخطل:
لا بالحصور ولا فيها بسئار ومن رَوى بسوَّار فهو المُعربد
وقولُه تَعَالى: ﴿فأطلع إلى إله موسى﴾.
روى حَفْصٌ عنْ عاصمٌ: «فَأَطَّلِعَ إلى إِلهِ مُوسَى».
روى حَفْصٌ، عنْ عاصمٌ: «فَأَطَّلِعَ إلى إِلهِ مُوسَى» بالنَّصب لأنَّ من العربِ من يَنْصِبُ جوابَ لَعَلَّ بالفَاءِ كما يَنصَبُ جوابُ الاستفهامِ وغيره، وقد قَرَأَ عاصِمٌ أيضًا: «فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى» قَالَ الشَّاعِرُ - شاهدًا لهذه القِرَاءَةِ -:
علَّ صُرُوْفَ الدَّهْر أو دولاتها يدللننا اللمة من لشماتها
فتستريح النفس من زفرتها
وفي هَذَا البيت شاهدٌ آخرُ، وهو أَنَّهُ خَفَضَ ب لَعَلَّ وبنى آخره عَلَى الكَسرةِ، وهي لُغةٌ خطَّأها الكُوفُّيون والبَصريُّون، يُقالُ: لعلَّ زيدًا قائمٌ وعلّ زَيْدًا وعلَّ زيدٌ وعَلَّ زيد ولعنك ولأنك ورعنك ورغنك كلُّ ذَلِكَ بمعنى لعلّ.
وقرأ الباقُون بالرَّفعِ: فاطلعُ وهو الاختيار نَسَقٌ عَلَى لعلى أبلغُ فأطلع.
وحكى الأخفش لو أن قارئًا قرأَ: «يَا هَامَانُ ابنُ لِيْ صَرْحًا» بضَمَّ النُّون لكان صوابًا يُتبع ضمة نون «هَامَانُ» بضمَّةِ ابنُ لأنَّ الألف سَقَطَتْ للوَصلِ والباء ليس حاجزًا قويًّا إذْ كان ساكنًا، وهذا غَلَطٌ عندي، لأنَّ كسرةَ النُّون فِي «ابنِ لِيْ صَرْحًا» دِلَاْلَةٌ عَلَى الياءِ السَّاقِطَةِ فَمَتَى ضَممت ذَهبت العلامةُ أَلا تَرى أنَّ النَّحويين قالُوا: مَنْ
[ ٣٨٧ ]
قَرَأَ: «يَا أَبَتِ إنِّي رَأَيْتُ» بكسرِ التَّاءِ لم يَجُز الوقف بالتاءِ، لئَلَّا تذهبَ العلامةُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيْلِ﴾.
قرأ أهلُ الكوفة: «وصد» ردا عَلَى قولُه: ﴿وَكَذلِكَ زُيِّنَ﴾.
وقَرأَ الباقون: «وَصَدَّ» بالفتح.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وهو الاختيارُ، لأنَّ فِيهِ حُجَّةٌ لأهلِ السُّنَّة.
وقولُه تَعَالى: ﴿ادْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ﴾.
قرأ نافعٌ وحمزةٌ والكِسَائِيُّ وحفصٌ عنْ عاصمٍ: «ادخلوا» بقطع الألف، لأن الدخول ليس هُوَ ما يشاءونه، ويفتعلونه من ذاتِ أنفسهم، بل الزَّبانية يُدخلونهم بعَسف وعُنف، وضَرب وسَحب.
وقرأ الباقون بالوَصلِ: «وَيَوْمَ تَقُوْمُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا» عَلَى تقدير: يُقال لهم:
ادخلوا.
وقولُه تَعَالى: ﴿يَدْخُلُوْنَ الجَنَّةَ يُرْزَقُوْنَ فِيْهَا﴾.
قرأ أَبُو عمرٍو وابنُ كثيرٍ وأبو بكرٍ عنْ عاصمٍ: «يُدْخَلُوْنَ» بالضَمِّ لقُربة من ﴿يُرْزَقُوْنَ﴾.
