قولُه تَعَالَى: ﴿طَهَ﴾.
فيه سبعُ قراءاتٍ.
قرأ ابنُ عامرٍ، وابنُ كثيرٍ وحفص، عن عاصم: «طه» بتفخيم الحرفين.
وقرأ أهلُ الكوفةِ إلَّا حَفصًا «طِهِ» بإمالتهما، واحتَجُّوا بما حَدَّثَني ابنُ مجاهدٍ، عَنْ السِّمَّرِيّ، عَنْ الفَرَّاء، قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ عاصمٍ، عَنْ زِرٍّ أنّ رَجُلًا قرأ عَلَى عبدِ الله: «طَهْ» فَقَالَ عَبْد الله: «طِهِ»، فَقَالَ: يا أبا عَبْد الرَّحْمَن أليس إنّما أُمرَ أنْ يَطَأَ الأرضَ بقدمِهِ؟ فَقَالَ عَبْد الله: «طِهِ». كذا سمعتُ رَسُول الله - ﷺ - يقرؤها. وقرأ نافعٌ: «طه» بين الإمالة، والتَّفخم. وهو إِلى الفتح أَقربُ.
وقرأ أبو عمرو: «طه» بفتح الطَّاءِ وكسرِ الهاءِ، قيلَ لأبي عَمْروٍ: ولِمَ كَسَرْتَ الهَاءَ؟ قَالَ: لئَلَّا يَلتَبِسَ بالهاءِ الّتي للتّنبيه.
وقرأ عيسى بْن عُمر ضِدَّ قراءَةِ أَبي عَمْروٍ «طِهَ» فكأنَّ كره أن يَجمعَ بين كَسرتين.
ففتحَ الهاءَ ليعتدل الكلامُ.
ورَوى الأَصْمَعِيُّ، عَنْ نافعٍ «ط هـ» الهاء مقطوعة من الطاءِ، لأنَّ حروفَ التَّهَجِّي كلُّ حرفٍ التَّهَجِّي كلُّ حرفٍ قائمٌ بحياله. قَالَ الشَّاعِرُ:
أَقْبَلْتُ من عندِ زَيادٍ كالخَرِفْ تَخُطُّ رِجْلَايَ بخط مختلف
تكتبان في الطريق لام ألف
والقراءةُ السابعةُ «طَهْ مَا أَنْزَلْنا» بإسكان الهاء قرأ بها الحسنُ. وفسَّروه يا رَجُل.
وقولُه تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾.
فتح أَبُو عَمْرو وابن كثيرٍ الهمزةَ والياءَ، فموضعه نصبٌ عَلَى هذه القراءة نودي أنَّيَ أَنَا ربك وبأنِّيَ أَنَا ربُّك.
وقرأ الباقون «إنِّي» جَعَلُوه مُستأنفًا، ف إنّ عَلَى هذه القراءة حرفُ نَصبٍ لا موضع لَه.
[ ٢٥٧ ]
وقولُه تَعَالَى: ﴿لَأهْلِهِ امكُثُوَا﴾.
قرأ حمزة وحدَه - هاهنا - وفي القَصص: «لِأهْلِهُ امْكُثُوا» بضمّ الهاء. فمَنْ ضمَّ الهاءَ فعلى أصلِ الكلمةِ. ومَن كَسَرَ فلمجاورةِ الكسرةِ، وقد أحكمنا ذَلِكَ في أول البقرة.
وقرأ الباقون بكسرِ ذَلِكَ.
وقولُه تَعَالَى: ﴿طُوًى﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ وابنُ عامرٍ بالإِجراءِ: «طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ».
وقرأ الباقون «طُوَى» غير مجراةٍ. وكذلك في النَّازعات فمن أجرَى طُوًى جعله اسمَ وادٍ مذكَّرًا. ومَنْ لَمْ يُجْرِهِ اسمَ أرضٍ. كما أن حنينا اسمُ جبلٍ. وبعضُهم تَرَكَ صَرْفَهُ حيثُ جَعَلَهُ اسمَ أرضٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:
نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ وشَدُّوا أَزْرَه بِحُنيْنَ يَوْمَ تَوَاكُلِ الأَبْطَالِ
وحِرَاءُ: اسمُ جبلٍ، مصروفٌ ممدودٌ. والشَّاعِرُ تركَ صرفَه حيثُ جعله اسمَ بُقْعَةٍ.
ويقالُ: البُقعة، وهو أجودُ وأَنْشَدَ:
أَلَسْنَا أَكْرَمَ الثَّقَلَيْن رَحْلًا وأَعْظَمَهُ ببطن حِرَاءَ نَارَا
وقال الأعْشَى:
وتُدْفَنُ مِنْهُ الصَّالِحَاتُ وإن يُسِيءْ يَكُنْ مَا أسَاءَ النارَ في رَأْسِ كَبْكَبَا
فلم يُصرف، كبكب: وهو اسمُ كجبلٍ.
وقال آخَرُوْنَ: طوى لا يَنصرفُ، لأنَّه معدولٌ عَنْ طاوٍ مثل عامرٍ وعُمر. وليس في كلامٍ العَرَبِ اسمٌ معدولٌ من فاعلٍ إِلى فُعَل من ذوات الياءِ إلَّا هذا. والاختيار عندَ أكثرِ النَّحويين ترك الصَّرف، لأنَّها رأسُ آيةٍ، وهي مَعَ آيات غير منوَّنة نحو موسى و﴿فاستمع لِمَا يُوْحَى﴾ وكذلك «طُوَى».
وحدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ عَنْ السِّمَّرِيِّ، عَنْ الفَرَّاءِ أنَّ بعضَهم كَسَرَ الطاء، وأجرى ﵁ «طِوًى، وَأَنا اخْتَرْتُكَ».
قَالَ أَبُو عبدِ اللهِ: وقد رُوِيَ عَنْ عِيْسى بْن عُمر أنّه قَرَأ: «طاوِي وأَنا اخْتَرْتُكَ» فهذه تُؤيِّدُ مَنْ زَعَمَ أنَّه مَعدولٌَ، وهي قراءةٌ رابعةٌ.
وقولُه تَعَالَى: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾.
قَرأ حمزةُ وحدَه: «وأنا اخْتَرْتُكَ» واحتجَّ بما حَدَّثَني أَحْمَدُ، عَنْ عليّ، عن أبي
[ ٢٥٨ ]
عُبَيْدٍ، عَنْ الكِسَائِيّ، قَالَ: في حَرْفِ أُبَيٍّ: «وإنِّي اختَرْتُكَ» فمَن قرأ: «وأَنا» فموضعه رفعٌ بالابتداءِ، ومَن قرأ: «وأنَّا» فالأصل: أنّنا، فالنّون والألف نصب ب أن، وأن مَعَ ما بعدها في موضع نصبٍ «نُوْدِيَ﴾ أنَّا اختَرْناكَ» ولا أَنَا اخترناك.
