قولُه تَعَالى: ﴿عَالِمِ الغَيْبِ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «عَلَّامِ الغَيْبِ» بالخفضِ نعتٌ للرب تَعَالى فِي قَولُه: «قُلْ بَلَى وَرَبِّي﴾ علَّامِ الغَيْبِ» لأنَّ «بَلَى» صلى للقسمِ، و«رَبِّي» جرٌّ بواوِ القسمِ.
و«علَّام» أبلغُ فِي المَدْحِ من «عَلِيْمٍ» و«عالِمٍ» لأنَّ فَعَّالًا لفعلِ وضعَ للتَّكثِيْر والدَّوامِ، والمُبالغة فِي الصِّفة كقوله: جزَّار وحلَّاق، وفلان سبَّاقٌ بالخيرات، واحتجا بما حَدَّثَنِي ابنُ مُجاهدٍ، عن مُحَمَّد بْن هارون، عن يَحيى بْن زيادٍ، قَالَ: فِي حرفِ ابْنُ مَسْعُودٍ «عَلّامُ الغَيْبِ» واحتَجَّا أيضًا بما فِي آخر السُّورة ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذفُ بالحَقِّ عَلَّامُ الغُيُوْبِ﴾.
وقال الباقون أعني من قرأ: «عالم الغيب» وهو ابنُ كَثيرٍ وأبو عَمْرٍو وعاصِمٌ «عَلَّامُ الغُيُوبِ» فِي آخرِ السُّورة مضافٌ إلى الجَمعِ فَشُدِّدَتْ للتَّكثرِ والتَّرديد. كما تَقولُ العربُ: أَغْلَقْتُ البابُ مُخَفَّفَا فإن جَمَعُوا قَالُوا غُلِّقَتِ الَأبْوَابُ، وذَبَّحْتُ الشَّاء قَالُوا:
والاختِيَارُ «عَالِمِ الغَيْبِ» كما قَالَ تَعَالى فِي قَدْ أَفْلَحَ، ﴿عَالِمِ الغَيْبِ والشِّهَادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُوْنَ﴾.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ: «عَالِمُ الغَيْبِ» بالرَّفْعِ عَلَى الابتداءِ والخَبرِ: هُوَ عالمُ الغَيْبِ.
والعَرَبُ تَقُولُ: رجلٌ عالمٌ فإذا زادوا فِي المدح، قَالُوا: عَلِيْمٌ، فإذا بالَغُوا فِي الوصف قَالُوا: علَّامُ، وعلَّامة.
وقولُه تَعَالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾.
قرأ الكِسَائِيُّ وحده: «لَا يَعْزِبُ عَنْهُ» بكسرِ الزاي.
وقرأ الباقون بالضَمِّ. وهما لُغتان: يَعْزُبُ، ويَعْزِبُ مثل يَعْكُفُ، ويَعْكِفُ، ويَعْرُشُ، ويَعْرِشُ، وقَد ذكرتُ علة ذَلِكَ فِي سورة يُونس.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَهُمْ عذاب من رجز أليم﴾.
قرأ ابن كثير وحفصٌ، عن عاصمٍ: «مِنْ رِجْزٍ أَليمٌ» بالرفع فجعله نعتًا للعذاب أي: لَهُمْ عذابٌ أليمٌ من رجزً، والأليمُ: المؤلِمُ الموجِعُ، يقال: آلمتُ الشَّيء آلم. قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿إنْ تكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُم يَألَمُونَ كَمَا تَألَمُون﴾ وقال: أَليمٌ بمعنى مُؤلم، مثل
[ ٣٥٤ ]
سمِيعٍ بمعني مُسمع. كما قَالَ:
أَمِن رَيْحَانَةِ الدَّاعىْ السَّمِيْعُ يُؤَرِّقُنِيْ وَأَصْحَابِيْ هُجُوْعُ
أراد: المُسمع.
