قولُه تَعَالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غيرُ اللهِ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ غير بالخفض عَلَى النَّعت.
وقرأ الباقون بالرفع، ولهم حجتان.
إحداهما: أن يرد، «غير» عَلَى موضع «مِنْ» إذا كانت زائدةٍ لتأكيد الجَحد والتَّقدير: هَلْ خالقُ غيرُ اللَّه، فيكون نعتًا لَهُ قبل دخول «من».
والجوابُ الثَّاني: أن «غيرُ» هاهنا بمعنى «إلا» فجعلت إعراب الاسم بإعراب «غيرُ» كقولك: هل من رجل إلا ظريف. ومن من رجل غير ظريف.
وو ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله﴾ وهل هاهنا بمعنى «ما» الجحد.
وقولُه تَعَالى تَعَالى: ﴿كَذلِك نجزي كل كفور﴾.
قرأ أبو عمرو: «يُجْزَي» عَلَى ما لم يُسم فاعله بالياء. و«كلُّ» رفعٌ، لأنَّه أُقيم مقامَ مقامَ الفاعلِ، وهو نصبٌ فِي المعنى، لأنَّه مفعولٌ.
وقرأ الباقون: «كذَلِك نَجْزِيْ» بالنُّون، اللَّه تَعَالى يُخبر عن نفسه «كلَّ كَفُوْرٍ» نصبٌ مفعول بهم.
وقولُه تَعَالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾.
قرأ أبو عمرو عَلَى ما لم يُسم فاعله لقوله: ««يُحَلَّوْنَ فيها» قَالَ: فكلما جاوَزَ شيءٌ شكلَهُ كان رد اللفظ عَلَى اللفظ أولى من المخالفة.
وقرأ الباقون: «يَدْخًلُوْنَهَا» بفتح الياء. قَالَ: لأنَّ الدُّخولَ فعلٌ لهم، والتَّسوير والتَّحلية فعلٌ لغيرهم.
قولُه تَعَالى: ﴿ولُؤلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيْهَا حَرِيْرٌ﴾.
قرأ عاصمٌ ونافعٌ: «ولؤلؤًا» بالنصب.
وقرأ الباقون: «ولؤلؤٍ» بالخَفْضِ. والمُعَلَّى عنه «ولؤلوا» ضد أبي بكر بهمز الأولى، ولا يهمز الثانية وقد ذكرتُ علَّته في الحج.
وقوله تعالى: ﴿فهم على بينة مِنْهُ﴾.
قرأ ابْنُ كثيرٍ وأبو عَمْرٍو وحمزةُ، عن عاصم «بينة» بالتَّوحيد لقوله: قَدْ ﴿جَاءكم﴾
[ ٣٦٢ ]
﴿بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
وقرأ الباقون: «بَيَّناتٍ» بالجماعِ، لأنَّها مكتوبةٌ فِي المصحف بالألف والتاء.
والبينة، والبينات: القُرآن ومحمدٌ - ﷺ - فِي قولُه: «حتَّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ» وَيُقَال: بانَ الشيءُ وأَبان: إذا تَبَيَّنَ فهو بائنٌ ومبينٌ، وأبنته أَنَا وبيَّنْتُهُ لا غيرُ، والبَيِّنَةُ: وزنها فيعلة فاجتمع ياءان فأدغموا فالتَّشديد من جَلَلِ ذَلِكَ، وليس يجوزُ التَّخفيف، وأمَّا فمن العرب من يَقُولُ: البَيْنَةُ - بالتخفيف - تشبيهات بالدية، والاختيار التِّشديدُ، لأن النَّية وزنها فعلة من نويت، والأصل: نُويَة وصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها وهو النُّون فأدغمت الياء المبدلة من الواوِ فِي الياءِ الأصلَّيةِ، فوقعَ التشديد من أجل ذَلِكَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿ولا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِه﴾.
روى عُبَيْدٌ، عنْ أَبِي عَمْرٍو: «من عُمْرِهِ» بجزم الميم.
والباقون: «من عُمُره» بضَّمتين، وهما لغتان تَقولُ العربُ: أطالَ اللهُ عُمُرَكَ وعُمْرَكَ.
وفيه لغةٌ ثالثةٌ: عَمْرُكَ بفتح العين. والعَمْرُ أيضًا: القِرْطُ، وأيضًا الواحد من عُمور الأسنان.
وأمَّا قَولُهُم فِي القَسَمِ: «لَعَمْرُكَ» و«لَعَمْرى» فالفتح لا غيرُ، إلا أن من العربِ من يقدم الرّاء، ويعكس الحروف، فيقول: «رَعَمْلِي»، كما يقال جَذَبَ، وجَبَذَ، وما أَطْيَبَهُ، وأَيْطَبَهُ، وحكى أَبُو زَيْدٍ لغةٌ ثالثةٌ: لعمَرِي بفتح الميم.
اختلف النَّاس فِي قولُه: «عُمُرِهِ» الهاء عَلَى مَنْ تعود؟
فَقَالَ قومٌ: عَلَى الأول، وهو المُعمر أي: ما يعمر من معمَّر أي: لا يطول عُمَر أحدٍ، ولا ينقص من عمره، أي: لا يأتي عليه الليل والنهار، فينقصانه إلا ذَلِكَ مَسطورٌ فِي كتابٍ مُبينٍ.
والقولُ الآخرُ: ما يُعمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ، ولا يُنقص من عمرِ آخرَ غيرَ الأولِ، وهذا اختيارُ الفراء، وإنما أجازَ أن يعود الذكر عَلَى غير مذكورٍ لأنَّ المعنى مفهومٌ، كما يَقُولُ: لَكَ عَلَيَّ درهمٌ ونِصْفُهُ، أي: نصفُ آخر، ويجوزُ نصفُ الأولِ أي: يزنه نصف الأول.
[ ٣٦٣ ]
والقراء جميعا يقرءون: «ولا يُنْقَصُ» بضمِّ الياءِ عَلَى ما لم يُسم فاعله لقَوله: «وما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ «إلا الحسن وقتادة فإنهما يقرءان «ولا يَنْقُصُ» بفتح الياء.
وقولُه تَعَالى: ﴿ومَكْرَ السَّيِّئ﴾.
قرأ حمزةُ وحده: «السَّيِّئ» بجزم الهمزة، وإنما فعل ذَلِكَ لتوالي الكسرات مَعَ الياء والهمزة، فأسكنه تخفيفا، كما يَفعل أَبُو عَمْرو فِي نَحو: «خَادِعْهُمْ» و«يَنْصُرْكُمْ» و«يَأْمُرْكُمْ» وقد نَسب بعضُ من لا يعرف العربيَّة واتساع العرب حمزة إلى اللَّحْنِ، وليس لحنًا لما أخبرتك.
وقرأ الباقون: «السَّيِّئ» بكسر الهمزة عَلَى الأصل.
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: روى شبلٌ عنْ ابْنُ كثيرٍ «السيء»، قَالَ ابْنُ مجاهد: وهو خطأ.
واجمعوا عَلَى «ولا يحيق المكر السيئ» أن همزتها مرفوعةً.
فإن قيل لَكَ: فهلَّا أسكن حمزة الثاني كما أسكن الأول.
فقيل: إنما أسكن الأَول استثقالًا لاجتماع الكسرة مَعَ الياء ولما انضمت الهمزة فِي الثانية لم يستثقل فأتى به على الأصل.
[ ٣٦٤ ]