وقرأ الباقون وحفصٌ، عنْ عاصمِ ويحيى، عنْ أَبِي بَكْرٍ: «يَدْخُلُوْنَ» بالفتح.
ومعنى هَذَا أنّهم إذا أُدْخِلُوا دَخَلُوا، كما تَقُولُ: أماتَ اللَّه زيدًا فمات هُوَ غيرَ أن مات فعلُ المطاوعةِ والدُّخول فعلٌ عَلَى الحقيقة إذا أُكرهوا عَلَيْهِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿سَيَدْخُلُوْنَ جَهَنَّمَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو بكرٍ، عنْ عاصمٍ: «سَيُدْخَلُوْنَ» بالضَمِّ.
والباقون بالفَتح، وعلّته كعلةِ الأولِ ومعنى داخرين: صاغِرين.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُوْمَ الَأشْهادُ﴾.
اتفقوا عَلَى الياء، والأشهادُ: جمعُ شاهدٍ مثل صاحبٍ وأصحاب، وفاعِل وأفعال نادِرٌ، وإنما ذكرته لأنَّ فعل الجماعة إذا تقدم يذكَّرُ ويُؤَنَّثُ.
فأمَّا قولُه تَعالى: ﴿يَوْمَ لَاْ يَنْفَعُ الظَّالِمِيْنَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾.
فقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو وابنُ عامرٍ بالتاء لتأنيث المَعذرة.
وقرأ الباقون بالياء؛ لأنَّ تأنيث المَعذرة غيرُ حقيقيّ، ولأنك قد حلت بين الفعل
[ ٣٨٨ ]
المؤنث بحال فصار كالعوض من العلامة.
وقولُه تَعَالى: ﴿قَلِيْلًا مَّا تَتَذَكَّرُوْنَ﴾.
قرأَ أهلُ الكوفةِ بتاءين.
وقرأ الباقون بياءٍ وتاءٍ.
قَالَ ابنُ خَالَوَيْهِ: والوقف عَلَى: «وَلَا المُسِيءُ» وقف عَلَيْهِ ابْنُ مُجَاهدٍ، ثُمَّ يَبْتَدِئ «قليلًا» لأنَّه ينتصب «قليلًا» ب «تَتَذَكَّرُوْنَ» و«ما» صلة، هَذَا قول مَعْمَرٍ.
وقال آخرون: يجعل «ما» مصدرًا مَعَ الفعل أي: قليلًا تذكرهم، وهذا قد أحكمناه فِي كتابِ المَاءآت.
وقولُه تَعَالى: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوْخًا﴾.
قرأ ابْنُ كثيرٍ وحمزةُ والكِسَائِيُّ وابنُ ذَكْوَانٍ وأبو بَكْرٍ: «شِيْوخًا» بكسر الشين.
والباقون بالضَمِّ.
واختلفوا فِي هذه السُّورة:
فِي قولُه: ﴿ذَرُونِي أقتل﴾، ﴿وإني أخاف﴾ و﴿لعلي أبلغ﴾، ﴿ما لي أَدْعُوْكُمْ﴾ ﴿أَمْرِي إلى اللَّه﴾ ﴿أُدْعُوْنِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ و﴿لَمَّا جاءَنِي البَيِّنَاْتُ﴾.
فتح نافعٌ: ﴿إنِّي أخاف﴾ كلّها، و﴿جاءنَي البَيِّناتُ﴾، و﴿أمْرِيَ﴾، و﴿لعلي﴾ و﴿ما لي﴾.
وأبو عَمْرو مثله.
وفتح ابْنُ كثير: «ذرونيَ أقتل»، «أدعوني أستَجِب» وجميع ما فتحه نافعٌ إلا «أمري إلى الله» فإنه أسكن. وفتح أهل الكوفة «جاءني البينات» وأسكن البواقي وفتحَ ابنُ عامرٍ بروايةِ ابنِ ذكوان: «ما لي أدعُوكُمْ» و«جاءَنِيَ البَيَّنَاتُ» فقط.
[ ٣٨٩ ]