قولُه تَعَالَى: ﴿كَهيعَصَ﴾.
فيها خمسُ قراءاتٍ:
قرأ ابن كثيرٍ، ونافعٌ، وحفصٌ عَنْ عاصمٍ، بتفخيمِ الحُروف كلِّها، وكان نافعٌ قراءته بينَ بين؛ وذلك أنَّ هذه الحروفَ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، وتُمدُّ وتُقصَرُ، وتُمال وتفخَّمُ، فيقال: ياءٌ وطاءٌ، ويا وطا.
ومن العربِ من ينحو بِهِ نحو الواوِ، فيقولُ: طُو ويُو وهُو. وقد قرأ بذلك الحَسَنُ «كُهُيُعص».
وقرأ عاصمٌ في راويةِ أبي بكرٍ والكِسَائِيّ بإمالةِ هذه الحروف.
وقرأ ابن عامر، وحمزة بفتح الهاء وإمالة الياءِ «كَهَيعَصَ»، وكأنَّهما كرها تواتى الفَتَحَات والكَسْرات، فأمالا بَعضًا، وفَتحا بَعضًا.
وقرأ أَبُو عَمْروٍ ضدَّ ذَلِكَ، فكسرَ الهاءَ، وفتحَ الياءَ لهذه العلّة الّتي تقدمت.
وحدَّثني مُحَمَّد بْن الحَسَن الأَنْبَارِيُّ، عَنْ ابن فَرَحٍ، عَنْ أبي عُمَر، عَنْ اليَزِيِديَّ، عَنْ أبي عَمْروٍ، أَنَّهُ قرأ: «كَهِيِعَصَ» بكسر الهاءِ والياء. قال: قلتُ لأبي عَمْروٍ: لِمَ كَسرتَ الهاءَ؟، قَالَ: لئلا تلتبس بالهاء الّتي للتنبيه، قلت: فلمَ كسرتَ الياءَ؟ . قَالَ:
لئَلَّا تلتبس بالياءِ الّتي للنِّداء إذَا قلتَ: يا رَجُلُ، ويا زَيْدُ. وهذا حَسَنٌ جدًّا.
قَالَ ابنُ مُجاهدٍ: واللَّفظ بهذه الحُروف أن تَنظَر، فَما كَانَ منها عَلَى حرفين كَانَ أقصرَ مدًّا، نحو ها، ويا، وما كَانَ عَلَى ثلاثةِ أحرفٍ كَانَ أطولَ مدا، نحو كاف، وصاد.
فإن قيلَ لَكَ: فإنَّ أبا عَمْروٍ وغيرَه مِمَّن أَدغَم الدَّالَ في الذَّالِ من (ص ذكر) جَعلوه أطولَ من كاف؟
فالجوابُ في ذَلِكَ: أنَّ الألفَ إذَا وقعَ بعدها حرفٌ مشدّدٌ، نحو دابَّة، وشابَّة، وتابَّة، وهي العجوزُ، فلا بد من مدِّه، تمكينًا للحرفِ المُدغمِ، وليكون حاجزًا بين السَّاكنين.
واختلفَ أهلُ التأويلِ في ﴿كهيعص﴾.
[ ٢٤٥ ]
قَالَ قومٌ: أقسمَ الله تَعالى بحروفِ المُعجم، ثُمَّ اجتزأ ببعضٍ عَنْ بعضٍ.
وقال آخرون: بل وهو شِعَارٌ للسُّورة.
وقال عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبي بَكْر: لِله تَعَالَى مَعَ كلِّ نبيٍّ سرُّ، وسرٌّ الله تَعَالَى مَعَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - في القرآن الحُروفُ المقطعةُ.
فإن سألَ سائِلٌ: ما معنى قولِ عليٍّ ﵁: يا كاف ها، يا ع ص اغفر لي؟
فالجوابُ في ذَلِكَ: أنَّ عليًّا ﵁ كَانَ يتأوّل كلَّ حرفٍ من الحروف المُقطَّعة اسمًا من أسماء الله ﷿، فالكاف من ﴿كهيعص:﴾ الكافي، والهاءُ: الهادِي، والصَّادُ: من صادقٍ، والعَينُ: من عَليمٍ. كأنَّه قَالَ: يا كافِي، يا هَادي، يا عَلِيم، يا صادق، ثُمَّ اجتزأ ببعضِ الحروف عَنْ كلٍّ، كما تَقُولُ العرب، ألا تا، تريد: أَلا تَرحل؟ فيقول: بلى فَا، أي: بَلَى فَأَفعل. قَالَ الشَّاعِرُ:
ناداهُمُ أَنْ ألْجِمُوا ألا تا قول امرئ للجلبات عبّا
ثُمَّ تَنادوا بعد تِلْكَ الضَّوضا منهم بهاب وهل وبابا
ومن ذلك حديث رسول الله - ﷺ -: «كفى بالسَّيف شا». أراد أن يَقُولُ ﵇: «شاهدًا»، ثُمَّ قَالَ - ﷺ -: «لولا أنْ يتتابع فيه الغيران والسكران».