وأمَّا قراءةُ أُبيٍّ فإنّ حرفُ نَصْبٍ ولا موضع لَهُ، والياء نَصْبٌ ب: إنّ فاعرف ذَلِكَ.
وقرأ الباقون: وأنا اخْتَرْتُكَ عَلَى لفظِ الواحدِ لقوله: ﴿إنّي أَنَا اللهُ﴾.
وقولُه تَعَالَى: ﴿هَارُوْنَ أَخِيُ أشْدُدْ﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحدَه: «أشْدُدْ» بفتح الألف وقطعه.
«وأُشْرِكْهُ في أمري» بضمِّ الألفِ كأنَّ مُوسى ﵇ يُخبرُ عَنْ نَفسه. والفعلُ لَهُ كما تَقُولُ: زُرْني أنفعك، وأُكرمك. وغنما أنجزم الفعلان، لأنَّ جوابَ الأمرِ جوابُ شرطٍ وجزاءٌ مقدَّرٌ.
فإن قِيلَ: لِمَ فَتَحَ الألف في «أشْدُدْ بِهِ» وضمّ في «أُشركه»؟
فقل: إذَا كَانَ ثلاثيًا، كَانَ ألفُ المُخبِرِ عَنْ نَفسه مفتوحًا، وإذا كَانَ الفعلُ رباعيًا كَانَ الألفُ مضمومًا، ألا ترى أنَّك تَقُولُ: شدَّ يشدُّ وأشرك يشرك.
وقرأ الباقون «أخي اشدد» بوصل الألِف، وإذا ابتدأت بِهِ قلت: «أُشدد» بضمِّ الألفِ تجعله دُعَاءً أي: يا ربّ أشدد أنت بِهِ أزري أي: ظهري، وأشركه في أمري بفتح الأَلِف، كما تَقُولُ: أَكرمه، والفعلُ الرُّباعي ألفه مفتوحة في الأمر، والثّلاثي ألفه مضمومة ومكسورة، نحو ﴿اركَب مَّعَنَا﴾ ﴿اضْرِب بِعَصَاْكَ﴾ ﴿ادخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ وهذا قد أحكَمْتُهُ في كتاب الألفات.
وكان أَبُو عَمْرو وابنُ كَثيرٍ يفتحان الياءَ في أَخِيَ أشدد والباقون يسكنون.
وقولُه تَعَالَى: ﴿واشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾.
قرأ ابن كثيرٍ، والمُسَيِّبيّ، عَنْ نافعٍ: «واشركهو» بواو بعد الهاء.
والباقون يختلِسون الضَّمة. وقد ذكرُ علّة ذلك فيما سلف فأغنى عن الإعادة.
وقولُه تَعَالَى: ﴿الأرْضَ مَهْدًا﴾.
قرأ أهلُ الكوفَة: «مَهْدًا» والأمرُ بينهما قريبٌ كما تَقُولُ: ﴿جعل لكم الأرضَ فراشًا. والسماءَ بناءً:﴾ وأبين من ذَلِكَ أن القراء كلهم قرءوا في: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلونَ﴾
[ ٢٥٩ ]
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهادًا﴾ ولم يَقرأ أحدٌ منهم: «مَهْدًا»
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: وإنّما قرءوا في هذه السُّورة «مِهَادًا» لتوافِقَ رُءُوس الآي. وهذا مذهب حسم.
وقولُه تَعَالَى: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾.
قرأ حمزةُ وعاصمٌ وابنُ عامرٍ: «سُوًى» بالضَّمِّ.
وقرأ الباقون سِوًى بالكسر، مقصورين. وهما لُغَتَانِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وأنَّ أبانا كان حل ببلدة سوى بينَ قَيْسٍ قَيْس عِيْلان والفَزْرِ
قَيْسُ وفَزرُ قبيلتان هاهنا، والفَزرُ: القَطيع من الشَّاء، والقَيْسُ: القردُ، والقَيْسُ:
مصدرُ قاسَ خُطاه قيسًا. إذَا سوَّى بينهما، يقال: رأيت جاريّةَ تَمِيسُ مَيسًا، وتَقيُ قَيسًا. تَميس معناه: تَبَخْتَرُ.
وسأل أعرابيٌّ رجلًا، فَقَالَ: ما أسمك؟ قَالَ: مُحَمَّد، قَالَ: والكُنية؟ قَالَ: أَبو قَيس. قَالَ: قَبَّحك الله أتجمع بين اسم النَّبيّ - ﷺ - والقِرد؟ ! قَالَ:
والقَيْسُ الذَّكّرُ عَنْ ابنِ دُريدٍ فسألت أبا عُمَر، فَقَالَ: هُوَ الفَيْشُ.
وأمّا قولُهم: جاءَني القَومُ سِوى زَيْدٍ. فبالكسرِ مَقصورٌ، ومنهم من يَفتح، ويَمُدُّ فيقول: جاءَني القومُ سَواء زيدٍ.
وقولُه تَعَالَى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾.
قرأ حمزةُ، والكِسَائيُّ، وحفصٌ، عَنْ عاصمٍ: «فَيُسْحِتَكُمْ» بضمِّ الياءِ.
والباقون بالفتح. وهما لُغتان سَحَتَ: إذَا استأصل يُقال أسحَتَ الجازر قلعة المعدن؛ قَالَ الفرزدق:
وعَضُّ زمانٍ يا ابنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المَالِ إلا مُسْحِتًا أو مُجَلِفُ
وينشد مسحتٌ بالرَّفعِ فمَن رفعَ. قَالَ لَمْ يَدَعْ بمعنى لم يَبْقَ. ومَنْ نَصَبَ. قَالَ: أو مُجَلِّفٌ، كذلك، ويُروى: إلَّا مُسْحِتًا أو يُجَلِّفٌ.
وحدثني ابن مجاهد، عن السمري، عن الفراء، عَنْ أبي جَعفر الرُّواسي، قَالَ:
اجتازَ الفَرزدقَ بعبدِ الله بْن أبي إِسْحَاق النَّحوِيّ، فَقَالَ له: يا أبا فراس علا رفعت إلا مسحتا أو مُجَلِّفُ؟ قَالَ: عليّ ما يَسُوْؤُكُ ويَنُوؤُكَ.