وقرأ الباقون: «مِنْ رجْزٍ ألِيمٍ» جعلوه نعتًا للرجز يختلف النَّاس فِيهِ، فقالوا: هُوَ بمعنى الرِّجس، وقالوا: كل ما فِي القرآن الرّجس فهو النَتَنُ، وما كان الرِّجز فهو العَذَابُ إلا قولُه: «الرُّجْزَ فاهجُرْ» فإنَّ معناه: وَعَبَدَةِ الأوثَان فاجتنبهم لأن الرجز - هاهنا - الصنم بالضم.
وقوله تعالى: ﴿إن نشأ نخسف بِهِمُ الأَرضَ أو نُسقِطْ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بالياء اختيارا عن اللَّه «إن يَشَأ يَخْسِفْ بِهِمُ».
وقرأ الباقون بالنون. الله تعالى يخبر عن نفسه. واتفق القُراء عَلَى إظهار الفاءِ عند الباء، لأنَّ الباء يخرج من بين الشَّفتين، والفاءُ تخرجُ من باطنِ الشَّفةِ السُّفلى والثَّنايا العليا وفيه نَفَسٌ فبطلَ الإِدغامُ لذلك إلا الكِسَائيُّ وحده، فإنه قرأ بالإدغام «نَخْسِفْ بِّهِمُ» فأمَّا إدغام الباءِ فِي الفاءِ فصوابٌ كقراءةِ أَبِي عَمْرٍو: «وإنْ تَعْجَبٌ فعجب قَولُهُمْ» وقَد ذكرنا علة ذَلِكَ فيما سَلَفَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيْحَ﴾.
قرأ عاصمٌ وحده فِي روايةِ أَبِي بكر: «الريح» بالرفع جعله ابتداء، «وله» الخبر ولم يظهر العامل، والأصل بالنصب عَلَى ما قرأ الباقون: «ولسليمان الريح» أي:
سَخَّرنا لسليمان الرِّيْحَ «غُدُوُّها شَهْرٌ، وَرَواحُهَا شهر» بالرفع، ولو قيل: «غدوها شهرا، ورواحها شهرًا» بالنصب لكان جائزًا فِي غير القرآن، جعله نصبًا عَلَى الظرف أي: غدوها فِي شهرٍ، غير أن الاختيار فِي الكلام، وفي القرآن الرَّفعُ، إذا كان بالابتداء مصدرًا كقولك صيامي شهر، وصلاتي خمس شهرٌ، قَالَ الشَّاعِر:
وإنَّ سُلُوِّى عن جَمِيْلٍ لَسَاعَةٌ مِنَ الدّهْرِ مَا حَانَتْ وَلَا حَانَ حِيْنُهَا
فرفع «لَساعَةٌ» لأنَّ السلوَّ مصدرٌ، والخبرُ نكرةٌ، فإن جعلت الخبرَ معرفةً فاختيارُ العربِ النَّصبُ.
وحدَّثني ابنُ مجاهدٍ، عن السِّمَّرِيِّ، عن الفَرَّاء، قَالَ: تَقُولُ العربُ: ما ترك فلانٌ عن أَبِيهِ غُدُوًّا، ولا رواحًا، ولا مَغْدًى ولا مراحًا بمعنى واحدٌ: إذا نزع فِي الشبه إليه.
[ ٣٥٥ ]
وقولُه تَعَالى ﴿وَجِفَانٍ كَالجَوَابِ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ: «الجوابي» بالياء، وصل أو قف على الأصل، لأن الأصل جبية والجمعُ جوابٍ، قَالَ الشَّاعِر - هُوَ الأعشى -:
كَجَابِيَةِ الشَّيْخِ العِرَاقِيِّ تَفْهَقُ
والجوابي: الحياض، والجفان: القِصاع الكِبار، والقدور الراسيات الثابتة التي لا تَزِلُّ لعظمها، واستعمالهم إياها دائمة.