وقوله تعالى: ﴿كهيعص ذكر رحمت رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾.
أدغَمَ الدَّال في الذّال أَبُو عَمْرو، وحمزةُ، والكِسَائِيُّ تَخْفِيفًا لقربِ مَخرج الدَّالِ من الذَّالِ.
والباقون يظهرون إذَا لم يتجانسا، وليسا أختين.
وكان أَبُو عَمْروٍ يسكّن الرَّاءَ من «ذَكِرْ»، ويدغمها في الراء من «رحمة»، فيقول: «ذكر رحمت ربِّكَ».
والباقون يظهرون إذَا كَانَا من كلمتين، ولأنَّ الرَّاءَ الأولى متحركةٌ، وقد مَضَى مثل ذَلِكَ فيما سَلَفَ من الكتاب، والتَّقديرُ في الآية: ذِكْرُ ربِّك عبدَه بالرَّحْمَةِ.
قولُه تَعَالَى: ﴿إني خفت الموالي من ورائي﴾.
قرأ ابن كثير، فيما قرأت على ابن مجاهدٍ، عَنْ قنبل - «ورآءىَ» بفتح الياء، والمدّ، والباقون يُسَكِّنون الياءَ تخفيفًا، لطولِ الحَرْفِ مَعَ الهمزة.
[ ٢٤٦ ]
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: روى عُبَيْدٌ، عنْ شبلٍ، عَنْ ابنِ كَثيرٍ «مِنْ وَرَاىَ وَكَاْنَتِ» مثل:
هُداىَ.
وقد ذَكرتُ علّة ذَلِكَ في سورة إبراهيم ﵇، والوَرَاءُ: وَلَدُ الوَلَدِ ممدودٌ، الوَرَاءُ: الخَلْفُ، والوَرَاْءُ: القُدَّامُ. ومعنى هذه الآية: ﴿خِفْتُ المَوَالِىَ من ورائي﴾ أَي:
أَمامِي وقُدَّامِى، قَالَ الشَّاعرُ:
أَيَرْجُو بنو مَرْوَان سَمْعِي وَطَاعَتِي وَقَوْمِي تمِيمٌ وَالفَلَاةُ وَرَائِيَا
والوَرَىُ مقصورٌ: داءٌ في الجوفِ، والوَرَى أيضًا: الخلْقُ، يقالُ: ما أدري أي الورى هو؟ وأي الطمش هو؟ وأيّ تُرخمٍ، وأيَّ الطَّبل هُوَ؟ وأيَّ برنساء هُوَ؟ كلُّ ذَلِكَ معناه: لا أَدْرِي أيّ النّاسِ هُوَ؟
وذكر الحَجَّاجُ، عَنْ هارون، عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، عَنْ أَبِيهِ وهبٍ، عَنْ كَعب مولى سَعيد بْن العاص، عَنْ سَعيد بْن العاص، قَالَ: أَملى عليَّ عُثْمَان بْن عفان ﵁، «وَإِنِّي خَفَّتِ الْمَوَالِيَ من ورآئي».
أي: ذهبَتْ وقلَّتْ، والموالى: بنو الأَعمامِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
مَهْلًا بني عَمَّنَا، مَهْلًا مَوَاْلِيْنا لَا تَنْبُشُوا بَيْنَنَا مَا كانَ مَدْفُوْنًا
فالمَوْلَى: ابنُ العَمِّ، والمَوْلَى: المُعْتِقُ، والمَوْلَى: المُعْتَقُ، والمَوْلَى: النَّاصِرُ، والمَوْلَى: الأَوْلَى، والمَوْلَى: الوَلِيُّ، والمَوْلَى: الإِمَامُ.
وقَوله تَعَالَى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.
قرأ أَبُو عَمْروٍ، والكِسَائيُّ، جَزْمًا جوابًا للأمرِ، وإنما صارَ جوابُ الأمرِ مجزومًا؛ لأنَّ الأمرَ مَعَ جوابِهِ بمنزلةِ الشَّرطِ، والجَزَاءِ، أي: هَبْ لِي وليًّا، فإنَّك إن وَهَبْتَهُ لي ورثني.
قرأَ الباقون: «يَرثُنِي» بالرَّفِع عَلَى تقديرِ: فإنه يَرِثُني، ومَن اختارَ الرَّفعَ قَالَ:
«وليًا» نكرةٌ، فجعلت «يرثني» صلةً، كما تَقُولُ: أَعِرْني دابةً أَرْكَبُهَا، ولو كَانَ الاسمُ معرفةً لكان الاختيارُ الجزَم، كما قَالَ تَعالى: ﴿فَذَرُوْهَا تَأكُلْ فِيْ أَرْضِ اللهِ،﴾ والنكرةُ نحو قولُه: ﴿خُذْ مِنْ أَموالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾.
ولمَنْ رَفَعَ حُجَّةٌ أُخرى: أنَّ الآيةَ قد تمَّت عندَ قولِهِ «وَلِيًّا». وقالَ ابنُ مُجاهدٍ: مَنْ جَزَمَ جاز لَه أن يقفَ عَلَى «وَلِيًا»، ومَنْ رَفَعَ لم يَجُزْ، لأنه صلة.
