ومن سورة
فُصِّلَتْ
قد ذكرنا ما قَالَ العلماء فِي تفسير حم وإعرابه وإنَّمَا أعدتُ ذكره لأنَّ بعضَ المُفسرين ذكر أنَّ حم اسمُ اللَّه الأعْظَمُ فعلى هَذَا اسمُ اللَّه الأعظم سبعةُ أشياء حسب ما ذكرته فِي كتاب المُفِيْد يا ذا الجَلَالِ والِإكْرَامِ، يا حَيّ يا قيوم يا شراهيا. وتَفسيره: يا حيُّ يا قَيُّوم الرَّحْمَن الرَّحِيْم.
قَالَ الكُوفِيُّون: «حمَ تَنزِيْلٌ من الرَّحْمَن» حم يرتفع ب تنزيل وتنزيل ب حم.
وقال الفَرَّاء: يرتفع تنزيل بإضمار: ذَلِكَ تنزيلُ، وهذا تَنزيلُ. وقال البَصْرِيُّون: «تَنْزِيْلُ» يرفع بالابتداء ﴿كتاب فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ خبرُه «وقُرْءَانًا» يكون نصبًا عَلَى المصدر وعلى الحال.
وقولُه تَعَالى: ﴿فِي أيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾.
قرأ ابنُ كَثيرٍ ونافعٌ وأبو عَمْرٍو: «نَحْسَاتٍ» بإسْكَانِ الحاءِ، وشاهِدُهُمْ: «فِي يَومِ نَحْسٍ» أي: فِي يوم شُؤمٍ وبَلاءٍ وهُلْكٍ. ويُقال يوم نحس أربعاءٌ لا يدورُ، ويجوزُ أن يكون أرادوا: نَحِسَاتٍ مثل فَخِذَاتٍ. فأسكنوا تخفيفًا.
وقرأ الباقون بكسر الحاءِ، وحجَّتُهُمْ أنَّ النَّحسات صفة تَقُولُ العربُ: يومٌ نَحِسٌ مثل رجلٌ هَرِمٌ، قَالَ الشَّاعِر:
أَبْلِغْ جُذَامًا وَلَخْمًا أنَّ إخْوَتَهُمْ طَيًّا وبَهْرَاءَ قَومٌ نَصْرُهُمْ نَحِسُ
وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾.
قرأ نافعٌ وحده: «نَحْشُرُ» بالنُّون. اللَّه تَعَالى يُخبر عنْ نَفسه: «أعْدَاءَ اللهِ» بالنَّصْبِ، وشاهده: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَومَ القِيَامَةِ﴾.
وقرأ الباقون: «يُحْشَرُ» بالياءِ عَلَى ما لم يُسمَّ فاعله «أعْدَاءُ اللهِ» بالرَّفْعِ لأنَّه اسمُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعله، وإن كان مفعولًا فِي الأَصلِ، والأعداءُ جمعُ عَدُوٍّ، والعَدُوُّ يكونُ جمعًا، قَالَ اللَّه تَعَالى: وَإِن ﴿كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَكُمْ﴾ ويجمع العدوُّ أيضًا عدى، وعداة ﴿إلى النار فهم يُوزَعُونَ﴾ أي: يحبسون ويُمنعون، ويُلقون يُقالُ: وَزَعْتُ الرَّجُلَ: إذا مَنَعْتُهُ.
[ ٣٩٠ ]
وكان الْحَسَن الْبَصْرِيّ تقلد القضاء، فَقَالَ: لا يقربني عونٌ ولا منكبٌ، ولا شرطِيٌّ، والمنكبُ: عون العَريف، وقيل: المنكبُ: قومُ العريف. فازدحم الناس على الحسن فقال: لا بد للناس من وَزَعةٍ. وبعث إلى السُّلطان حَتَّى أَمدَّه بالأَعوانِ. ومَن قَالَ: أنّ رجلًا شتم أبا بَكْر رحمة اللَّه عَلَيْهِ فِي وجهه فَلَطَمَهُ رجلٌ من الأنصارِ، فقالوا لأبي بَكْرٍ: اقتصَّ لنا، فَقَالَ: إني لا اقتَصُّ مِمَّن وَزَعَةِ اللَّه. وشبيهةٌ بهذا أنَ عليًّا صَلَوَاتُ اللَّه عَلَيْهِ لَطَمَ رَجُلًا فِشَجَّهُ فَشَكَا عليا إلى عُمر ﵁، فدعا عليًّا، وقال: ما أردت من هَذَا، فَقَالَ: إنّي رأيته يُسارُّ امرأةَ خاصٍّ من خَوَاصِ اللَّه. فَقَالَ عُمَر: إنَّ لِلهِ عُيُوْنًا فِي أرضه، وإن عليا عين الله في أرضه، أي: خاصَّتُهُ. وفي خبر آخر قَالَ: لِمَ لَطَمْتَهُ يا أَبا الْحَسَن؟ قَالَ رأيتُه ينظر إلى حُرَمِ المُسلمين فِي الطَّوافِ. فَقَالَ للمَلطُوْمِ:
وَقَعَتْ عليك عينٌ من عيون اللَّه تَعَالى. قَالَ ثعلبٌ: معناه خاصٌّ وأمَّا قولُه تَعَالى ﴿أَوْزِعْنيْ أَنْ أَشْكُرَ﴾ فمعناه ألْهِمْنِي. وأمَّا قولُ الشاعر:
فإني بها يا ذا المَعَارِجِ مُوْزَعُ
فمعناه: مُولَعٌ. وَيُقَال: أحكمت الرَّجُلَ بمعنى وَزَعْتُهُ، ومنه حكمة الدَّابة لأنَّها تمنعها وتحبسها، ويُنشَده:
وإنَّكُمَا إنْ تُحْكِمَانِيْ وتُرْسِلَا عَلَيَّ غُوَاةَ الناس أمت وتضلعا
قوله تعالى: ﴿وما تخرج مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾.
قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وحفصٌ، عنْ عاصمٍ: «ثَمَراتٍ» عَلَى الجماعة، واحتجُّوا بأنه فِي المَصاحف بالتاءِ. وقرأ الباقون: «من ثَمَرَةٍ» عَلَى التَّوحيد، واحتجوا بأنّه فِي مُصحف عبدِ اللَّه مكتوب بالهاءِ، لأنَّ الثمرة تؤدي عنْ الثمار؛ لأنَّه الجنس. والأَكمامُ:
واحدها كمٌّ فِي قول الفَرَّاء، وكمةٌ فِي قولِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وهو الكفرى، والجفرى، ويجوز أن يكون كمَّةٌ واحدَ الكُم، والَأكمامُ جمعُ الجَمْعِ.
وقوله: ﴿ء أعجمي وعَرَبِيٌّ﴾.
فِيهِ أربعُ قراءاتٍ:
قرأ أهلُ الكوفةِ: «أأعجمي»» بهمزتين.
الأولى ألف الإنكار والتَّوبيخ عَلَى لفظِ الاستفهامِ.
والثانيةُ ألفُ القطع، لأنَّه يُقال: رجلٌ عَجَمِيُّ إذا كان لا يُفصح، وإن كان عربي
[ ٣٩١ ]
الأصل، ورجل أَعْجَمِيٌّ إذا كان منسوبًا إلى العجم وإن كان فصيحًا.
وقرأ الباقون: «آعْجَمِيٌّ» بهمزةٍ، ومدّةٍ، لأنهم كرِهُوا الجمعَ بين الهمزتين فليَّنُوا الثانية.
وقرأ الْحَسَنُ: «أَعْجَمِيٌّ» بغيرِ استفهامٍ، وأسكن العَين، ومعناه: هَلَّا كان عربيًا والقرآن أعجميًا، والرَّسولُ أعجميًا، والقرآن عربيًا. فَقَالَ اللَّه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء﴾ وعَمًى عَلَى الَّذِيِْنَ كَفَرُواْ، لأنَّهم صُرِفُوا عَنْهُ بعد وضوحِ الحُجَّةٍ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾.
وحدَّثني ابنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ الفَرَّاء، قَالَ: قَرَأَ بَعْضُهُمْ «أَعَجَمِيُّ» بفتح العين، فهذه ألفُ الاستفهامِ، ودخلت عَلَى عَجَمِيّ. وقد فسرتُ لَكَ فرقَ ما بين عَجَمِيّ وأَعْجَمِيّ. قَالَ بعضُهم رجلٌ أَعجم بمعنى: أعْجَمِيِّ، واحتجُّوا بما حَدَّثَنِي أَحْمَد، عنْ عليّ، عنْ عُبَيْدٍ أن الْحَسَن قرآ: «وَلَوْ أنزلناه على بعض الأعجميين» بتشديد الياءِ، إلَّا أن تقولَ: العَجَمُ جمعٌ واحدُهم عَجَمِيٌّ فيكون الفرق بين الواحد والجمع حذف الياء كقولك: عربيٌّ، وعَرَبٌ، ورُوْمِيٌّ ورومٌ وهذا قد أحكمناه فِي كتاب السبعة.
وقولُه تعالى: ﴿أرنا الذين﴾.
قرأ ابن كثير وأبو بكر، عن عاصم: «أرنا اللذين» بجزم الراء.
وقرأ الباقون: «أرِنَا» بجرِّ الرَّاءِ.
غيرَ أن أبا عَمْرٍو كان يَختلس الكسرةَ. وقد ذكرنا علَّة ذَلِكَ فيما سلف.
فَقَالَ ابنُ خالوية: «أَضَلَّانَا من الجِنّ والإِنْسَ» من الجن: إبليس، ومن الإنس قابيل بْن آدم قاتل هابيل.
وسمعتُ ابنُ مجاهدٍ يَقُولُ: قابييل بياءين.
وقوله تعالى: ﴿ونأى بجانبه﴾ على وزن نعى، قرأ ابْنُ عامر وابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم - «ونأى» على وزن «ونعى» وقرأ الكِسَائِيّ: «وَنِئِى» عَلَى وزن ونِعِى.
واختلف عن حمزة فروي عَنْهُ بفَتْحِ النُّون وكسرِ الهمزةِ، وقد ذكرتُ علَّة ذَلِكَ فِي سبحان.
[ ٣٩٢ ]
واختَلفوا فِي هذه السُّورة فِي ياءين:
- ﴿إلى رَبِّى إن لِي﴾ فَتحَها أَبُو عَمْرٍو.
وأسكنها الباقون.
وفتح ابن كثير: «أين شركائي» وقصر، ومد وأسكن الباقون، والاختيار عنْ ابنِ كثير: «شركائي الَّذِيِْنَ» مثل أَبِي عَمْرٍو لَهُ.
[ ٣٩٣ ]