وقولُه تَعَالى: ﴿يَس﴾.
قرأ عاصمٌ بروايةِ أَبِي بَكْرِ والكِسَائِيُّ وابنُ عامرٍ وورشٌ: «يَس والقرءانِ الحَكِيْمِ» لا يثبتون النُّونَ عندَ الواوِ، لأنَّ النونَ والتَّنوين إنما يظهران عند حروِف الحَلْقِ.
والباقون يُظهرون «يس» و«نونٌ» فإنما أظهروا لأنَّ ياسين كلمةٌ منفردةٌ عمَّا بعدها، وكذلك حروفُ التَّهَجِّي ينوي بها السَّكتُ والانقطاعُ عمَّا بعده.
وكان حمزةُ يميلُ «يَس» غيرَ مُفرطٍ، والكِسائيُّ أشدُّ إمالةً مِنْهُ، وقد ذكرتُ ذَلِكَ فيما سَلَفَ من أنَّ حروفَ الهجاءِ تمال وتُفَخَّمُ وتُمَدُّ وتُقْصَرُ وتذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ.
حدثني ابن مجاهد عن السمري، عن الفراء، قَالَ: قَالَ الْحَسَن «يَس» معناه: يا رجلُ، وقال غيره: «يَس» يا مُحَمَّد وقال آخرون: «يَس» افتتاحُ السُّورَةِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿تَنْزيلَ العَزِيْزِ الرَّحِيْمِ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وابنُ عامرٍ وحفصٌ عنْ عاصمٍ: «تَنْزِيْلَ» بالنَّصب عَلَى المَصدرِ، كما قَالَ: ﴿صُنْعَ اللَّه الَّذِيْ أَتْقَنَ﴾ وقال الفَرَّاءُ: كما قَالَ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾.
وقرأَ الباقُون: «تَنْزِيلُ» بالرَّفعِ جَعَلُوهُ خبرَ ابتداءٍ مضمرٍ عَلَى تقدير: هَذَا تنزيلُ، وهو تنزيلُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيِديِهمْ سَدًّا ومِنْ خَلفِهِمْ سَدًّا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وحفصٌ، عنْ عاصمٍ «سَدًّا» و«سَدًّا» بالفَتحِ.
وقرأ الباقون بالضَمِّ، فَقَالَ قومٌ: هما لغتان:
وقال آخرون: ما كانَ من فعلِ بني آدم فهو السُّدُّ، وما وجد مخلوقا فهو السَّدُّ.
وقال أَبُو عَمْرٍو: ما كان من فعلِ اللَّه فهو السُّدُّ، بالضم، فما كان فِي العَين فهو من فعلِ اللَّه: فلذلك قرأها هنا: «مِنْ بَينِ أَيدِيْهِمْ سُدًّا» إلا أنَّ قومًا آذوا رَسُولَ اللَّه - ﷺ - وأرادوه ومكرُوا بِهِ فأغشى اللَّه أبصارهم. يقال: غشَّى وغَطَّى وخَتَمَ وطَبَعَ وسَتَرَ بمعنًى واحدٍ.
وقرأ الحَسَنُ وأبو رجاءٍ: «فَأعشَينَاهُمْ» بالعين يقال: عَشِيَتْ العَيْنُ: إذا عَمِشَتْ، وعَشِيَتْ، عَمِيَتْ، تَعْشَى عشيا بالألفِ، يقال: رَجُل أعشى وامرأةٌ عَشْواءُ، والجَميعُ
[ ٣٦٥ ]
عُشْوٌ مثل حُمرٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾.
قرأ عاصمٌ فِي روايةِ أَبِي بكرٍ: «فَعَزَزْنَا» مخففًا أي: فَغَلَبْنَا من قولِ العَرَبِ: «مَنْ عَزَّ بَزَّ» أي: من غَلَبَ سَلَبَ.
وقرأ الباقون: «فَعَزَّزْنَا» بالتَّشديدِ أي: قَوَّيْنَا.