وفي غير هذا إنّه قَالَ يهجوه:
[ ٢٦٠ ]
فَلَوْ كَانَ عَبْدُ اللهِ مولًى هَجَوتُهُ ولكنَّ عَبْدَ اللهِ مَوْلَي مَوَالِيَا
وقيل لَهُ: وَجَبَ أن يَقُول: مولى مَوَالٍ مثل جوارٍ وغواشٍ. فَقَالَ:
سَلُوا عَنْ علَّة ذَلِكَ الّذي يَجُرُّ خصيبيه، يعني: ابنَ أبي إِسْحَاق. وكان أَبُو حاضرٍ النَّحويُّ عنده، فَقَالَ لَهُ: لَحَنْتَ يا أبا فراسٍ. قَالَ: والله لأهجُوَنَّك ببيتٍ يُستشهد بِهِ إِلى يومِ القيامة:
أبا حاضِرٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفْ زِنَاؤُهُ ومَنْ يَشْرَبِ الخُرْطُوْمَ يُصبحْ مُسَكرًّا
فمَدَّ الزّنا، وهو مقصورٌ. والنَّحويون جعلوه شاهدًا لما ذكرنا.
وقولُه تَعَالَى: ﴿إنْ هَذَانِ لِساحِران﴾.
فيه ستُّ قراءاتٍ:
قرأ أَبُو عمروٍ وحده: «إنَّ هَذَينِ» بالياء، لأنَّ تثنيةَ المنصوبِ، والمجرورِ بالياءِ في لغةِ فُصحاء العربِ، أمَّا مَنْ جعلَ تثنيةَ المَجرورِ والمَنصوبِ بالألفِ فقالُوا: جَلَسْتُ بينَ يَدَاهُ، وأعطيتُ درهمان. فلغةٌ شاذَّةٌ، لا تَدخلُ في القرآن وهي لغةُ بلحرث بْن كَعبٍ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
تَزَوَّدَ مِنَّا بَيْنَ أُذْنَاهُ ضَرْبَةً دَعَتْهُ إِلى هَابِى التُّرابِ عَقِيْمُ
وقال آخر:
طاروا علاهن فطر علاها وأشدد بمثنى حَقَبٍ حَقْوَاْهَا
إِنَّ أَبَاهَا وأَبَا أَبَاهَا قَدْ بَلَغَا في المَجْدِ غَايَتَهَا
نَاجِيَةً وَناجِيًا أَبَاهَا
فلمَّا كانت الكتابةُ في المُصحف بالألِف إنَّ هذان حمله بعضهم عَلَى هذه اللغة.
وقال المُبَرِّدُ، وإسماعيل القاضِي: أحسنُ ما قِيلَ في هذا: أن يجعل إنّ بمعنى: نَعَمْ، والتَّقدير: نعم هذان لساحران. فيكون ابتداءً وخبرًا.
قَالَ الشَّاعِرُ:
بَكَرَ العَوَاْذلُ بالضُّحى يَلْحَيْنَنِي وأَلُوْمُهُنَّهْ
ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلَاك وَقَدْ كَبُرْتَ فَقُلْتُ إِنَّهْ
وقرأ «إنْ هَذانِ» عاصمٌ في رواية أبي بكرٍ، ونافعٍ، وحمزةُ والكِسَائيُّ، وابنُ عامرٍ اتِّباعًا للمُصحف. واحتَجُّوا بما قَدَّمْتُ ذكره.
[ ٢٦١ ]
ولأبي عَمرو حجَّةٌ أخرى: وذلِكَ أنَّه سمعَ حديثَ عُثمان، وعائِشة إنَّا لنجدُ في مصاحِفِكُم لَحْنًا، وسَتُقِيْمُهُ العربُ بألْسِنَتِهَا.
فإن سأل سائلٌ: كيف لعُثمان، وهو إمامٌ أنْ يَرى لَحْنًا في المُصْحَفِ فلا يُغَيِّرْهُ.
فالجوابُ: في ذَلِكَ: أنَّ اللَّحن عَلَى ثلاثةِ أوجهٍ:
فأحدُ ذَلِكَ أن تنصب الفاعل، وترفع المفعول، ونحو المفعولَ، ونحو ذَلِكَ، فذلك لا يجوزُ في كلامٍ ولا قرآن، ولا غيره.
والوجهُ الثاني: أن يكون اللحن من لغة إلى لغة. فتقول عُثْمَان: نَجِد في مَصَاحِفِكُمْ لَحْنًا، لم يُرِدْ اللَّحن الّذي لا يجوزُ البَتَّةَ، ولكنَّه أراد الخُروج من لُغةٍ إِلى لُغةٍ، لأنَّ القرآن بلغةِ قُريشٍ، لا بلغةُ بلحرث بْن كعب. أَلَمْ تَسْمَعْ أنَّ عُمَرَ بْن الخَطَّاب ﵁ بلغه أنَّ ابنَ مَسعودٍ يُقرئ الناسَ بلغةِ هُذيل «عَتَّى حِيْن» بالعَين فكتب إِلَيْهِ: أمّا بعدُ، فإذا وَرَدَ عليكَ كِتابي فأقرئٍ النَّاسَ بلغةِ هذا الحّيِّ من قُريشٍ. وكلٌّ قد ذَهَبَ مَذْهَبًا، والحمدُ لله واجتَهَدوا.
والوجهُ الثالثُ: أنَّ اللَّحنَ الفِطْنَة، وقد فُسِّرَ في غير هذا الموضع.
والقراءةُ الثالثةُ: «إنْ هذان لساحران» بتخفيف إنْ، قرأ بذلك حفصٌ عَنْ عاصمٍ.
جعل «إن» بمعنى ما جَحْدًا، أي: ما هذان لساحران.
والقراءة الرابعةُ إنْ هَذَاْنِّ بتخفيف إنْ، وتشديد نون التَّثنية، وهي قراءةُ ابنِ كثيرٍ وحَفْص، وقد ذكرتُ علَّة تَشديد النّون في النّساء.
والقراءةُ الخامسةُ: أنَّ أُبَيًّا قرأ: «إن ذان إلا ساحران» وهذا يقوي قراءة حفصٍ وابنِ كثيرٍ.
والقراءةُ السَّادِسَةُ: أنَّ ابنَ مَسْعُودٍ قرأ: «إنَّ هَذَأنِ ساحِرانِ» بغير.
فإنْ سألَ سائلٌ، فَقَالَ: قد أجزتَ أن تجعلَ إن بمعنى نعم.
ولا يدخل اللّام بين المبتدأ وخبره. ولا يقال: زَيْدٌ لقائم. فَما وجهُ قولُه: ﴿إن هذان﴾.