[ ٢٤٧ ]
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: الصِّلةُ من المَوْصُوْلِ، كالشَّرطِ من الجَزاءِ، لا يَتِمُّ أحدهما إلَّا بصاحبه، فمَن أجازَ الوَقفَ عَلَى «وَليًّا»؛ لأنَّهما رأسُ آيةٍ، جعلها وقفًا حسنًا لا تامًا، لأنَّ الحَسَنُ ما حَسُنَ الوَقْفُ عَلَيْهِ وقُبح الابتداء بِهِ. وقال المُفسرون: التَّقديرُ هَبْ الّذي يَرِثُنيْ. ولو قَالَ قائلٌ: إنّما رفعتُ «يَرِثُني»، لأنَّ معناهُ: هب لي وليًا وارثًا. والفعلُ المضارع إذَا حلَّ محلَّ اسمِ الفاعلِ، لم يَكن إلَّا رفعًا، كقوله تَعالى: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. أي: مُستكثرًا. وقرأ سعيدُ بن جُبيرٍ: «هَبْ لِيْ أُوَيْرِثًا»، أرادَ: وويرثا، فانقلبت الواوُ همزةً، مثل: ﴿وإذَا الرُسُّلُ أُقِّتَتْ﴾. والأصل: وُقّتت، «وو يرثا» تصغيرُ وارثٍ، كما تقولُ في صالح: صُويلح.
وقولُه تَعَالَى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَر عِتِيًّا﴾.
قرأ حمزة والكسائيّ: «عِتِيًّا» و«صِلِيًّا» و«جِثِيًّا» و«بِكِيًّا» وكذلك حفصٌ، إلا «بُكيّا». فإنَّه ضَمٌّ. والباقون يَضُمُّون كلُّ ذَلِكَ، فمَن كَسَرَ أوائل هذه الحروف، فلمجاورة الياء، والأَصلُ الضَمُّ لأنَّها جمعُ فاعلٍ، مثل جالسٍ وجُلوسٍ، وكذلك صالٍ وصُلُىٌّ، والأصل صُلُوْىٌ، وبُكُوْىٌ عَلَى وزن فُعُوْلٍ، فانقلبت الواوُ ياءً، وأدغمت الياءُ في الياء. فالتشديد من أجل ذَلِكَ.
والأصلُ في «عُتِيًّا»: عُتُوٌ، لأنَّه من عَتَا يَعْتُو، والأولُ من بَكَى يَبْكِي، كما قَالَ تَعالى: ﴿وَعَتَوا عُتُوًّا كَبِيْرًا﴾.
فإن قيلَ لك: قِيلَ في هذه السُّورة: «عُتِيًّا» بالياء، ولم يقل: عُتُوًّا بالواو؟
فالجوابُ في ذَلِكَ: أنَّ عتيًّا جمع عاتٍ، وأصلُ عاتٍ: عاتِوٌ، فانقلبت الواوُ ياءً لانكسارِ ما قبلها، فبنوا الجمعَ عَلَى الواحِد في قلبِ الوَاوِ ياءً، لأنَّ الجمعَ أثقلُ من الواحدِ، وقولُه: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا﴾ مصدرٌ، والمَصْدَرُ يُجري مُجرى الواحدِ حُكمًا، وإنْ كَانَ في اللَّفظِ مُشاركًا للجمعِ، أَلَا تَرى أنَّك تقولُ: قَعَدَ قُعُوْدًا، وقومٌ قُعُوْدٌ.
فإن قيل: ف «عتيا» في مريم أيضًا مصدر، فَلِمَ قُلِبَ؟
فقُل: ليوافق رءوس الآى، فآعرفه.
فإن قيلَ: فلمَ لَمْ يُختلف في قولُه: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾. فيقرأ مِضِيًّا كما قُرئ «بِكِيًّا»؟
فالجوابُ في ذَلِكَ أنَّ الاعتلالُ، والخروجُ عَنْ الأصلِ إنَّما يكونُ في الجمعِ للعِلَّة الّتي
[ ٢٤٨ ]
أنبأتُك بها، و﴿مُضِيًّا﴾ مصدَرٌ، تَقُولُ: مضى يمضي مُضيًّا، ولو كَانَ جمعًا لماضٍ لقُلتَ: قومٌ مُضِيّ ومِضِيّ، كما تَقُولُ: بُكيٌّ وبِكيٌّ، إنّما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾ أي: مضاء، وهذا واضحٌ بحمدِ الله. وفي حَرفِ عبدِ الله، «وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عُسِيًّا» يقال للشيخ إذَا كَبر: عَسا يَعسو، وعَتا يعتو إذَا يَبِس.
وقولُه تَعَالَى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾.
قرأ حَمْزَةُ والكِسَائِيُّ: «وَقَدْ خَلَقْنَاكَ».
وقرأ الباقون: «وَقَدْ خَلَقْتُكَ» بالتاءِ.