وقولُه: «بِثَالِثٍ» أي: بثالثٍ كان قبل الاثنين، وهو فِي التِّلاوة كأنَّه بَعدهما.
والتَّقدير: فَعَزَّزْنَا بثالثٍ الَّذِي كان قبل الاثنين، والثالث هو: يوشع بن نون.
وحدَّثني ابنُ مُجاهدٍ، عنْ مُحَمَّد بْن هارون، عنْ الفَرَّاء، فِي قراءةِ ابنِ مَسْعُودٍ «فَعَزَّزْنَا بالثَّالثِ» بالألفِ واللَّامِ؛ لأنَّ النَّكرة إذا أعيد ذكرها أعيدت بالألف واللام.
وقوله تعالى: ﴿أإن ذُكِّرْتُمْ﴾.
قد ذكرتُ الاختلافَ فِي الهَمزتين فِي مواضعَ، وإنَّما أعدتُ ذكره لأنَّ المُفَضَّل روى عنْ عاصمٍ: «أيِنْ ذُكِّرْتُمُ» كقراءة ابنِ كثيرٍ بهمزة مقصورة بعدها ياءٌ مكسورة؛ ولأن أبا رَزين قرأَ: «أَيْنَ ذُكِّرْتُمْ» يريد: الآن؛ ولأنَّ ابْنُ حَوْشَب قرأ: «إنْ ذُكِّرْتُمْ» يريد:
لَئِنْ ذُكِّرْتُمْ: وقد استقصيت علل ذَلِكَ فِي كتابِ «الألفات».
وحدثني ابن مجاهد، عن محمد بن هارون، عنْ الفَرَّاءِ، قَالَ: قَرَأَ بعضُهُم: «قَالَ طَيْرُكُمْ مَعَكُمْ» أي: شِؤمكم. تَقُولُ العربُ: طائرٌ لا طَيْرُكَ وطائِرٌ لا طائِرُكَ. والطَّيْرُ:
جمعُ طائرِ.
ورَوى عنْ الْحَسَن، قَالَ: «طَيْرُكُمْ مَعَكُمْ» فالطيْرُ أيضًَا الذُّنُوب، كقوله: ﴿وكلُّ إنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. والطِّيَرَةُ فِي قولِ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - «لا عَدْوَى، وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ، ولا غُوْلَ، ولَا طِيَرَةَ» فإنّه - ﷺ - كان يتبرك بالفألِ وينهى عنْ الطِّيَرَةِ، والفألُ: أن يكونَ لَكَ عليلٌ وتسمع يا سالِمُ فتَبَرَّكُ بِهِ، والطِّيَرَةُ: أن يخرجَ الرَّجُلُ من منزلِه فَيرى رجلًا أعورَ فيرجعُ إلى منزله تَطَيُّرًا، فيقال: طارَ يَطِيْرَ طيرًا وطيرانًا وطَيْرُوْرَةً ومَطَارًا وطِيَرَةً، وطارَ الرَّجُلُ فِي حاجَتِهِ: إذَا أسرعَ، وفلان لا يطيرُ غُرابه، وهو ساكنُ الطَّيْرِ: إذا كان ذَا وقارٍ وسَمْتٍ سِكِّيْتًا، وفلانٌ ما يطور بنا أي: لا يقر بنا. وما فِي الدَّارِ طُوْرِىُّ، ولا طُوَارِىٌّ أي: أحد.
[ ٣٦٦ ]
وفلانٌ قد عَدَا طَوْرَهُ: إذا تَعَدَّى وجاوز مِقْدَارَه.
قولُه تَعَالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيِديهِمْ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ إلَّا حَفْصًا: «عَمِلَتْ أَيِديِهمْ» بغير هاءٍ اتَّباعًا لمصحفهم.