فالجواب في ذَلِكَ: أنَّ من العَرَبِ من يُدخِلُ لامَ التَّأكيد في خبر المبتدأ. فيقولُ زيدٌ لأخوكَ. وهي لغةٌ مُسْتَقِيْمَةٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
خالي لأنت ومن جرير خاله ينل العلا ويكرم الأخوالا
[ ٢٦٢ ]
وقال آخر:
أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَبَهْ تَرْضَى مِنَ اللَّحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ
وفيه وجهٌ أحسنُ من هذا كلّه، وذلك: أنَّ جَعْفَر بْن مُحَمَّد سُئل عَنْ ﴿إنَّ هذان﴾ فَقَالَ: إنّ فرعون كان لحنة قبطيا: إنَّ هذان فحكى الله لَفْظَهُ. ويخطّئ هذا التوجيه أن فرعون لم يتكلم العربية .. وكيف يغيب هذا عَنْ شيخنا؟ ! .
وقولُه تَعَالَى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾.
قرأ أَبُو عمروٍ وحدَه: «فاجمعوا» بالوصل وفتح الميم موصلًا من جَمَعتُ عَلَى معنى عزمتُ، يقال: جمعت الأمرَ، وأَجمعت عَلَيْهِ. وأزمعت الأمر، ولا يُقال أزمعت عَلَيْهِ، وعَزمت عَلَى الأمر بمعنى واحد.
وقرأ الباقون، «فأجْمِعُوا» بقطعِ الألفِ عَلَى تقدير: أجمَعُوا السِّحْرَ والكَيْدَ. وقد ذكرت هذا الحرف بأبْيَنَ من هذَا في سورة يُونس.
وقولُه تَعَالَى: ﴿ثُمَّ ائْتُواْ صَفًّا﴾.
فيه ثلاثُ قراءاتٍ: اختيارُ السَّبعة، «ثُمَّ ايتوا» بهمزة ساكنة في الدرج والهمزة، فاء الفعل. فإذا وقعت ابتدأت: ائتوا بكسر الهمزةِ، والهمزةُ ساكنةٌ. تنقلب ياء لانكسار ما قبلها. والأصل إئتوا. فأجازَ الكسائي أن يبتدأ بهمزتين. والاختيار ائتوا بتليين الثانية.
والقراءة الثانية، أنَّ خَلَفًا روى عن عبيد، عن شبل، عن ابن كثير، «ثمِّ ايتوا» بكسر الميم.
قَالَ ابن مجاهدٍ: ولا وجهَ لَهُ.
وله عندي وجهٌ، وذلك أنَّ حركة الميم في ثُمَّ تكسر لالتقاءِ الساكنين. والعربُ تُجيزُ في مثلِ هذا نحو فُظَّ وثم ومُدَّ وغُضّ وزُرَّ عليك قَمِيْصَكَ ثلاثة أوجه:
مُدَّ، ومُدُّ، ومُدِّ. قَالَ الشاعر:
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
روى: غض، وغض، وغض، فكذلك لو قرئ ثم، وثم، لكان صوابا. كما قرئ أف وأف وأف.
وروى القطعي عَنْ شِبْلٍ، عَنْ ابنِ كَثِيْرٍ، «ثُمَّ يتْوا صفّا» يفتحِ الميم ويأتي بعدها
[ ٢٦٣ ]
بياءٍ ساكنةٍ. وكان وجه ذَلِكَ أنَّ الهمزةِ قلبها ياءً كقولهم: قرأت، وقريت، وأرجأت الأمر، وأرجيت.
قَالَ الأخفش: العربُ تقلبُ الهمزةَ إذَا أرادوا تَخفيفها، وتحويلها ياءً.
إلا قولهم: رفأت الثَّوبَ فإنهم إذَا حَوَّلُوا، قَالُوا: رَفَوْتُ الثَّوب بالواو. ولم يذكر العلّة، والعلَّةُ في ذَلِكَ: أنَّ العربَ يَهْمِزُوْنَ ما لَيْسَ أصله الهمز تَشبيهًا بغيره، كقولهم:
حَلَّأت السَّويقَ. يَشبهونه: بِحَلّأت الإِبل، عَنْ الماءِ: إذَا منعتها، فكذلك إذَا تركوا الهمزَ في قرأت شبّهوه بقريت الضّيف، ولم يكن رفيت في كلام العرب فردوه إلى الواد، لأنَّ العربَ تقولُ، رَفوت الرَّجُلَ، إذَا سَكَّتُّهُ. قَالَ الشاعر:
رَفَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدَ لَا تَدَعْ فَقَلْتُ وأَنْكَرْتُ الوَجُوْهَ هُمُ هُمُ
وهذا حَسَنٌ جدًّا، فاعرفه.
ورَوى أَبُو زَيْدٍ، رَفَوْتُ، ورَفَيْتُ، وهو ثِقَةٌ.
فإن سألَ سائِلٌ: هلَّا قلتَ في قرأتُ قروتُ، لأنَّ العربَ تَقُولُ، قروت الأرضَ إذَا تتبّعتها؟
فقلُ: لَمَّا اجتذبه أصلان، ياءٌ، وواوٌ، ردُّوه إِلى الأَخفّ، ألا ترى أنَّ العربَ تفِرُّ من الواوِ إِلى الياء، ولا تفرّ من الياءِ إِلى الواو. فيقولون: كفٍّ خَضَيْبٌ، ورَجُلٌ جَرِيْحٌ، وشَيْطَانٌ رَجِيْمٌ، والأصل: مخضوب ومَجروح ومَرجوم، ولا يقولون في ظَريفٍ وكَريمٍ: ظَروف وكَروم.
قولُه تَعَالَى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ﴾
قرأ ابنُ عامر - برواية ابن ذكوان وحده - بالتّاء. ردّه عَلَى «الحبالِ والعصىِّ»، لأنَّها جمعٌ، وجمعُ كلِّ ما لا يَعقل بالتأنيث.
وقرأ الباقون بالياءِ ردُّوه عَلَى السِّحرِ.
وقولُه تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِيِنكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾
فيه أربعُ قراءاتٍ، قرأ ابنُ كثيرٍ في روايةٍ البزّي: «تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا» بتشديد التاءِ، أراد تَتَلَقَّفُ. فأدغم وجزم الفاء، لأنَّه جوابُ الأمرِ، والأمرُ مَعَ جوابه كالشّرطِ، والجزاءِ.
ورَوى حفصٌ، عَنْ عاصم تَلْقَفْ خفيفًا، جعله من لقفه يلقف، والأول، من
[ ٢٦٤ ]
تلَّقف يتلقَّف.
