قوله تعالى: ﴿ما لها مِنْ فَوَاقٍ﴾.
قرأ حمزة والكِسَائِيّ: «من فُواق» بضم الفاء.
وقرأ الباقون بالفتح، فَقَالَ قومٌ: هما لغتان بمعنى واحدٍ.
وقال آخرون: «الفَواق» بالفتح: الراحة، أي: ما لها من راحة، ولا فترة، ولا سكون. والفُواق: ما بين الحلبيتين وذلك أن البهيمة ترضع أمَّها ثُمَّ تدعها ساعة حتى ينزل اللبن فما بين الحلبيتين فُواقٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وقَالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنَا قِطّنَا﴾.
القِطُّ: الصَّكُّ والكتاب، لأنَّ اللَّه تَعَالى لما أنزلَ: ﴿وأمَّا مَنْ أُوْتِيَ كِتَابَهُ﴾ بشماله كفر المشركون بذلك وجحدوا بذلك وجحدوا البعث، وقالوا: عجل لنا هَذَا الكتاب الَّذِي تعهدنا بِهِ. فأنزل اللَّه تَعَالى فِي هَذَا ونحوه: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِيِْنَ لَا يُؤْمِنُوْنَ بٍِهَا﴾ والقِطُّ فِي غيرِ هذه: السِّنَّوْرُ، أنشدني ابنُ دُرَيْدٍ:
وَكَلْبٌ يَنْبَحُ الطُّرَّاقُ عَنَّى أحبُّ إِلَيَّ مِنْ قِطٍّ أَلُوْفِ
ولِبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِيْ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لبس الشفوف
والقط بالفتح: مصدر قط الشيء يقطه قَطًّا، كان عليّ ﵁ إذا ضَرَبَ عَرْضًا قَطَّ، وإذا ضَرَبَ طولًا قدَّ. والقَطُّ أيضًا: غَلاء السِّعرِ نعوذُ بالله من قَطِّ الأسعار.
وَيُقَال: شعرٌ قَطُّ، وقَطَطٌ ومُقْلَعِطُّ، وهي أشدُّ الجُعُوْدَةِ. وَيُقَال: ما فعلت ذَلِكَ قطُّ، مبني عَلَى الضَمِّ.
وقولُه تَعَالى: ﴿ليدبروا آياته﴾.
روى حًسين، عنْ أَبِي بَكْر، عنْ عاصمٍ «تتدَبَّرُوا» بالتاء وتَخفيف الدّال.
أي: لتدبروا أنتم.
وقرأ الباقون: «ليَدَّبَّرُوا» بالياء، وتشديد الدَّالِ أرادوا: ليتدبروا أخبارًا عنْ غيبٍ.
فأدغم التاء من الدال فالتشديد من أجل ذَلِكَ ومثله «تذكروا» فالمصدر من الأول تدبر يتدبر تدبرًا فهو مُتدبر ومن الثاني فِي أدَّبر يدّبر إدبارًا فهو مدبرٌ. ومثله أطّوف وادارك وادارأتم، واطيرنا، مصادر ذَلِكَ كله سواء وزنهن تِفَعَّل تَدَبَّرٌ وتطوُّفٌ وتذكُّرٌ، وتطيُّرٌ،
[ ٣٨٠ ]
وأدغمت فلحقتها ألف الوصل.
قولُه تَعَالى: ﴿بالسُّوْقِ والَأعْنَاْقِ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وحده «بالسُّؤق» بهمزة ساكنة، وإن كان ابْنُ مجاهدٍ يراه غَلَطًا، والرّواية الصحيحة عَنْهُ بالسووق عَلَى فعول: فلما انضمت الواو همزها مثل «وقتت»، و«أقتت»، ومثل ذلك: غارت عينه غئورا، ودار، أدؤر.
وهذه رواية عَبْد اللَّه بْن عليّ بْن نصر وهو الصّواب. والأول رواية قنبل فتكون الهمزة منقلبةً ضمةً من الواو مثل: وقتت، وأقتت البزي: ««بالسوق» بغير همزٍ مثل قراءة أَبِي عَمْرو - ف «سوق» جمعُ ساقٍ مثل باحة، وبوح، وساعة، وسوح، والساحة، والباحة والصرحة، والعرصة كلٌّ واحدٌ، وكذلك قارة، وقور للجبيل الصغير. والمسح - هاهنا -: الغسل، وذلك أن سُلَيْمَان ﵇ كان مشغوفًا بالخيل فغسل نواصيها وسوقها بالماء.
وقال آخرون: «فطفِق مسحًا بالسُّوق والأعناق» أي: عرقبها وقَطَعَ أعناقها، لما فاتته صلاة العصر وشغلته عنْ ذكر اللَّه تَعَالى ﴿حتَّى تَوارتْ بالحِجَابِ﴾ أي: حَتَّى غابت الشمس.
فإن قَالَ: إنَّ سُلَيْمَان ﵇ نبي معصوم. فلم عرقب الخيل وهي لم تذنب؟
فأحسن الأجوبة:
فَلَمَّا أَجَزْنَا ساحة الحي وانتحى بنا بطن خبث ذي عقاف عقنقل
والجَوابُ الثَّاني: أنَّ العربَ تَعدُّ من واحدٍ إلى تسعة وتسميه عشرًا. ثُمَّ تزيد واوًا وتُسمى واو العشر كقوله تعالى: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمنِاتٍ﴾ عد سبعة، ثُمَّ قَالَ: ﴿وأبكارًا﴾.
والجواب الثالث: - والاختيار - ما قَالَ المُبَرِّدُ. قَالَ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس إذا وجدتُ حرفًا من كتابِ اللَّه قد اشتَمَلَ عَلَى معنى حسنِ لم أجعله مغلي، ولكن الواو هاهنا واو نَسَقٍ، والتقدير: حَتَّى إذا جاءوها وَصَلُوا وَفُتِحَتْ أبوابُها. وهذا حسنٌ جدُّا.
واختلفوا فِي هذه السورة فِي خمس ياءآت:
«إنِّي أُمِرْتُ» فتحها نافعٌ. وأسكنها الباقون.
و«إنِّي أخافُ» فتحها نافعٌ وابنُ كثيرٍ وأبو عَمْروٍ.
و«يا عِبَادي» و«قُلْ يَا عِبَادِيَ» و«أَتأْمُرُونِي» وقد ذكرتُهُنَّ.
[ ٣٨١ ]