والباقون يحذفونها وصلًا، ووقفًا اجتزاء بالكسرةِ واتباعًا للكتاب.
وكذلك قرأ نافعٌ بروايةِ ورشٍ «الجوابي» بالصلة فِي الوصل.
وكان بعضُ الزَّنادقة، يَقُولُ: إن فِي القرآن ما يُوافق الشِّعر كقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾، ﴿ودانية عليهم ظلالها﴾، ﴿وجفان كالجواب وَقُدُوْرٍ رَاسِيَاتٍ﴾ وهذا الزِّنديق مَعَ كُفره جاهلٌ بمذهبِ العربِ وافتنانها بالمَنظوم والمَنثور.
وذلك أنَّ الشَّاعر لا يَقُولُ بيتًا وفي آخره حرف نَسَقٍ لم يَتَقَدَّمْهُ بَيْتٌ قبله، ولا يكونُ الكلامُ شعرًا حتَّى يَقُولُ صاحِبُهُ إني نظمت هَذَا الكلام وجعلتُهُ شعرًا، فأمَّا إذا تكلَّم بكلامٍ موزونٍ لم يُسَمَّ شعرًا، وأنت تجد ذَلِكَ فِي كلام العجم، والعامِيُّ لا يعرف الشعر ربما يتكلم بكلامٍ لو حُمل عَلَى بحور الشعر وعروضه لاتزن، وهذا بيِّنٌ والحمد لله.
وقولُه تَعَالى: ﴿إلَّا دابَّةُ الَأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾.
قرأ أَبُو عَمْرٍو ونافع الهمزِ تخفيفًا. والأصل الهمز من «مِنْسَأَتَهُ» كما قرأ الباقون.
وقرأ ابنُ ذكوان عن ابْنُ عامرٍ «مِنْسَأْتَهُ» بسكون الهمزة.
والمِنْسَأَةُ: العَصَا.
وحدَّثني ابن مجاهد عن السمري، عن الفراء، قال: حَدَّثَنِي حِبَّان، عن الكَلْبِيّ، عن أَبِي صالحٍ، عن ابْنُ عَبَّاس فِي قولُه: «تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ» قَالَ: عَصَاهُ. قَالَ الشَّاعِرُ - فِي تركِ الهَمْزِ -:
إذَا دَبَبْتَ عَلَى المَنْسَاةِ من كِبَرٍ فَقَدْ تَبَاْعَدَ عَنْك اللَّهْوُ وَالغَزَلُ
وقال بعضهم: لا تُسمي العصا المَنْسَأَةَ إلا عصا الرَّاعي الكبيرة، وإنما قيل لها المَنْسَأَة، لأنَّه يُنسى بها أي: يُؤخر بها الدَّواب يقال: أَنسأ اللَّه أجلك، ونَسَأَ اللَّه فِي أَجَلِكَ أي: أخَّر فِي عمرك وزاد فِيهِ، ويقالُ للَّبَنِ إذا مُزِجَ بالماء ومذقته: النسء
[ ٣٥٦ ]
أنشدني ابن دريد:
سقوني النسء ثم تكنفوني عداة الله من كذب وزور
ويقال: نسيت المرأة تنسى وهي نسيء كما ترى، والجمع نسو ونسوء كما تَرى:
إذا حَبَلَتْ. فالمَنسأة: كلمةٌ واحدةٌ. قَالَ النحويون: ولو قُرِئَ: من سِئَتِهِ لكان صوابًا، يجعله كلمتين مأخوذ من سِئَةِ القَوْسِ، وهما طرفاها، غيرَ أنَّ القُرآن سنةٌ، ولا يقرأ كل ما يجوزُ فِي النَّحو، إنما يتبع فِيهِ الأئمة.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَقَدْ كَاْنَ لِسَبَإ﴾.