وقرأ ابن عامر، تلقَّفُ برفع الفاء، جعله فعلًا مستقبلًا فأضمرَ فاءً جوابًا للأمرِ.
كأنَّ التقدير: ألْقِ عَصَاكَ فإنَّها تَتَلقَّفُ. ويجوزُ أن يكونَ جعل تلقَّف حالًا أي: ألق عصاك متلقفة. كما قَالَ تَعَالَى: ﴿ولا تَمنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أي مُسْتَكْثِرًا. وقرأ الباقون بإسكان الفاء، وتشديد القاف، وتخفيف التّاء، أرادوا: تتلقّف كقراءةِ ابن كثيرٍ، غيرَ أنَّهم أسقَطُوا تاءً، وابنُ كثيرٍ أدغم. ومعنى «ما يَأْفِكُوْنَ» أي: ما يختلقونه كذبًا، لأن سحرهم كان تمويهيا، واختلاقا. فلما ألقى موسى عصاه، صارت ثُعبانًا عظيمًا كالجان في تثنيها، وخفَّتها، فلقفت ما افتعلوا حتّى زَكَنُوا أنهم عَلَى ضلالٍ. وأن الّذي أتى بِهِ موسى حَقٌّ، فقالُوا: ﴿آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّمَا صَنَعْوا كيد ساحر﴾.
قرأَ أهلُ الكوفةِ:
«سِحْرٍ» بغير ألف.
وقرأ الباقون، وعاصمٌ: «سَاحِرٌ» فالسَّاحِرُ: الرَّجُلُ، اسمُ الفاعل، مثل: قاتِلٍ.
والسِّحْرُ، اسمُ الفِعْلِ. وإنما يكون حرفا، وحرفين فإذا جعلت مثل: قاتِلٍ. والسِّحْرُ، اسمُ الفِعْلِ. وإنما يكون حرفًا، وحرفين فإذا جعلتَ ما نصبًا بأن جعلتَ الكيدَ خبرَ إنّ. «وصَنَعُوا» صلة ما والتّقدير: إنّ الذي صنعوه كيدَ سحر وهو كيد ساحر. وإن جعلت ما صلةً، ونصبت كيدَ ب صنعوا، كان صوابًا كما قَالَ الله تَعَالى: ﴿إنَّمَا تَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ أَوْثَانًا﴾ فلو رفعت الأوثان هناك، ونصبت الكيدَ هاهنا لكان صوابًا إلا أنَّ القراءة سُنَّةٌ، ولا تُحْمَلُ على ما تُحمل عليه العَرَبِيَّة.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾.
قَالَ المُفَسِّرُون، يقتل حيث وُجد.
قَالَ أبو عبدِ الله: السِّحْرُ على ثلاثةِ أَضربٍ:
إذا كان السَّاحِرُ يمرض المسحور، ولا يَقتُلُ عُزّر. وإن كان يَقْتُلُ بسحره قُتِلَ. وإن
[ ٢٦٥ ]
كان سِحْرُهُ بكلامٍ فيه كفرٌ استُتِيْبَ منه، فإن تاب منه وإِلَّا ضربت عنقه.
وكان النَّبيّ - ﷺ - لما سحره لَبِيْد بن الأعصم حتى مرض مرضًا شَدِيْدًا. فلمَّا برأ - ﷺ - عفا عنه. وكان يَلقاه فلا يَتَغَيَّرُ له كرمًا منه ﵇.
وأمّا السِّحرُ الحَلَالُ، هو أن يكونَ الرَّجُلُ ظريفَ اللّسان، حسن البيان. فسحرُ الإنسان كلامه. فذلِكَ سِحْرٌ حلالٌ. من ذلك حديث رسول الله - ﷺ -: «إنَّ مِنَ البَيَانْ لَسِحْرًا وإنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكَمًا».
ويقال: فلان ساحر العينين. وإنَّ هاروت ليطله من جفنه إذا خلب الناس لحسن عينيه. فالسِّحرُ هناك حلال، والسّرقة بالعين حلالٌ.
أنْشَدَنِيْ ابنُ مُجَاهِدٍ:
يَا حَسَن ما سرقت عيني وما انْتَهَبَتْ والعَيْنُ تَسرق أحيانًا وتَنْتَهِبُ
إذا يدٌ سَرَقَتْ فالقطعُ يَلْزَمْهَا والقَطْعُ في سرقٍ بالعينِ لا يَجبُ
وأمّا قوله: ﴿إنَّمَا أنتَ من المُسَحَّرِينَ،﴾ قيل: من المخدوعين. وقيل:
قوله: (سَحرٌ) أي: رئةُ يأكل ويشرب. قَالَ الشاعر:
فإنْ تَسألِينا فيمَ نَحن فإنَّنا عَصَافِيرُ من هذا الأنام المسحر
وقوله: ﴿وما أكرهتنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾
فقيل: إن فرعون أخذهم بتعلمِ السّحرِ، وتعليمِ أولادِهم. وقيل: إنه حَشَرَهُم من البُلدان فذلك الكراهية، بمعنى الجلاء عن الوطن. والسَّاحرُ العالمُ. ومنه قوله تَعَالى حكاية عن بني إسرائيل إنّهم قالوا لموسى ﵇: «أيُّها السَّاحِرُ اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ» أيُّها العالِمُ الفَهِمُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾
قرأ حمزةُ وحده: «لا تَخَفْ» على النَّهْي، وسقطت الألف لسكونها وسكون الفاء.
[ ٢٦٦ ]
فإن قيلَ: فعلامَ نَسَقَ «وَلَا تَخْشَى»؟
فالجواب في ذلك أنه جَعَلَ «ولا تَخْشَى» مُسْتأنَفًا، ولا بمعنى ليس. كما قَالَ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾
وفيه جواب آخر: أن يكون أراد النَّهي، لا تخف دركًا ولا تخشَ، ثم زاد الألف لرءوس الآي، وجعله مجزومًا من أصلٍ واجبٍ كما قَالَ الشَّاعِرُ:
ألَمْ يَأْتِيْكَ والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد
وقرأ الباقون «لا تخاف دَرَكًا وَلَا تَخْشَى» بالرَّفعِ عن الخبر. واتَّفق القراء هاهنا على فتح الراء من ﴿دَرَكًا﴾ وهو شاهد لمن اختار في ﴿الدَّرَكِ الأسْفَلِ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿فأتبعهم﴾ بقطع الألف عليه سائر القراء. وروى بالوصل، والتَّشديد عن نافعٍ.