فمَن قرأ بالتَّاء فحجَّته: «هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ»، ولم يقل: عَلَيْنَا.
ومَن قرأ بلفظِ الجمعِ، فلأن الله تَعَالَى قَدْ قَالَ بَعد الآيَةِ: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي:
رَحْمَةً من عندِنا، والعَرَبُ تقولُ: حَنَانَيْكَ أي: رَحْمَةً بعدَ رحمةٍ كما قَالَ: لَبَيْكَ وسَعْدَيْكَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
أَبَا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنَا حَنَانيْكَ بَعْضُ الشَرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
وسمعتُ أبا عُمر يَقُولُ: «وَحَنَانًا». قَالَ: هَيْبَةً من لَدُنَّا.
وذكر الله تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى يَحْيَى بْن زكريا حيثُ خلقه ولم يَكُ شيئًا موجودًا مرئِيًا عند المخلوقين. فأمَّا الله تَعَالَى فَعِلْمُهُ ما لم يَكْن كَعِلْمِهِ بِهِ بعدَ أن كوَّنه. وقد كَانَ يَحْيَى ﵇ في عِلم الله شيئًا. وإنّما سُمي يَحْيَى لأنه حَيِيَ من عَقيمين، كانت أمُّه أَتت عليها خمسُ وتسعون سنةً، وأبوه نيِّفٌ وتسعون، لا يُولد لهما فحيى من بين مَيِّتَيْنِ قد يَئِسَا من الوَلَد.
وقوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾.
قِيلَ: لَم يُسمَّ أحدٌ يَحْيَى قبل يَحيى. وقال آخرون: السَّمِيُّ: الولدُ واحتجّوا بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
قَالَ أَبُو عبدِ الله: وسَمِعْتُ القاضي أبا عِمْرَان بْن الأَشْيَبَ يَقُولُ: يَحْيَى أفضلُ من عِيْسى عند أهلِ التَّأويلِ، لأنَّ الله تَعَالَى سلَّم عَلَى يَحْيَى فَقَالَ: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ وعيسى يُسَلّمُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ﴾ والأمر عندي واحدٌ، لأنَّ عِيْسى لم يُسلم عَلَى نَفْسِهِ في حالِ البُلوغ والنُّطق، وإنَّما أنطقه الله في المَهدِ صَبِيًّا إمارةً لنُبُوَّتِهِ، وأنَّه من غير فحلٍ.
[ ٢٤٩ ]
وقولُه تَعَالَى: ﴿لأَهَبَ لَكِ غُلَامًا﴾.
قرأ أَبُو عَمْروٍ وحده: «إنّما أَنَا رَسُولُ ربِّك لَيَهَبَ لَكِ» بالياء أي: ليَهَبَ الله لَكِ؟
وقرأ الباقون: «لأهَبَ لَكِ». جبريلُ يُخبرُ عَنْ نَفْسِهِ - ﷺ -؟
فإن قَالَ قائلٌ: الهبة الله تَعَالَى فلمَ أخبرَ جِبريل عَنْ نَفْسِهِ - ﷺ -؟
ففي ذَلِكَ قولان:
أحدُهما: إنَّما أَنَا رَسُولُ ربَّكِ. يَقُولُ الله: ﴿لأهب لك﴾.
والقولُ الثَّاني: لأهَبَ أنَا لَكِ بأمرِ الله، إذْ كَانَ النافِخُ في جَيْبِهَا بأمرِ الله تَعَالَى.
ورأيتُ أبا عُبَيْدٍ قد ضَعّف قراءةَ أبي عَمْروٍ واختيارَه، لخلافِ المُصحف قَالَ: ولو جازَ لنا تَغْيِيرُ المُصْحَفِ لجازَ لنا في كلِّ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو عبدِ الله: لَيْسَ هذا خِلافًا للمُصْحَفِ، لأنَّ حروفَ المدِّ واللِّيْن وذَوات الهَمزِ يُحوَّل بعضٌ إِلى بعضٍ وتُلين. ولا يُسمّى خلافًا، ألا ترى أنَّ نافعًا في رواية ورشٍ قرأ: «لَيَلَّا يَكُوْنَ لِلنَّاس» يريد: لَئَلَّا، فَجَعَلَ الهمزةَ ياءً، والقراءُ يقرءون إذَا وإيذا، وكذلك ورشٍ عَنْ نافعٍ مثل قراءةٍ أبي عَمْرو، «لِيَهَبَ»، وإنما الخلافُ نحو «كالصوف المنفوش» و﴿كالعهن﴾ و«وسئل ﴿بني إسرائيل» و﴿سل بني إسرائيل﴾ فأمّا التَّليين فلا يُسمى خلافًا.
وقولُهُ تَعَالَى: ﴿نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾.