والباقون «عَمِلَتْهُ» بالهاء اتباعًا لمصاحفهم، والهاء تعود عَلَى «ما» وعملت صلتها، ومَن حَذَفهُ اختصارًا؛ لأنَّه مفعولٌ، وكلُّ مفعولٍ يجوزُ حذفه اختصارًا كقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ يريد: وما قَلَاكَ، ولا سيَّما إذا كان فِي اسمٍ يحتاج إلى صلة فتُحذف الهاءُ لما طال الاسمُ بالصّلة كقولِهِ: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلّمَ اللهُ﴾ يريدُ كَلَّمَهُ اللهُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَالقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنَازِلَ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ وابنُ عامرٍ: «والقَمَرَ» نصبًا بإضمار فعلٍ يُفسره ما بعده أي:
قدَّرنا القَمَرَ قدَّرناه.
والباقون يَرفعون: «والقَمَرُ» فمن رَفَعَ جَعَلَهُ ابتداء و«قَدَّرْناهُ» خَبَرَهُ، والهاءُ مفعولٌ. قَالَ الشَّاعِرُ:
والذِّئْبَ أَخْشَاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ وَحْدِيْ وَأَخْشَى الرِّيَاحَ وَالمَطَرَا
ومثَّل «القَمَرَ» حين يهل ثُمَّ يَعظُم ويَستديرُ ثُمَّ يَنْقُصُ ويَدقُّ بالعُرجون وهو اليابسُ من الشَّماريخ.
وقال الفَرَّاء: العُرْجُوُنُ: ما بين الشَّماريخ إلى النَّابت فِي النَّخلة والقَدِيْمُ هاهنا الَّذِي قد أَتى عَلَيْهِ سَنَةٌ، وأمَّا قولُ الشَّاعِرِ:
لوْ يَدِبُّ الحَوْلِيُّ مِنْ وَلَدِ الذَّ رِّ عَلَيْهَا لأنْدَبَتْهَاْ الكُلُوْمُ
فإنَّ ثعلبًا، قَالَ: الحولي هاهنا: ما أتى عَلَيْهِ يومٌ واحدٌ؛ لأنَّ الذَرَّ لا يعيش سنةً، والعربُ تشبِّه انتقاص المرءِ بعد كبَرِه بزيادة القمرِ ونقصانِهِ. وكذلك إذا ولد؛ لأنَّ القمرَ يهلُّ صغيرًا ثُمَّ يعظم ثُمَّ ينقص، كذلك يكون الرَّجُلُ طفلًا، ثُمَّ شرخًا، ثُمَّ يستوي شبابه، ثُمَّ يشيخ، ثُمَّ يَنْقُصُ، قَالَ الشاعرُ:
مَهْمَا يَكُنْ رَيْبُ المُنْوْنِ فإنَّني أرى قَمَرَ الدُّنيا المُعَذَّبَ كالفَتَى
يَهِلُّ صغيرًا ثُمَّ يعظُمُ ضَوْؤْهُ وصُوْرَتُهُ حتّى إذا ما هُوَ انْتَهَى
يُقارِبُ يَخْبُو ضَوْؤُهُ وَشَعَاعُهُ ويَمْصَحُ حتَّى يَسْتَسِرَّ فَلَا يُرَى
[ ٣٦٧ ]
كَذِلِكَ زَيْدُ المَرْءِ ثُمَّ انتِقَاصُهُ وتِكْرَارُهُ فِي أَمْرِهِ بعد ما انْقَضَى
قَالَ اللَّه تَعَالى وهو أصدقُ قيلًا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُوْنَ﴾.
قرأ حَمزةُ وحدَه: «يَخْصِمُوْنَ» مخفَّفًا مثل يَضْرِبُوْنَ.
وقرأ ابنُ كَثيرٍ: «يَخَصِّمُوْنَ» بفتحِ الياءِ والخاءِ وتَشدِيْدِ الصَّاد.