فمَنْ قطع أراد: ألحقهم ولحقهم. ومن وصل أراد: تبعهم، وسار في أثرهم، لقول العرب: تبعت زيدًا: سرتُ في أثره. واتبعته: لحقته.
وقولُه تَعَالى: ﴿قَدْ أْنْجَينَاكُمْ مِنْ عَدِوِّكُمْ وَواعَدناكُمْ،﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ: «قَدْ أْنْجَيناَكُمْ مِنْ عَدِوِّكُمْ وَواعَدتُكُمْ»، بالتاء، الله تَعَالى يخبر عن نفسه.
وقرأ الباقون «أنجيناكم» بالنون، والألف «وواعدناكم» بلفظ الجماعة. وإن كان الله تَعَالى هو المُخبر عن نفسه. إلا أنَّ الملك والرأس، والرَّئيس، والعالم يخبرون عن أنفسهم بلفظ الجماعة، والله تَعَالى ملك الأملاك. ألا ترى أنَّ العبدَ لما سأل ربّه فقال: ﴿رَبِّ ارجِعُوْن لَعَلِّيْ أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ وَلَمْ يَقُل ربِّ أرجِعْنِي، قَالَ الشَّاعِرُ:
يا ربِّ لا تَجْعَلْ لَهُ سَبِيْلًا على الَّذِي جَعَلْتَهُ مأهُوْلًا
قَدْ كان بانيه لكم خليلا
أما أبو عمرو فإنه قَرَأ: «وَوَعَدْتُكمْ» بغيرِ ألف. والباقون «وَوَاعَدْناكُمْ» بالألف.
وقد ذكرتُ علته في البقرة.
وقولُه تَعَالى: ﴿آمَنْتُمْ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ، ونافعٌ في رواية ورش، وحفص عن عاصم: «أأمنتم» على لفظ
[ ٢٦٧ ]
الخبرِ من غيرِ استفهام. وقرأ الباقون بالاستفهام. وقد ذكرت علته في الأعراف.
وقوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكمُ غَضَبِي﴾.
قرأ الكسائي وحده: «فَيَحِلَّ عَلَيْكمُ» بالضمّ، «ومن يَحْلُلْ» بالضَمِّ أيضًا.
وقرأ الباقون بالكسر فيهما «فيحل» ومن «يحلل» بكسر الحاءِ، فذاك مثله.
والعربُ تفرق بين الضَمّ والكَسْر. حلَّ يحُلُّ: نزل ووقع، وحلَّ يحِلُّ: وَجَبَ عليه العَذَابُ، والأمر بينهما قريبٌ.
فإن سأل سائِل، لِمَ أدغمتِ القُراء اللَّامَ في «أنْ يَحِلَّ»، وأظهروه في «يحلل»؟ .
فالجواب في ذلك أنَّ «ومن يَحْلِلْ» جزمٌ بالشَّرط. وعلامة الجزم سكون اللّام الثَّانية، وإذا اجتمع حرفان والثاني ساكنٌ لم يجز الإدغام نحو: امدُد أحلل، مددت، حللت. وإذا اجتمع متحركان أسكنت وأدغمت. والأصل أن يحلل عليكم فنقلت ضمة اللام إلى الحاء، وأدغمت. فاعرف ذلك.
وقولُه تَعَالى: ﴿ما أخْلَفْنَا مَوعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾.
قرأ نافعٌ، وعاصمٌ بفتح الميم، وقرأ حمزةُ، والكسائِيُّ: «بمُلكنا» بضم الميم.
وقرأ الباقون «بِمِلْكِنَا» بكسر الميمِ، فمن فتح جعله مصدرًا لملكتُ، أملك، مَلكًا مثل ضَربتُ، أضربُ، ضرَبًا. ومن ضم أراد به السُّلطان، لأنَ الملُكَ السُّلطان، والمُلْكُ: اسم لكل مملوك يقال: هذه الدار مُلكي، والدار مَمْلُوكة، وهذا الغلام مملوكٌ، وأنا مالِكُها. وبعضُ العربِ تقول: هذا الغلامُ بمُلكي، يريد: مِلْكي. ويقال لوسط الطَّريق: مُلْكٌ، مشيت في مُلكِ الطَّريق. وسنُنه، وسنَنِه، وسُجُحه، ومعظمه، وسراته. وفي بحبوحته، وثكمه، وكثمه، ومن ذلك الحديث: «لا تَمْشِينَّ امرأة في سراة الطَّريق» أي في معظمه، ووسطه، ولكنّها تمشي عجره، أي ناحيته، فأمَّا قولُهُم:
ملكتُ العَجِيْنَ ملكًا، وأملكته إملاكًا، فمعناه: جوَّدتُ عَجْنَهُ. تقول العرب: «أملاكُ العَجين أَحَدُ الرَّيعين» أي الزيادتين، «واللَّبن أحدُ اللّحمين»، «وخِفَّةُ العيال أحدُ اليَسارين» فأما قولهم: كنا في إملاك فلان، فإنه يقال: أملكت الجارية، وملكتها، بمعنًى، قَالَ: وسمعت أعرابيًا، يقول: ارحموا من لا مُلَْكَ له يريد لا ملك له.
وقوله تعالى: ﴿ولكنا حُمَّلْنَا﴾.
قرأ ابن كثيرٍ وابنُ عامرٍ ونافعٌ عن عاصمٍ: «حُمِّلْنَا» بالضم.
[ ٢٦٨ ]
وقرأ الباقون بالفتح، وهو الاختيار لقوله: «فقذفتها» فكذلك حُملنا، فقذفناه.
والأول على ما لم يُسمَّ فاعله. ووجهه أي: أمر بحملها وحُملت إلى السَّامري، فلما لم يُسَمِّ السَّامري رفعت المفعول وضممت أول الفعل.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِيْ﴾.
في هذه الياء أربعُ قراءاتٍ:
كان ابنُ كثيرٍ يَصلُ ويقف بالياءِ.
وكان أبو عمروٍ، ونافعٍ في كلِّ الرِّوايات يقفان بغير ياءٍ، ويَصِلان بياءٍ فَتبعا المُصحف في الوقف، وتَبعا الأصل في الدَّرج، إلا إسماعيل بن جعفر فإنه رَوى عن نافعٍ «ألَّا تَتَّبِعَنيَ أَفَعَصَيْتَ» بفتح الياء، فيجب على من فتح الياء أن يقف بالياء.
وقرأ الباقُون بغير ياءٍ في الوَصلِ، والوقِف، اجتزاءً بالكسرة، واتباعا للمصحف.