فقد ذكرته فِي سورة النمل وإنما أعدتُ ذكره، لأنَّ بعضَ النَّحويين اختار الصَّرْفَ؛ لأنَّه صحَّ عندنا عن رَسُولِ اللَّه - ﷺ - أن سبأ رجلٌ وله عشرةُ من البَنين، وله حديث.
حَدَّثَنِي أَبُو عبد الله الحكيمي، حدثنا حَمَّاد بْن عبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزيد بْن هارون، قَالَ: أخبرنا أَبُو جنابٍ، عن يَحيى بْن هشام، عن فروة بْن مُسَيْكَة، قَالَ: «أتيت رَسُول اللَّه - ﷺ - فقلت يا رَسُول اللَّه أرأيت سبأ، أوادٍ هُوَ أم جَبَلٌ؟ قَالَ: لا، بل هُوَ رجلٌ من العَرَب، ولد عَشَرَةٌ، فتيامن ستةٌ وتشاءم أربعة، فتيامن الأَزدُ، والأشعرونَ، وحِمْيرٌ، وكِنْدَةٌ، ومَذْحِجٌ، وأَنْمَارٌ الَّذِي يقال لهم: بَجِيْلَةَ، وخَثْعَم. وتَشاءم أربعةٌ لخمٌ، وجُذَام، وعاملةُ، وغسَّان.
وقولُه تَعَالى: ﴿فِيْ مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾.
قرأ الكِسَائِيُّ: «فِي مَسْكِنِهِمْ» بكسرِ الكاف جعله اسمُ الموضع الَّذِي يسكنون فِيهِ، كما قَرَأ: «حَتّى مَطْلِعَ الفَجْرِ» أي: فِي مَوضع الطُّلوع، ومثله المَسْجِدُ: موضع السُّجود.
وقرأ حمزةُ عن عاصمٍ: «مَسْكَنِهِمْ» بفتح الكاف جعلوه لغتين المَسْكَنُ والمَسْكِنُ، مثل المَنْسَكِ والمَنْسِكِ، والمَهْلَكِ والمَهْلِكِ.
وقال آخرون: الاختيار لمَن فَتَحَ لَهُ يجعلَه مصدرًا «لَقَدْ كانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ» أي: سُكناهم و«فِي مَسَكِنِهِمْ» بمعنًى، ومهلكهم وهلاكهم بمعنى، وحتى مطلع الفجر، وحتى طلوع الفجر، وهذا باب قد أحكمناه فِي سورة الكهف.
وقرأ الباقون: «فِي مَسَاكِنِهِمْ» بالجماع بألفٍ مثل المَساجد، والسَّكنُ: أهلُ الدارِ،
[ ٣٥٧ ]
والسَّكَنُ: الدَّارُ، والسَّكِيْنَةُ: الوَقَارُ.
وحدَّثني أَبُو عُمَرٍ، عن ثعلب، عن سلمة، عن الفراء، قال من العربِ من يَقُولُ: «فِيهِ سَكِّيْنَةُ مِنْ رَبِكُمْ» بالتَّشديد، يريد: سكينة.
وقولُه تَعَالى: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾.
قرأ أَبُو عَمْرٍو وحده مضافًا: «اُكُلِ خَمْطٍ».
وقرأ الباقون: «أُكُلٍ خَمْطٍ» منَّونًا. قَالَ النَّحويُّون: وهو الاختيار، لأنَّ الخَمْطَ نعتٌ للأكل والشيء لا يُضاف إلى نعته. ومن أضافَ، قَالَ: الخَمْطُ: جنسٌ من المأكولات، والأُكُلِ أشياءٌ مختلفةٌ فأضفته إلى الخمط، كما يُضاف الأنواع إلى الأجناس، والخميط: ثمرُ الأراك، وهو البَربرُ أيضًا، واحدها بَريرة. وبريرة: جاريةُ عائشةَ، والبَرِيْرُ: شجرُ السِّواك، والأَثل: شجرٌ واحدها أَثْلَةٌ وتجمع أثلات في العدد القليل، قال الشاعر:
فيا أثلات القاع من بطن توضح حنيني إلى أَوْطَانِكُنَّ طَوِيْلُ
ويروى: أطلالكن.