وقرأ نافعٌ وأبو عمرٍو كذلك، غير أن أبا عمرٍو يختلس الحركة، ونافعٌ يسكّن الخاءَ، واختلف عنْ عاصمٍ فروى عَنْهُ: «يَخِصِّمُوْنَ» بفتح الياء وكسر الخاء، وَرُوِيَ عَنْهُ بكسرِهما، وقد ذَكرتُ علل ذَلِكَ عند ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّيْ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿فِيْ شُغُلٍ فَاكِهُوْنَ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ وابنُ عامرٍ: «شُغُلٍ» بضمتين مثل الرُّعُبِ، والسُّحُتِ.
وقرأ الباقون: «شُغْلٍ» ساكنًا، فيكونان لغتين ويجوزُ أن يكونَ الشُّغْلُ مخففا من شُغُلٍ، وَيُقَال: المشغل والشُّغُلُ بمعنى الشُّغْل، ويُنْشَدُ:
مَا كَانَ حَبْسِي عَنْكَ إلَّا شُغْلًا
وقال المُفَسِّرُوْنَ: فِي قولِه تَعَالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ قيلَ:
افِتضَاضُ الأَبكار، وقيل: استماع الأَلحان، ﴿فَاكِهُونَ﴾، أي: قد كَثُرَ ذَلِكَ عندهم، وأنشد:
أَغرَزْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنْ نَكَ لابِنٌ فِي الصَّيْفِ تَامِرْ
أي: كثيرُ اللَّبَنِ وكثيرُ التَّمْرِ.
حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ أخو المَحَامِلِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْدِ اللَّه مَوْلَى بني هاشم، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَان الحِمْيَرِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ أبا هريرةَ يقرأ «إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُوْنَ» بفتحتين.
وقولُه تَعَالى: ﴿فِي ظِلَالٍ﴾.
قرأ حمزة والكسائي «ظلل» جمع ظل، والظِّلُّ ما نسخته الشَّمسُ، وهو ما كان من أول النهار، الفيء: ما كان بعدَ الزَّوالِ؛ لأنَّه ظَلٌّ فاء من جانبٍ إلى جانبٍ، أَنْشَدَنِيْ ابنُ عَرَفَةَ:
[ ٣٦٨ ]
فَلَا الظِّلَّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ وَلَاْ الفيء مِنْ بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ
والظِّلُّ: السِتْرُ: يُقال: أَنَا فِي ظِلِّكَ أي: فِي سِتْرِكَ، وكذلك ظلِّ الجنة، وظلّ الشجرة، وَيُقَال فِي الدُّعاء: «اللهم ظَلِّلْنَا يوم لا ظلَّ إلا ظِلُّكَ» فظِلُّ اللِّيْلِ سوادُهُ، لأنَّه يَستُرُ كلَّ شيءٍ. والعربُ تَقُولُ: فلانٌ خفيفٌ الظِلِّ، أي: خَفيفُ الرُّوحِ مقبولٌ كَيِّسٌ، وتقولُ العربُ فِي شدَّةِ قِصَرِ اللَّيلِ واليَوْمِ: هُوَ «أقصر من ظِلِّ التَلَحَ» «وسالفة الذُّباب» والتَّلَحُ؛ لا ظلَّ لَهُ. وسالفه العُنُق: صفحتاه، والسَّالفةُ لا تكونُ للذُّباب، و«هُوَ أقصرُ من إبْهَامِ القَطَاةِ»؛ لأنَّ القَطاةَ لا إبهام لها، ويُنْشَدُ:
وَيَوْمٍ كإبْهَامِ القَطَاةِ مُزَيَّنٌ إِلَيَّ صَبَاه غالبٌ لِيَ بَاطِلُهْ
وقولُه تَعَالى: ﴿وأَنِ اعْبُدُوْنِيْ﴾.
قرأ حمزةُ وعاصمٌ وأبو عَمْرٍو بكسر النُّون لالتقاء الساكنين.