وقوله تعالى: ﴿يا بن أم﴾ ﴿تَأْخُذْ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ إلا حَفْصًا عن عاصم، وابن عامر: «يا بن أم» بكسر الميم.
وقرأ الباقون: «يا بن أم».
فمن كسر أراد: يا بن أمّي فحذف الياء.
ومن فَتَحَ فله ثلاثُ حجج:
إحداهنَّ: أن يكون أراد: يا ابن أمَّاهُ فرخَّم.
والثانية: أن يكون جعلَ الاسمين اسمًا واحدًا نحوه. بعل بك، ومعد يكرب، وجاري بيت بيت.
والثالثة: أن يكونَ أراد يا ابن أمَّا، لأنَّ العربَ تقول: يا أمّا بمعنى يا أمي، ويا ربّا بمعني يا ربي. قَالَ الشَّاعِر:
فَيَا أَبي ويا أَبَهْ حَسَّنْتَ إلَّا الرَّقَبَهْ
فَحَسِّنَنْهَا يَا أَبَهْ كَيْما تَجيءُ الخطبه
بإبل مجبجبه للفحل فيها فيقبه
[ ٢٦٩ ]
فإن سأل سائلٌ فقال: إنَّ العَرَب إنّما تحذف الياء من المنادى، لا من المضاف إلى المنادى، فيقولون: يا ابن أم، وبابن أمي فيخزلون الياء من الأول، ويثبتونها في الثانية، كما قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا ابْنَ أُمِّي، وَيَا شَقِيقَ رُوْحِيْ أَنْتَ خَلَّيْتَني لدَهْرٍ كَنُوْدِ
فقُل: هذه اللُّغة الفُصحى، ومن العرب من يحذف الياء من هذا أيضًا، فيقولون:
يا ابن أمَّ، ويا ابن عمَّ. قَالَ الشَّاعِر:
رِجالٌ ونِسْوَانٌ يودُّوُنَ أَنّني وإيَّاك نَخْزَي يا ابنَ عمَّ ونفضح
وقوله تعالى: ﴿بما لم يبصروا بِهِ﴾.
قرأ حمزةُ والكسائِيُّ بالتاء جَعَلاهُ خِطابًا.
وقرأ الباقون بالياء إخبارًا عن غَيْبٍ.
وكان السّامريّ بصر بأثرِ حافرِ فرسِ جبريل ﵇، فتناول منه قبصَةً، وهي الأخذ بأطرافِ الأصابع، كذلك قرأها الحسن.
وقرأ الناس، «فَقَبَضْتُ قبضة»، وهي بالكفِّ، فوقع في نفسه أن ألقاه على جماد حيٍّ إلى حُلىّ، وفضةٍ، وذهب، وحديد، مما كان بقي من أصحاب فرعون الذين أغرقهم الله. فأذَابَهُ حتى خلص الذَّهب، فأتخذ عجلًا جَسَدًا له خوارٌ، وألقى القبضة فيه فخار العِجْلُ، ونَطَقَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿لن تخلِفه﴾ بكسر اللَّامِ.
وقرأ الباقون «لَنْ تُخْلَفَهُ» على ما لم يُسم فاعله، فيكون المخلف غير المخاطب.
والهاء كناية عن الموعد، وهو المفعول والفاعل لم يذكر.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أَعْمى﴾.
قرأ أهل الكوفة إلا حفصًا عن عاصم بالإِمالة في الحرفين من أجل الياء.
وقرأ الباقون بالتفخيم على أصلِ الكلمةِ. ومعناه، ومن كان في هذه الدُّنيا أعمى عن الهدى والرَّشادَ فهو في الآخرة أعمى، ونَحشره يوم القيامة أعمى عن حجته.
وأما قوله تعالى: ﴿زرقا﴾ فقيل: عميا: عِطْاشًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّوْرِ﴾.
قرأ أبو عمروٍ وحده: «تَنْفَخُ» بالنُّون لله تَعَالى: يُخبر عن نَفْسِهِ.
[ ٢٧٠ ]
وقرأ الباقون: «يَوْمَ يُنْفَخُ» على ما لم يسم فاعله، وحجتهم و﴿نفخ فِيْ الصُّوْرِ﴾ وحجَّةُ أبي عمروٍ «وَنَحْشُرُ المُجْرِمِيْنَ» ولم يقل «وَيُحْشَرُ المُجْرِمُوْنَ».
فإنْ سألَ سائلٌ فقال: جاءَ في الحَدِيْثَ إنَّ النَّبيّ - ﷺ -، قَالَ: «كيف أنعم، وصاحبُ الصُّور قد التقم القَرْنَ، وحَنَا ظَهْرَهُ يَنْتَظِرُ متى يُؤمرُ فينفخُ في الصُّور، فَلِمَ قرأ أبو عمرو «نَنْفَخُ»؟
فالجوابُ في ذلك: أنَّ النافِخُ وإنْ كانَ إسرافيلُ، إن الله تَعَالى هو المُقدّر لذلك، وهو الآمرُ والخالقُ فينسب الفعل إلى نفسه، كما قَالَ تَعَالى:
﴿الله يَتَوفَّى الأنْفُسَ حِيْنَ مَوْتِهَا﴾ والذي يَتوفى هو ملك الموت - ﷺ -.
وقولُه تَعَالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أنْ يُقْضَى إلَيْكَ وَحْيُهُ﴾.
اتفاق القُرَّاء على ما لم يُسم فاعله.
فإنْ قيلَ لك: ما علامةُ النَّصب في هذه القراءة؟
فقُل: الأصلُ أن يَقْضِيَ. فانقلبت الياء ألفًا لتَحرُّكها وانفتاحِ ما قبلها. فقال قومٌ:
هذه الحجَّة في تأخير البيان، لأنَّ الله تَعَالى يُنزل القرآن على نَبِيّه ﵇. قَالَ:
فَيَجِبُ على رسول أن لا يَحكمَ به حتَّى يُبَيِّنَ الله تَعَالى ذلك.
وقال آخرون: - وهو الشّافعي وأصحابه - لا يتأخر البيان عن الوحي، والوحي عنه.
وهذه الآية إنّما نزلت في أنّ رسولَ الله ﷺ كان ربما أراد أن يحكم بحكمٍ لم ينزل فيه القرآن، فأمرَ الله ﷿ أن يمكث حتى يُقضى إليه وَحْيُهُ.