وابنُ كثيرٍ ونافعٌ يخففان: «أُكْلٍ خَمْطٍ».
والباقون يثقلون: «أُكُلٍ خَمْطٍ» بضم الكاف عَلَى الأصل، كما قَالَ تَعَالى:
﴿أُكُلُهَا دَآِئمٌ﴾. ومن أسكن الكاف مال إلى التَّخفيف، وقد ذكرتُهُ فيما تقدَّمَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوْبِهِمْ﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحده: «فَزَعَ» بفتح الفاء والزاي، أي فزع الله عن قلوبهم الروعة، خفف عَنْهُمْ ذَلِكَ، وذلك أن الفترةَ بين النَّبي - ﷺ -، وعيسى ﵇ كانت ستمائة سنة، فلما نَزَلَ الوحيُ عَلَى رَسُولِ اللَّه - ﷺ - سَمِعْتُ الملائكة صليلًا ووقعًا كصلصلة السلسلة عَلَى الألواح، ففزعت، وظنت أن القيامةَ قد قامت. فَقَالَ بعضُهم لبعض: «مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ» فأُجِيْبُواْ: «قَالُوا الحَقّ» أي: قَالَ يشاء الحق وأنزل الحق.
وقرأ الباقون: «فُزِّعَ عَنْ قُلُوْبِهِمْ» بضم الفاء وكسر الزاي عَلَى ما لم يُسمَّ فاعله.
وحدَّثني أَحْمَد، عن علي، عن أبي عبيد أن الحسن قرأ: «فُزِّغَ عن قلوبهم» بالزَّاي والغين معجمة.
[ ٣٥٨ ]
وفيه قراءةٌ رابعة - بخلاف المصحف فلا يجوز القراءة بها -: «حَتَّى إذَا افَْرَنْقَعَ عَنْ قُلُوْبِهِمْ» رُوىَ ذَلِكَ، عن ابْنُ مَسْعُودٍ وروى عن عِيسَى بْن عُمَر، وذلك أَنَّهُ سَقَطَ من حمارة ذات يوم فاجتمع عليه الناس، قال: ما لي أراكم قد تكأكأتم عَلَى كتكأكئكم عَلَى ذي جِنَّةٍ، فافرنقعوا عَنِّي.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِى إلَّا الكَفُورُ﴾.
قرأ حمزة والكِسَائِيُّ وحفص، عن عاصم «نُجازي» بالنون، اللَّه تَعَالى يخبر عن نفسه: «إلَّا الكفور» قرأ حمزة والكسائي وحفص، عن عاصم نصب مفعول بِهِ.
وقرأ الباقون: «يُجازَي» بالياءِ، وفتحِ الزَّاي عَلَى ما لم يُسم فاعله، و«الكَفُورُ» رفع، وهَلْ فِي هَذَا الموضع بمعنى الجحد، كقولك ما يجازي إلا الكفور، قَالَ الشَّاعِر:
فَهَلْ أَنْتُمُ إلَّا أَخُونَا فَتُحزبوا عَلَيْنَا إذَا نَابَتْ عَلَيْنَا النَّوَائِبُ
ذَلِكَ أن هَلْ تكون استفهامًا وجحًدا وأمرًا. كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُوْنَ﴾ أي:
انتهوا. وتكون بمعنى قد كقوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ﴾ قد أتى على الإنسان، وإلا تحقيق بعد جحدٍ، أعنى فِي قولُه: ﴿وَهَل نُجَازِيْ إلَّا الكَفُوْرُ﴾.