قرأ حمزةُ وحفصٌ عَنْ عاصمٍ: «نَسْيًا» بفتح النون، والباقون بالكسر. فمَن فَتَحَ أراد المَصْدَرَ نَسِيْتُ الشَّيءَ أَنْسَى نَسْيًا ونِسْيَانًا. ويُقال: هذا شَيْءٌ لَقًا - مَقْصُوْرٌ - ونسيٌ. قَالَ الشَّاعر:
كأنَّ لها في الأرْضِ نِسْيًا تَقْصُّهُ عَلَى أَمِّهَا وإن تُحَادِثْكَ تُبْلِتِ
معنى تَبْلِتِ أي: تعقب وتصدق. فأمَّا النَّسء - بالفَتْحِ والهَمْزِ - فالتأخير قرأ ابن كثير: «إنما النسء زيادة في الكفر» والنسء: اللَّبَنُ، قَالَ عُرْوَةُ بْن الوَرْدِ:
بآنِسَةِ الحَدِيْثِ رِضَابُ فِيْهَا بُعَيْدَ النَّوْمِ كالعِنَبِ العَصِيْرِ
أَطَعْتُ الآمِرِيْنَ بَصَرْم سَلْمَى فَطَارُوا في البِلَادِ اليَسْتَعُوْرِ
سقوني الخمر ثم تكنفوني عداة الله من كَذِبٍ وَزُوْرِ
اليَسْتَعُوْرُ: البلادُ البَعِيْدَةُ. والخَيْتَعُوْرُ: الداهيه والخيتعور: الغدر، والمرأة الغدَّارةِ،
[ ٢٥٠ ]
والخيتعور: الأسَدُ: قَالَ الشَّاعِرُ:
كلُّ أُنثى وإن بَدَا لَكَ مِنْها آيةُ الحُبِّ حُبُّها خَيْتَعُوْرُ
إنّ مَنْ غَرّهُ النِّساءُ بِشَيْءٍ بَعْدَ هِنْدٍ لَجَاهٍل مَغْرُوْرُ
ويُروى: «سَقَوْنِي النَّسْيءَ» يعني اللّبَنَ. وكان ابنُ الأَعرابيِّ يُنشد: سَقَوْنِي النِّسْيَ أي: شَيءٌ نسَّاني عَقلي.
وقولُه: تَعَالَى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾.
قرأ نافِعٌ وحمزةُ والكِسَائيُّ وحفصٌ عَنْ عاصمٍ: «مِنْ تَحْتِهَا» بكسرٍ الميمِ.
وقَرأَ الباقون «من تحتها» بالفتح ف من اسم، ومن حرفٌ، فمَن فتح أرادَ:
عِيسى ﵇، ومَن كَسَرَ أراد: جِبريلَ ﵇.
وقولُه تَعَالَى: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ﴾.
قرأ حمزةُ وحده: «تَسَقِطْ» خَفِيْفًا؟
والباقون «تَسَّقَطْ عَلَيْكِ» مُشَدَّدًا، أَرادوا: تتَسَاقط فأدغموا التاء في السّين. وحمزةُ أسقطَ تاءً مثل تَذَّكرون وتَذكرون. وقد بَيَّنْتُ نحو ذَلِكَ فيما سَلَفَ. روى حفصٌ، عَنْ عاصمٍ: «تُسَاقِطْ عَلَيْكِ» جعله فاعل ساقط يُساقط مساقطةً فهو مساقِطٌ. وحدَّثني أَحْمَد، عَنْ عليٌّ، عَنْ أبي عُبَيْد أن البَراء بْن عازبٍ قَرَأَ: «يَسَّقَطْ عَلَيْكِ» بالياءَ والتَّشديدِ، أراد: يَتَسَاقَط فأدغم، فمَن ذكرَّ رده عَلَى الجِذْع. ومن أنَّث ردّه عَلَى النَّخلة. «وهُزِّي إِلَيْكَ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا» قِيلَ: بغُباره، وقيلَ:
برنيّا وقيلَ: كانت النَّخلةُ صَرَفَانَةً وهو رُطَبٌ يملُأ الضّرس، وهو أملأ للضّرس، وكان الجذعُ جذعًا يابِسًا أُتِيَ بِهِ ليُبني بِهِ بِناءٌ فاهتزّ خَضِرًا وأينعَ بالرُّطب بإذن الله تَعَالَى.
﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتِكِ سَرِيًّا﴾ قَالَ الحَسَن: كَانَ والله عيسى سَرِيًّا فقيلَ لَهُ: إنَّ السَّرِيَّ: النَّهْرُ، فَقَالَ: استَغْفِرُ الله. وقرأ أَبُو حَيوة «يُسْقِطْ عَلَيْكِ». وروى عَنْهُ «يَسْقُط عَلَيْكَ» ففي هذا الحرف من القراءات: يَسَّاقَطُ وتُسَّاقط ويُساقط وتُساقط وتَسْقُط وتَسْقِطْ وتَساقط.
وقولُه تَعَالَى: ﴿وَأَوْصَاني بالصلاة والزَكَاةِ﴾.
قرأ الكِسَائِيُّ وحْدَهُ: «وَأَوْصَنيْ» بالإِمالةِ من أجلِ الياء، لأنَّ الأصل فيه قبل الإضافة أوصى مثل أودى فلمَّا أضافه إِلى النَّفس تركه ممالا.