فإن قيلَ: فما وجهُ قوله ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِيْ الأمْرِ﴾ فقل: وجه المَشُورة من النَّبيّ - ﷺ - لأمته تعليمًا لهم وتبركًا، لا أنَّ هناك من هو أفهم من النَّبيّ - ﷺ - ولا أعقل. ﴿فإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ وإنما يستشير أنه أتى - ﷺ - وأصحابه فيما لم يقض الله ﷿ وحيُه، فإذا نزل القرآن بَطَلَتِ المَشُوْرَةُ.
وقوله تعالى: ﴿وأنك لا تظمؤا فيها﴾.
قرأ نافع، وعاصم في رواية أبي بكر بكسر إن على الاستئناف.
[ ٢٧١ ]
وقرأ الباقون بالفتحِ عطفًا على قوله: «أنَّ لك ألا تجوع فيها﴾ ﴿وأنك لا تظمؤا فِيْهَا» والظَّمأُ: العَطَشُ. يقال رجلٌ ظَمْآنٌ وعَطْشَانٌ ونطشان وصديان، وصاد، وعيمان، وغيمان، وملتاح، ومعتلّ، ومهتاف، وهيمان، وناسٌّ بتشديد السين ونجر ونحر، ونفر، ولهبان. كلُّ ذلك بمعنى عَطْشَانٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿ولَا تَضْحَى﴾.
أي لا تَظْهَرُ للشَّمسِ. رأى ابنُ عُمَرَ رجُلًا يُلَبِّي وقد أخفى صَوْتَه، فقال: أضحِ لمن لَبَّيْت له، أي: إظْهَرْ. قَالَ عُمر بن أبي ربيعة:
رَأَتْ رَجُلًا أمَّا إذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ فَيَضْحَى وأمَّا بالعَشِيِ فيَخْصَرُ
أَخَا سَفَرٍ جوّابَ أرضِ تَقَاذَفَتْ بِهِ فَلَوَاتٌ فهو أشْعَثُ أغْبَرُ
وقولُه تَعَالى: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا، وَلَا هَضْمًا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ: «فَلَا تَخَفْ ظُلْمًا» على النَّهي، جزمًا، وعلامةُ الجزمِ سكونُ الفاء.
وسقطت الألفُ لسكونِها، وسكونِ الفاءِ.
وقرأ الباقون «فَلا يَخَافُ» على الخبرِ رفعًا. والظلمُ في اللُّغة: وضع الشيء في غير موضعه.
والهضم: النُّقصان يقال: بَخَسَنى حقّي، وهَضَمَني، وضارّني، بمعنى: نقصني.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾.
قرأ الكسائِيُّ، وعاصمٌ - في روايةِ أبي بكر - «تُرْضَى» بضم التاء على ما لم يُسم فاعله، أي: غيرك يرضيك.
وقرأ الباقون «تَرضى» بفتح التاء. والأمر بينهما قريبٌ، لأنَّ كلّ من أرضى فقد رضي قَالَ الله تَعَالى: ﴿ارْجِعِي إِلَى ربِّك راضية مرضية﴾
وقوله تعالى: ﴿أولم تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الأُوْلَى﴾.
قرأ أبو عمرو ونافعٌ وحفصٌ، عن عاصمٍ: بالتاء لتأنيث البينة.
وقرأ الباقون: بالياء، لأنّ تأنيثَ البينة غيرُ حقيقيّ، ولأنَّك قد حجزت بين البينة والفعل بحاجز. والاختيار التاء، لأنَّ بعض القرآن يشهد لبعضِ. وكان جماعة من الصحابة والتابعين يحتجُّون لبعض القرآن على بعضِ قَالَ الله تعالى: ﴿جاءتهم البينة﴾ فهذا شاهد ﴿أولم تأتهم﴾.
[ ٢٧٢ ]
واختلف القراء في اثنتي عشرة ياءً:
«إني آنست نارًا لعلّي آتِيكُمْ» «إنَّنِي أَنَا الله» «إنَي أَنا ربُّك» «لِذِكْرِي» «وَلِيَ فيها» «ويسر لي أمري» «أخَي أشدد» «على عيني» «لِنَفْسِي اذهَبْ» «في ذِكْرِىَ اذْهَبَا «بِرَأْسِيَ» «حَشَرْتَنِيَ»
فتحهن نافع إلا اثنتين، قوله: «أخي أشدد»، «وليَ فيها».
وفتحهن أبو عمرو أيضا إلا واحدة «لِمَ حَشَرْتَنِيَ».
وأسكن ابن كثيرٍ خمسًا «وليَ فيها»، «ويسّر لي أمريَ» «لذكرى إنّ السّاعة» «على عيني» «ولا برأسيَ إنّي».
وفتح عاصمٌ في رواية حفص «وَلِيَ فِيْهَا» والباقون يسكنون كلَّ ذلك.
قَالَ ابنُ مُجاهد، حُذِفَ من هذه السُّورة ياءان «ألا تَتَّبِعَنِ» وقد ذكرته و«بالواد المُقَدَّسِ» الوصلُ والوقف و«الواد» بغير ياء؛ وذلك أن الياء لما سقطت لفظًا لسكونها وسكون اللام سقطت خطأ. فالمقدس، المُطَهّر. قيل في قوله: «الأرض المقدسة»:
فلسطين والأردن وقيل: دمشق (^١).
_________________
(١) قال ابن الجزري في النشر ص/ ٣٣٦: (وفيها من ياءات الإضافة ثلاث عشرة) (إني آنست، إني أنا ربك، إنني أنا الله، لنفسي اذهب، في ذكري اذهبا) فتح الخمسة المدنيان وابن كثير وأبو عمرو (لعلي آتيكم) أسكنها الكوفيون ويعقوب، (ولي فيها) فتحها حفص والأزرق عن ورش، (لذكري إن، يسر لي أمري، على عيني، إذ تمشي، برأسي إني) فتح الأربعة المدنيان وأبو عمرو، و(أخي اشدد) فتحها ابن كثير وأبو عمرو ومقتضى أصل مذهب أبي جعفر فتحها لمن قطع الهمزة عنه ولكني لم أجده منصوصا (حشرتني أعمى) فتحها المدنيان وابن كثير. «وفيها من الزوائد واحدة» (ألا تتبعن أفعصيت) أثبتها في الوصل دون الوقف نافع وأبو عمرو وأثبتها في الحالين ابن كثير وأبو جعفر ويعقوب إلا أن أبا جعفر فتحها وصلا وقد وهم ابن مجاهد في كتابه قراءة نافع حيث ذكر ذلك عن الحلواني عن قالون وهم في جامعه حيث جعلها ثابتة لابن كثير في الوصل دون الوقف، نبه على ذلك الحافظ أبو عمرو الداني».
[ ٢٧٣ ]