قولُه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّه﴾.
قَرَأَ عاصمٌ وحمزُة وأبو عَمْرو: «أَنِ اعْبُدُوا اللَّه» بكسر النون.
وقرأ الباقون: «أَنُ اعْبُدُوا اللَّه» بالضَّمِّ، فمَن كَسَرَ فلالتقاء السَّاكنين، ومن ضمَّه اتبعَ الضمَّ، وَقَدْ ذكرتُ ذَلِكَ فيما سلف.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾.
قَرَأَ أهلُ الكوفةِ بالمَدِّ، وإسكان الياء.
وقرأ الباقون بالمَدِّ وفتحِ الياء، إلَّا ما حَدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاء، وخلف والهيثم، عنْ عُبَيْدٍ، عنْ شبل، عنْ ابْنُ كثير أَنَّهُ قَرَأَ: «فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاءِ» بالقصر، وَقَدْ ذكرت علته فيما تقدم.
وقوله تعالى: ﴿ماله وَوَلَدُهُ﴾.
قَرَأَ عاصمٌ ونافعٌ وابنُ عامرٍ «وَوَلَدُهُ» بالفتح.
وقرأ الباقون: «وَوَلْدُهُ» وهما لغتان الوَلَدُ، والوَلْدُ مثل العَدَمْ، والعَدْمُ.
وقال آخرون الوَلْد جمع ولد، وأنشد:
وقال آخرون الولد كان في بطن أمه:
وليت فلانا كان وَلْدَ حِمَارِ
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾.
قَرَأَ نافعٌ وحده بالضَمَّةِ.
وقرأ الباقون: «وَدًّا» بالفتح، فَقَالَ أهل اللغة: الوَد والوُد: اسم الصَنَمِ.
وقال آخرون: الوُدّ - بالضّمة -: المَحَبَّة والوَدُّ: الصَّنَم، ومن ذَلِكَ قولهم:
عَمْرٍو بن عبد ود، والسواع: صنم هاهنا، والسُّواع فِي غيرِ هَذَا السَّاعة من اللَّيل، والسوعاء أيضًا، وصُرِفَتْ سواعًا؛ لأنَّه عربي عَلَى وزن فُعال مثل غُراب، ولم تُصرف يَغوث، ويَعوق للياء الزَّائدة فِي أولها، وفي حرفِ ابنِ مَسْعُود «ولا يغوثًا ولا
[ ٤٦٢ ]
يعوقًا» بالتَّنوين والصرف. وكذلك قرأها الْأَعْمَش أَخْرَجَهُ مخرج النكرات وهي كلّها أصنامٌ، كانت العربُ في الجاهلية تعبدها من دون الله، نسرًا: صنمٌ أيضًا، قَالَ الْعَبَّاس بْن عَبْد المطلب يمدح النَّبيّ ﵇:
ثُمَّ هَبَطْتُ البلاد لا بشر أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد ألجم نَسْرًا وأَهْلَهُ الغَرَقُ
وقولُه تَعَالى: ﴿ممَّا خَطِيْئاتِهِمُ﴾.
وقرأ أَبُو عَمْرو وحده: «مِمَّا خَطَاياهُمُ».
وقرأ الباقون: «خطيئاتهم» فمن قَرَأَ بالتاء اتبع المصحف، وهو جمع قليلٌ بالألف والتاء.
فأمَّا قراءة أَبِي عَمْرٍو فإن ابن جاهد حَدَّثَنِي، عنْ ابْنُ عياش، عنْ ابْنُ أخي الأصمعي، عنْ عمّه، قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو: أن قومًا كفروا ألفَ سنةٍ كانت لهم خطيئات، لا بل خطايا، يذهب أبو عَمْرو إلى أن التاء والألف للجمع القليل، وهو جمعُ السَّلامة فِي المؤنَّث، وخطايا جمعُ التَّكسير، وهو الكثيرُ.
وقال أصحابُ القِراءة الأولى الألف والتاء تكون للقليل والكثير وإليه أذهب؛ لأن اللَّه تَعَالى قَالَ: ﴿ما نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله﴾. وليست كلمات اللَّه تَعَالى قليلةً، قَالَ الشَّاعِر:
إِذَا جَاْوَزْتُمَا سَعَفَات حَجْرٍ وأَوْدِيَةَ اليَمَامَةِ فَانْعِيَانِيْ
وليست سَعَفَاتُ حَجْرٍ قليلةً. فهذا واضحٌ بحمدِ اللَّه.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيِتَيِ مُؤْمِنًا﴾.
روى حَفْص، عنْ عاصم وهشام، عنْ ابْنُ عامر «بيتيَ مؤمنًا» بفتح الياء.
وأسكنها الباقون.
فأمَّا قولُه: ﴿رب اغفر لي ولوالدي﴾. فاتفق القُرَّاءُ السَّبعةُ عَلَى والديَّ عَلَى لفظ الاثنين، وإنّما ذكرته لأنَّ إِبْرَاهِيم النّخَعِيَّ رُوى عَنْهُ «وَلِوَلَدَيَّ ولِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ».
[ ٤٦٣ ]
فإن قيل: لم دعا لوالده وهو كافرٌ؟ .
ففي ذَلِكَ جوابان:
أحدهما: اغفر لَهُ إن آمنَ، كما قَالَ ﷺ: «عَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّيْنِ.
تَرِبَتْ يَدَاكَ»، معناه: إن لم تفعل.
والجوابُ الثَّاني: أنَّ الوَلَدَ يعبر به عن الجماعة، فالتقدير لولد المؤمنين لا الكافرين، ومن ولده أنبياء، وروى عنْ الْحُسَيْن أَنَّهُ قَرَأَ «وَلِوَلَدَيَّ».
[ ٤٦٤ ]