[ ٢٥١ ]
وأمّا مَنْ فَتَحَ، فَقَالَ: إذَا قلتُ: أَوصى ثُمَّ أضافه المُتكلم إلى نفسه صارت الألف ياء، مثل قَضى وَقضيت وأوصَى وأَوْصَيْتُ، فإذا قلتَ قَضَانِي وَرَمَانِي صارت الياءُ ألفًا فاتبعوا اللَّفظ الخطَّ، والكِسائيُّ جَرى عَلَى الأَصلِ، لأنَّ من خالفه في أَوصاني، فقد وافقه. «قَالَت إحداهما» في الإمالة.
وحجة الباقين أن «إحداهما» كُتِبَ في المُصحفِ بالياءِ «وَأَوْصَانِيْ» بالَألِف.
وقولُه تَعالى: ﴿ذَلِكَ عِيْسَى ابنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ﴾.
قرأ عاصمٌ وابنُ عامرٍ: «قولَ الحقِّ» بالنَّصبِ جَعَلَ لَهُ مصدرًا كما تَقُولُ: قلتُ قولًا وقلتُ حقًّا، وقولَ الحقِّ: قولُ الله تَعَالَى: والعَرَبُ تقولُ: قالَ زيدٌ قولًا وقالَ قيلًا وقالَ قالًا: فيجعلون الواو ألفًا. وكذلكَ الياءُ في العَيْب والعَابِ، وفي حرفِ أُبيٍّ «ذَلِكَ عِيْسَى ابن مَرْيَمَ قَالَ الحَقّ».
والباقون يَرْفَعُوْنَ عَلَى تقدير: ذَلِكَ عِيْسَى ابنُ مَريمَ ذَلِكَ قولُ الحَقِّ مبتدأً وخبرًا، فعيسى قولُ الله وكلمةُ الله، ورسولُ اللهِ، وعبدُ الله، وروحُ الله، لأنَّه بقوله: «كُنْ فَيَكُونُ» فهي الكلمةُ، والقولُ. وسمّي روحُ الله، لأنّه كَانَ رحمةً عَلَى مَنْ بُعث إِلَيْهِ إذَا آمنوا بِهِ.
قولُه تَعالى: ﴿وإنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾.
قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ وابنُ عامرٍ: «إنَّ الله» بالكسر.
وقرأ الباقون: «وأن» بالفَتْحِ.
فمَن فَتَحَ أضمر فعلًا وقضى إن الله ربي وربكم. ومن كسر جعله ابتداء لأنَّ «إنَّ» إذَا كانت مكسورةً كانت ابتداء، واحتَجُّوا بأنَّ حرف أُبَىٍّ «إنَّ الله رَبِّي وربكم» بغير واو.
وقوله تعالى: ﴿أولا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ﴾.
قرأ نافعٌ وعاصمٌ وابنُ عامرٍ: «أَوَ لَا يَذْكُرُ» بالياء خفيفًا.
والباقون يُشَدِّدُوْنَ. وقد ذكرتُ علَّته في غيرِ موضعٍ.
وقولُه تَعَالَى: ﴿إنَّه كَانَ مُخْلصًا﴾.
قرأ عاصمٌ وحمزةُ والكِسَائِيُّ: «مُخلَصًا» بفتحِ اللَّام.
أي أخلصهم الله واختارهم، أَعنى: الأنبياء مُوسى معهم فصار مخلَصًا.
[ ٢٥٢ ]
والباقون «مُخْلِصًا» بكسر اللَّامِ مثل: ﴿مُخِلصِينَ لَه الدِّيْن﴾ أيْ: أخلصَ هُوَ لله التّوحيد، فصارَ مُخْلِصًا.
وقولُه تَعَالَى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
روى هارون عَنْ أبي عَمْرو «هَلْ تَّعلَمُ» مدغمًا. وكذلِك حمزةُ والكِسَائيُّ يدغمان لقربِ اللَّامِ من التاء.
والباقون يظهرون؛ لأنهما من كلمتين ففرقوا بين المتصل والمنفصل.
فالمتصل «التَّابوت» والمنفصل «هَلْ تَّعْلَمُ» ومعنى قولُه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا:﴾
أَيسمى الوَلَدُ. وقيل: هل تَعلم في السُّهلِ والجَبَلِ والبَحرِ والمَشرِقِ والمَغْرِبِ أحدًا اسمه الله غير الله ﷿.
وقولُه تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذين اتَّقَوا﴾.
قرأ الكسائي وحده: «ثم نُنْجِي» خفيفا من أنجى يُنجي.