وقرأ الباقون بالضَمِّ، وإنَّما ضَمُّوا كَراهِيَةَ أن يَخرجوا من كسرٍ إلى ضمٍّ، ولم يَختلف القُراء فِي إثبات الياءِ فِي: «وَأَنُ اعْبُدُونِي هَذَا» وصلَا ووقفًا؛ لأنَّه ثابتٌ فِي المُصحف. والصِّراطُ المستقيم: هُوَ الدِّين المُستقيم، والطَّريقُ الواضحُ والمِنهاجُ البَيِّنُ.
قَالَ الشَّاعُر - هُوَ جريرٌ -:
أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنِ عَلَى صِرَاطٍ إِذَا اعْوَجَّ المَوَارِدُ مُسْتَقِيْمِ
وسُئِلَ ابنُ مسعودٍ عنْ الصِّراطِ المُستَقْيمِ، فَقَالَ: يا ابْنُ آخي أُدن مِنّى، تركنا رَسُول اللَّه - ﷺ - وأدناه، وطرفُهُ فِي الجَنَّة، وعن يمَينه جَوَادٌّ، وعن يساره جَوَادٌ عليها رجالٌ يدعون مَنْ مَرَّ بِهِمْ: هَلُمَّ إلى الطريق، فمَن أَخَذَ معهم وردوا بِهِ النَّارَ، ومن لَزِمَ الطَّرِيْقَ الأعظمَ والمِنهاج الوَاضِحَ وردَ بِهِ الجَنَّةَ، هُوَ كتابُ اللهِ.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: اليمينُ والشّمالُ مضلّة، والطَّريق عليها منهجُ كتاب اللَّه، ومنها منفذ السُّنة وإليها مَصيرُ العاقبة. هَذَا اختيارُ المُبَرِّدُ فيما أجاز لي أَبُو العباس بن رَزِيْن الكاتِبَ عَنْهُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيْرًا﴾.
قرأ أَبُو عَمْرٍو وابنُ عامرٍ: «جُبْلًا» بضم الجيم وإسكان الباء، قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
مَنَايًا يُقَرِّبْنَ الحُتُوْفَ لِأَهْلِهَا جِهَارًا وَيَسْتَمْتِعْنَ بِالأَنِسِ الجَبِلِ
وقرأ ابنُ كَثْيرٍ وحمزةُ والكِسَائِيُّ بِضَمِّ الباءِ والجِيْمِ مُخفَّفًا.
[ ٣٦٩ ]
وقرا عاصمٌ ونافعٌ: «جِبِلًّا» بكسرِ الجيمِ، والباءِ، واللَّامُ مشددةٌ كقولِهِ: ﴿وَالجِبِلَّة الَأوَّلِيْنَ﴾ أي: كخلقهم وطبعهم.
وقرأ عِيسَى بْن عُمر «جُبُلًّا» بضمتين، وتَشْدِيدَين ومعناها كلها واحدٌ، والجِبِلُّ الخلقُ والخليقةُ، تَقُولُ العربُ: قد عرفتُ نَجْرَ فُلانٍ ونِجَارَهُ ونِحَاسَهُ، ونُحاسه، ونَجِيْحهُ، وعَرِيْكَتَهُ، وحريكته، وسَلِيْقَتَهُ، وتَوزه، وتوسه، ونفسه، ونقيلته، وطانه، وطابه، وحُبْلَتَهُ، وجُبْلَتَهُ، وجُبْلَتَه، وخُبُلَتَه، وحُلَّه بمعنًى واحدٌ.
وقوله تعالى: ﴿ومن نعمره ننكسه﴾.
قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر: «نُنَكِّسْهُ» مشددًا.