- وقولُه تَعَالى: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أسْفَارِنَا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمروٍ وهشام بْن عامرٍ: «ربَّنَا» عَلَى الدعاء، أي: يا ربنا بالنصب. و«رَبَّنَا» بالنَّصب أيضًا «باعِدْ» بألف أيضًا و«باعِدْ» دعاءٌ عَلَى لفظ الأمر، وكذلك «بَعّد، وعلامة الأمر سكون الدّالِ. والمصدر باعدَ يُباعِدُ مباعدةٌ فهو مباعد ومن الأول بَعد يبعد بعدًا فهو مبعد.
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: روى عماد بْن مُحَمَّد، عن الكلبي، عن أَبِي صالح «ربّنا» بالرَّفعِ عَلَى الابتداء «باعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا» عَلَى الخَبَر ف «بَاعَدَ» فعلٌ ماضٍ عَلَى هذه القراءة.
حَدَّثَنِي بذلك أَحْمَد، عن عليّ، عن أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: فإن قيلَ لَكَ: باعَدَ خبرٌ، وباعِدْ دعاء، فلم جاز فِي آية من كتاب اللَّه ﷿ أن يُقرأ بالشيء وضدِّه.
فالجوابُ فِي ذَلِكَ: أنَّهم سألوا ربَّهم أن يُباعد بين أسفارهم فلما فَعَلَ اللَّه ذَلِكَ بهم أخبرُوا، فقالوا: ربَّنا باعدَ بين أسفارنا فأنزل اللَّه ذَلِكَ فِي العرضتين فاعرف ذَلِكَ. وله فِي القرآن نظائر.
[ ٣٥٩ ]
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيهِمْ إِبلْيسُ ظَنَّهُ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ: «وَلَقَدْ صدَّق عليهم» بالتّشديد «إبليسُ» بالرَّفعِ «ظنَّه» مفعولٌ، وذلك أن إبليس - لعنه الله - قال ظنيا لا مستيقنا «ولَأمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ» «ولأُضِلَّنَّهُمْ» فلمَّا تبعه من قد سبق شقاؤه عندَ اللَّه صَدَّقَ ظنه، قال ابن عباس: ظن فَصَدَقَ ظَنَّهُ.
وقرأ الباقون: «وَلَقَدْ صَدَقَ» مخففًا و«ظنَّه» نصبا أيضًا؛ لأنه يُقال: صدَّقْتُ زيدا وصدقت زيدا وصدقته وكذبته وكذبته وينشد:
فصدقتها وَكَذَبْتُها والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَاُبُهْ
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: قرأ أبو الحجاج: «وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيهِمْ إبليسَ ظَنُّهُ» جعل الفعل للظَنِّ ونصب «إبليس» قَالَ النَّحويون: وهو صوابٌ، كما تَقُولُ صدَّقني ظنِّي، وكذَّبني ظنِّي.
وقولُه تَعَالى: ﴿إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾.
قرأ ابنُ كثير ونافع وابن عامر وحفص، عن عاصم: أَذِنَ بفتح الهمزة وكسر الذال، أي: أذِنَ اللهُ لَهُ.
وقرأ الباقون: «أُذِنَ لَهُ» عَلَى ما لم يُسمَّ فاعله، وَيُقَال: أذنت للرجل فِي الشيءِ يفعله بمعنى: أعلمته، وأذنتُهُ أيضًا، وأذنَ زيدٌ إلى عُمَر: إذا استمع إِلَيْه. جاء في الحديث: «مَا أَذِنَ اللَّهُ بِشَيْءٍ قَطُّ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنَ الصَّوتِ يَتَغَنَّى بالقُرْآن».
وقولُه تَعَالى: ﴿وَهُمْ فِي الغُرُفاتِ آمِنُوْنَ﴾.