والباقون «نُنَجيِّ» والأمر بينهما قريبٌ، نجي وأنجي مثل، كرم وأكرم، و«ثُمَّ» حرفُ نَسَق، لأنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وإن مِنْكُمْ إلَّا وارِدُهَا﴾ فَما أحدٌ إلّا وهو يردُ النارَ تَحِلَّةَ القَسَمِ، الدَّليلُ عَلَى ذَلِكَ قولُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذِين اتَّقوَا وَنَذَرُ الظَّالمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. وقال آخرون: لَيسَ يردُ الموحّد النارَ. واحتّجُّوا بما حدَّثني ابنُ مُجاهد. قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن أَحْمَد بْن حَنبل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي دَاود، عَنْ شُعْبَة، عَنْ عَبْد الله بْن السّائب، قَالَ: حَدَّثَني مَنْ سَمِعَ ابنَ عبَّاس يَقرأ: «وإنْ مِنْهُمْ إلّا وَارِدُهَا» يعني: مِنَ الكُفَّارِ. وكذلِكَ قرأها ابنُ كثيرٍ في روايةٍ، وعكرمة. وحدَّثني ابنُ مُجاهدٍ أيضًا، قَالَ: حَدَّثَني إسْمَاعيل بْن عَبْد الله بْن إسْمَاعيل، عَنْ أبي زَيدٍ في قَوله:
﴿وإنْ مِنْكُم إلّا وَارِدُهَا﴾. قَالَ: ورود المُسلمين المرور عَلَى الجِسرِ، وورود الكافرين الدُّخولُ.
قَالَ ابنُ مُجاهدٍ: وحدَّثني فَضلٌ الوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ عليّ بْن نصرٍ، عَنْ مطرفٍ النَّهديّ، عَنْ ابن كثير «وإنْ مِنْهُمْ إلَّا وَارِدُهَا» فإنّ سألَ سائلٌُ ما معنى قولُه: ﴿ثُمَّ نُنَجِّى﴾؟ فَقُل: احتجت هذه الطّائفة بقراءة ابن عبَّاس وعاصمٍ الحَجْدَرِيّ وابنِ أبي لَيلى ويَعقوب الحَضرمِي «ثَمَّ» بفتح الثاءِ أي: هُنالك، وليس في القرآن ما يكون حرفًا واسمًا إلا هذا، وقولُه: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ و«من بعثنا من
[ ٢٥٣ ]
مرقدنا» و﴿هذا صراط عَليّ مُسْتَقِيْمُ﴾ و«عَلَيٌّ مُسْتَقِيْمٌ» قرأ به ابن سيرين، و«كُلًّا سَيَكْفُرُوْنَ» قرأ بذلك أبو نهيك. و«من تَحْتِها» وقد ذَكَرتُهُ.
وقولُه تَعَالَى: ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا﴾.
قرأ ابنُ كَثِيْرٍ: «خَيْرٌ مَّقَامًا».
والباقون يَفتحون، فالمُقامُ، الإِقامةُ. يقال: طال مُقامِي بالبلدِ، وأَقمتُ بالبلدِ مُقامًا، وإقامةً. والمَقَامُ - بالفتح - كقولِهِ تَعَالَى: ﴿مَقَاْمُ إبْرَاهِيمَ﴾.
فأمَّا قولُه في الأحزاب: ﴿لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا،﴾ فقرأها عاصمٌ في روايةِ حفصٍ بالضَّمِّ. والباقون يَفْتَحُون.
وقولُه في الدُّخان: ﴿مَقَامٍ أَمِينٍ﴾. فضمها نافعٌ، وابنُ عامرٍ، والباقون يفتحون.
فإنْ قيلَ لك: بمَ انتصبَ ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا﴾؟
فقيل: عَلَى التَّمييز، كما تَقُولُ: هُوَ أحسن منك وجهًا.
وقولُه تَعَالَى: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.
النَّدىُّ والنَّادِي: المَجْلِسُ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَتَأْتُوْنَ فِيْ نَادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ قيلَ:
المُنْكَرُ: مضغُ العِلْكِ، وحل الإزار، والضَّحِكُ، والضُّرطُ، والخَذْفُ بالحَصَا، والاستبال عَلَى الطُّرق. والرَّجُلُ المُنادِيْ: المُجالِسُ يُقالُ: فلانٌ يُنَادِيْ المُلُوكَ أي:
يُجالِسُهُمْ، قَالَ زُهَيْرٌ:
وجارُ المَيْتِ والرَّجُلُ المُنَادِي أَمَامَ الحَيِّ عَهْدُهُمَا سَوَاءُ
والمُنادى: النَّبيُّ - ﷺ - من قولِهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ المُنادٍ﴾ وقيلَ: هُوَ إسرافيل.
وقولُه تَعَالَى: ﴿أَثَاثًا وَرِءْيَا﴾.
قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ: «وَرِيًّا» بغيرِ همزٍ، والباقون يَهْمِزُوْنَ.
وأمَّا قراءةُ نافعٍ برواية قَالون وابنُ عامرٍ برواية ابن ذاكوان فبالهمز أيضًا فمَنْ هَمَزَ فمعناه: المَنْظَرُ الحَسَنُ، فقيل من الرُّؤية، ومَن لم يَهْمِزْ فله حجتان:
إحداهما: أن يكونَ أرادَ الهمز فترك، كما قرءوا «خَيْرُ البَرِيَّة»، والأصلُ: بريئة.
والحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أن تأخذه من الرَّيِّ، وهو امتلاءُ الشَّبابِ، والنَّضارةُ أي: ترى الريّ في وُجُوْهِهِمْ. تَقُولُ العربُ: قد تجَبَّرَ في وجهه ماءُ الشَّباب.
[ ٢٥٤ ]
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: قراءةُ سَعِيْدٍ بن جبير: «أَثَاثًا وَزِيًّا» جعله من الزِّيِّ. أنْشَدَني ابنُ دُرَيْدٍ:
أَهَاجَتْكَ الضَّغَائِنُ يَوْمَ بَانُوا بِذِي الزِّفِّ الجَمِيلِ مَنِ الأثاثِ
والأثاثُ: متاعُ البَيْت، وجمْعُهَا آثِثَةٌ. وقد يجوزُ آثاث، وأُثُثٌ.
وحدَّثَنِي ابنُ مجاهد، عن السمري، عن الفراء، قال: يقال أثَّثْتُ الجارِيَةَ: إذَا زَيَّنْتُهَا. وأَبرقتِ الجاريةُ وأَرعدت: إذَا تَزَيَّنَتْ. والزِّيُّ لا يُثنّى ولا يُجمع؛ لأنَّه كالمَصدرِ، وزعنفها مثله. وتَرَمْنَعَتْ وتَزَتَّتَتْ، وأنشد:
إنَّ فَتَاةَ الحَيَّ بِالتَّزَتُتِ
وقولُه تَعَالَى: ﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾.
قرأ حمزةُ، والكِسَائِيُّ بالضَمِّ في ستةِ مواضعٍ، أربعةٌ في مريم وفي الزّخرف وفي نوح.
وقرأ ابنُ كثيرٍ، وأَبُو عَمْروٍ بضم الّذي في نوح، وفتح الباقي. والباقون يفَتحون كلَّ ذَلِكَ.
واختلفَ النَّحويون في ذَلِكَ، فَقَالَ قومٌ: هما لُغَتَانَ الوُلْدُ والوَلَدُ مثل العُدْمُ والعَدَمُ والسُّقْمُ والسَّقَمُ. قَالَ الشَّاعرُ:
فَلَيْتَ فُلَانًا كان في بطن أمه وليت فلانا كان وُلْدَ حِمَارِ
وقال آخرون: الوَلَدُ واحدٌ، والوُلْدُ جمعٌ.
قولُه تَعَالَى: ﴿تَكَادُ السَّمَاواتُ﴾.
قرأ نافِعٌ والكِسَائيُّ: «يكاد» بالياءِ.
والباقون بالتَّاءِ لتأنيثِ السَّماواتِ. ومَنْ ذّكَّر فشبَّهه بجمعِ المُؤَنَثِ مِمَّن يَعقِلُ كقوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾.
وقولُه تَعَالَى: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافِعٌ والكِسَائيُّ بياءٍ وتاءٍ.
يتفطرن من تفطر تفَّطرًا فهو متفطِّرٌ.
وقرأ حمزةُ وابن عامرٍ في «كهيعص» مثلُ أبي عَمْروٍ، وفي ﴿عسق﴾ مثلُ ابنِ كثيرٍ.
وقرأ عاصمٌ في روايةِ أبي بكرٍ، وأَبُو عمروٍ «ينْفَطِرْنَ»، وهو الاختيار عندَ النَّحويين، لأنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿إذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ ولم يَقُل تَفَطَّرت،
[ ٢٥٥ ]
وقال: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾.
ومعنى انْفَطَرَ وتَفَطَّرَ واحدٌ، إلا أن الشَّاهدَ لَهُ في القرآن أكثر، وكأنه أولى بالاتباع.
«فأما ياءات هذه السورة»:
فقوله: «من ورائي وَكَانَتِ» وقد ذكرتُهُ، وقولُه: «إنَي أعوذُ بالرَّحْمَنِ»، «آتني الكِتَابَ».
«وإنَي أَخَافُ» فَفَتَحَهُنَّ ابنُ كَثيرٍ ونافعٌ وأَبُو عَمْروٍ.
وأسكَنهنَّ الباقون.
وأسكن ابنُ عامرٍ وعاصمٌ والكِسَائيُّ «إنّيَ أعوذُ» «وإنّيَ أَخَافُ» وقولُه:
«اجْعَلْ لِيْ آيَةً»، «ورَبِّيَ إنَّهُ» ففتحهما نافعٌ، وأبو عمرو، وأسكنهما الباقون.
وقوله: «آتاني الكتاب» أسكنها حمزة، وفتحها الباقون (^١).
_________________
(١) قال ابن الجزري في النشر ص/ ٣٣٣: «(فيها من ياءات الإضافة ست)، (من ورائي وكانت) فتحها ابن كثير (لي آية) فتحها المدنيان وأبو عمرو (إني أعوذ، إني أخاف) فتحهما المدنيان وابن كثير وأبو عمرو (آتاني الكتاب) أسكنها حمزة (ربي إنه كان) فتحها المدنيان وأبو عمرو وليس فيها من الزوائد شيء».
[ ٢٥٦ ]