قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ أنَّ رَسُول اللَّه ﷺ كَانَ إِذَا حدّث قريشًا وعرَّفهم أخبارَ الُأمم السَّالفة ووعظهم فكانوا يهزءون بذلك فنهاه اللَّه أن يحدِّثَهم، فَقَالَ: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ،﴾ فكان رسول الله ﷺ يحدث أصحابه فإذا أقبل واحدٌ من المشركين أمسك فاجتمعوا عنْ بكرةٍ أَبيهم فقالُوا:
والله يا محمد إن حديثك لعجيب، وكنا نتمنى أن نَسْمَعَ حديثَك فَقَالَ: إنَّ ربي نهاني أن أُحدِّثكم فأنزل اللَّه تَعَالى: ﴿عمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾ لفظه لفظ الاستفهام ومعناه التَّوبيخ. ثُمَّ بيَّن اللهُ تَعَالى فَقَالَ: ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ أي: تَسألون عنْ النَّبأِ العَظيم والأصلُ فِيْ «عمَّ»: عمَّا، فحذفت الألف اختصارًا، ومثله: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ والأصل: فِيما، ومثله لِمَ، والأصل: لمَا، وكذلك العرب تحذف ألف عَلَامَ يَذْهَبُ، ولم يأت ذَلِكَ فِيْ القرآن.
حَدَّثَنِي أَبُو عُمر، عنْ ثعلب، عن سلمة، عن الفراء، عن الكسائي، قَالَ: تَقُولُ العرب: لِمَ فعلتَ، ولِمْ فعلتَ، ولَمْ فعلتَ، ولَمَا فَعلتَ أربعُ لُغاتٍ. وَقَدْ روى عنْ ابنِ كثيرٍ أَنَّهُ كَانَ يقف عمه، ولمه بالهاء.
- وقولُه تَعَالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُوْنَ﴾.
قَرَأَ ابنُ عامرٍ وحده: «كَلَّا سَتَعلمون» بالتَّاءِ جميعًا عَلَى الخطاب.
وقرأ الباقون بالياء، وهو الاختيار لقوله: «عَمَّ يَتَسَاءلُونَ »
«الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ» ولم يَقُل: أنتم فِيهِ مختلفون. غير أنَّ التاء جائزةٌ إذْ كانت العربُ ترجع من الغَيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغَيبة، وهذا كلامُ وَعِيْدٍ وفيه رَدعٌ وزَجٌر أعني «كلَّا» وعند آخرين «كلا» هاهنا بمعنى حَقًّا سيعلمون.
وقولُه تَعَالى: ﴿وفُتِحَت السَّمَاءُ﴾.
قَرَأَ أهلُ الكوفةِ مخفَّفًا.
والباقون مشدَّدًا. وَقَدْ ذكرتُ علته فِيْ الزُّمر.
[ ٤٨٤ ]
وقولُه تَعَالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَاْ﴾.
قَرَأَ حمزة وحده: «لَبِثِينَ» بغيرِ ألفٍ مثل فرحين وفرهين.
وقرأ الباقون: «لَابِثِينَ» بألفٍ، وهو الاختيارُ؛ لأنَّه اسمُ الفاعلِ من لَبِثَ يَلْبَثُ فهو لابثٌ. وحجَّةُ حمزة أن جعله كطَمع وطامع. واللّبثُ: البُطؤُ.
وقولُه: ﴿أحْقَاْبًا﴾ الأحقابُ: جمعُ حُقبٍ، والحُقب ثمانونُ سنةً، والسَّنةُ ثلاثمائة وستُّون يومًا واليوم ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ وهذا كنايةٌ عنْ الأبد كما تَقُولُ العَرَب لا أُكلّمه ما طارَ طائرٌ، وما أنَّ السَّماءَ سماءٌ، وما بلَّ بحرٌ صُوفة، وما قامَ الَأخشبان، كلُّ ذَلِكَ يريدون: ما أكلمه أبدًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَا يَذُوُقُونَ فِيْهَا بَرْدًا﴾.
البَرْدُ: النومُ، وأَنشد:
فإن شِئْتِ حرَّمتُ النِّساءَ سِوَاكُمُ وإِنْ شِئْتَ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاْخًا ولا بَرْدًا
النقاخ: العذب والمسوس، وهو أشد العُذوبة.
وقولُه تَعَالى: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾.
قَرَأَ حمزة والكِسَائِيّ وعاصم مشدَّدًا.
وقرأ الباقون مخففا، وهما لغتان.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الحميمُ: الماء الحار، والغَسَّاقُ: ما وهي من العين، أي: سال.
وقال آخرون: الغَسَّاقُ: البارد، وقيل: المنتن.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾.
قَرَأَ الكِسَائِيّ وحده: «كِذَابًا» مخففًا جعله مصدرًا لكذبت كذابًا مثل، قاتلت قتالًا: وليس مصدرًا لكذَّبْتُ بالتشديد لأنَّ المصدر من ذَلِكَ عَلَى ضربين كذبت تكذيبًا، وكَذَابًا، وكلمته تكليمًا وكلامًا.
وحدَّثني ابن مجاهد، عن السمري، عن الفراء، قال: قال لي أعرابي في طريقه مكَّة: يا زكريا القِصَّارُ أحبُّ إليك أم التَّحلاقُ يريد: أَقصر من شعري أم أَحلق.
وقولُه تَعَالى: ﴿رَبِّ السَّمَاواتِ والَأرْضِ﴾.
فيها ثلاث قراءات:
قَرَأَ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «ربِّ السِّمَاواتِ» بالكسر و«الرَّحْمَنُ» بالرَّفع.
[ ٤٨٥ ]
وقرأ عاصمٌ وابن عامر كلُّ ذَلِكَ بالخفض.
وقرأ الباقون كليهما بالرَّفع.
فمن خفض أبدل من قوله: «جزاء من رَبِّكَ»، «ربِّ السَّماوَاتِ﴾
﴿الرَّحْمَنِ» ومَنْ رفع استأنف.
وأما حمزة وأصحابه فإنه أَبدل «ربِّ» من «ربّ» ورفع «الرَّحْمَنُ» بالابتداء، «وَمَا بَينَهُمَا» الخبرُ وكلُّ ذَلِكَ صوابٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾.
يُقال: إنّ الرُّوحَ مَلَكٌ من أَعظمِ خَلْقِ اللهِ، وهو أول ما خَلَقَ اللَّه. وهو الَّذِي قَالَ: ﴿ويسئلونك عَنِ الرُّوْحِ﴾ هَذَا قولُ مُقاتل. قَالَ: وجهه وجهُ آدمي ونِصفه من نارٍ ونصفه من ثلجٍ يسبح بحمد ربِّه، يَقُولُ: ربِّ كما أَلَّفتَ بين الثَّلج والنَّار فلا تذيب هَذِهِ هذا، ولا يطفئ هَذَا هَذِهِ، فألِّف بين عبادك المُؤمنين. وقولُه: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا﴾ يعني: المُناجاة إِذَا وقفوا للحساب.
[ ٤٨٦ ]