قرأ حمزةُ وحده: «فِي الغرفة» بالتوحيد، لأن الله تعالى قال: ﴿أولئك يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بمَِا صَبَرُوا﴾ وفي الجَنَّة غُرفاتٌ وغُرَفٌ. غير أنَّ العَرَب تَجتزئ بالواحد عن الجَماعة فيقولون: «رزقك اللَّه الجنة يريدون الجَنَّات» و«أهلك النَّاس الدِّيْنَارَ والدِّرْهَمْ» يريدون: الدّنانير، والدَّراهم، وقال اللَّه تَعَالى: ﴿والمَلَكُ عَلَى أَرجائهَا﴾ يريد المَلائِكَةَ.
وقرأ الباقون: «فِي الغُرُفاتِ» بالجماع. وشاهدهم قولُه: «لَهُمْ غُرَفٌ من فَوْقِهَا غُرَفٌ» فغرفة وغرفات مثل ظلمة وظلمات، وهو جمع قليل، وغرفة وغرف جمعُ كثيرٍ مثل ظُلمة وظُلم، وأجاز النَّحويون غُرْفات وظُلْمَاتٍ بالإِسكان تخفيفًا. وأجاز النحويُّون
[ ٣٦٠ ]
ظُلَمات وغُرَفات بفتح اللام والراء، لو قيل فِي الواحد: غرفة وظلمة لجاز، كما قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الجمعة﴾ وقرأ الأعمش: «من يوم الجمعة» بجزم الميم، وكلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ ولله الحمد.
وسَمِعْتُ مُحَمَّد بْن أَبِي هاشمٍ، يَقُولُ: سمعتُ ثعلبًا يَقُولُ: إذا ورد الحرف عن السبَّعة. وقد اختلفوا ثُمَّ اخترتُ لم أفضل بعضًا عَلَى بعضٍ، فإذا ورد فِي الكلام اخترتُ، وفَضَّلْتُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وأنَّي لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾.
كان أَبُو عَمْرٍو يقرأ بين بين وكذلك نافعٌ، وهو إلى الفتح أٌقرب.
وحمزة والكِسَائِيُّ بالإمالة «أَنَّي».
والباقون يَفتحون.
وقولُه تَعَالى: ﴿التَنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيْدٍ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ غير أَبِي بَكْرٍ وأبو عمرو: «التناوش» بالهمز.
وقرأ الباقون بتركِ الهمزِ. فاختلف النَّحويون فِي ذَلِكَ، وقال قومٌ: هما لغتان:
نشت، ونأشت، وتنوش، وتناش، والتناوش، قَالَ الشَّاعِر:
فهيَ تَنُوْشُ الدَّلْوَ نَوْشًا مِنْ عَلَا نوشًا بِهِ تَقْطَعُ أجوازَ الفَلَا
وقال آخرون: التَّناوشُ - بترك الهمز - التَّناولُ - والتَّناؤش - بالهمز -:
التَّباعُدُ، قَالَ رؤبة:
كَمْ ساقَ مِنْ امْرِئٍ جَحِيْشِ إلَيْكَ نَأْشُ القدر النئوش
وقال آخر:
تمنيت نُئَيْشًَا أَنْ يَكُونَ أطَاعَنِي وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الُأمُوْرِ أُمُوْرُ
وفي هذه السُّورة أربعُ ياءاتٍ اختُلف فيها:
﴿مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُوْرُ﴾ و﴿أَرُوْنِيَ الَّذِيِْنَ أَلْحَقْتُم﴾ و﴿إنْ أَجْرِيَ إلّا﴾ و﴿إلى رَبِّي إنَّه سَمِيْعٌ﴾. فتحهن نافعٌ وأبو عَمْرٍو.
وفتح ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ والكِسَائِيُّ وابنُ عامر: «مِنْ عِبَادِيَ»، «وأَرُوْنِيَ» وأسكنوا الحرفين، وفتح حمزة: «أَرُوْنِيَ الَّذِيِْنَ» فقط، وفتحَ حفصٌ، عن عاصمٍ، وابنُ عامرٍ «إنْ أجْرِىَ» وقد ذكرتُ علّته فيما سَلَفَ من الكتابِ.
[ ٣٦١ ]