وقرأ الباقون: «نُنْكِسْهُ» مخففًا مثل نقتله، فَقَالَ قوم: هما لُغتان نكست، ونكَّست مثل رَدَدْتُ، وَرَدَّدْتُ. غير أنَّ رَدَّدْتُ مرةً بعدَ مرةٍ للتكثيرِ، وَرَدَدْتُ، مرةً واحدةً والمصدرُ من المخفف الرد، ومن المشدد والتَّرْدَادُ والرِّدِّيْدَي مثل الخِلِّيْفَى من الخِلَافَةِ، والظِّلَّيْلَي من الظَّلَالَةِ، قَالَ عُمرُ بْن الخطَّابُِ: «لَوْلَا الخِلِّيْفَى لأحبَبْتُ أَنْ أُؤَذِّنَ»، وقال أَبُو عَمْرو بْن العلاءَ: نَكَّسْتُ بالتَّشديد: أن ينكس الرجل من دابته، وننكسه: نَرُدَّهُ إلى أرذل العُمر: ففرَّق أَبُو عَمرو بينهما. وَيُقَال: نَكَسَ الرَّجُلُ فِي مرضه أي: أَثاب إلى العلَّة، وعادَ إليها، وهو النُّكس. قَالَ الشَّاعِر:
كَذَى الضَّنَا عَادَ إِلَى نُكْسِهِ
وأنْكَسَ مثل نَكَسَ، وقولُه تَعَالى: ﴿واللهُ أَرْكَسَهْمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: ردَّهم.
والنّكس: المعادُ المُرَدَّدُ. ونهى رَسُولُ اللَّه - ﷺ - عنْ الاستجْمَار بالرَّوْثِ لأنَّه نكس أي: رَجِيْعٌ.
وقولُه تَعَالى: أَفَلَاْ ﴿تَعْقِلُوْنَ﴾.
قرأ نافعٌ بالتاءِ عَلَى الخطابِ.
وقرأ الباقون بالياءِ عَلَى الغَيْبَةِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿أنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَتَهُمْ﴾.
قرأ نافعٌ وابن عامر: «ذرياتهم» على الجمع إذ كان فِي المُصحف مكتوبًا بالألف.
وقرأ الباقون بالتوحيد: «ذريتهم» وكذلك فِي مَصاحفهم، وإنما كُسرت التاءُ فِي
[ ٣٧٠ ]
جمع؛ لأنَّها غيرُ أصليَّةٍ، وذريته تكفى من الذّريات كما قَالَ: ﴿ذُرِّيَةً بعضُهَا مِنْ بَعضِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لمسخناهم على مكانتهم﴾.
قرأ عاصم فِي روايةِ أَبِي بَكْرٍ: «مَكَانَاتِهِمْ» جماعًا.
وقرأ الباقون: «مَكَانَتِهِمْ» بالتَّوحيد. وقد ذكرت علّته فِي هود وإنما أعدتُ لأنَّ محمدًا حَدَّثَنِي عنْ ثَعلب عنْ سَلَمَةَ عنْ الفَرَّاءِ قَالَ: تَقُولُ العَرَبُ: مَسَخَهُ اللَّه قردًا، ونَسَخهُ قردًا بمعنى، وهذا الحرفُ نادِرٌ. فالمَسخُ بالفتح المَصدر، والمِسخ بالكسر الاسمُ مثل الذَّبح مصدر ذَبَحْتُ ذَبْحًا، والذِّبْحُ المَذْبُوْحُ، قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيْمٍ﴾ فأمَّا كلامٌ بَلغٌ، وبِلغٌ فمعناها واحدٌ، وهو البَلِيْغُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حيًّا﴾.
قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ: «لِتُنْذِرَ» بالتَّاء عَلَى الخطاب أي: لتنذر يا مُحَمَّد من كان حيًّا. أي حيَّ القلبِ حيَّ السمعِ.
وقرأ الباقون: «ليُنْذِرَ» بالياء أي: ليُنذر القرآن، وذلك أن اللَّه ﷿ أنزل القرآن بشيرًا، ونذيرًا. فالنذير النَّبيّ، والنَّذير القرآن، والبَشيرُ القرآن، والبَشيرُ النَّبِيِّ وأمَّا قولُه: (كَيْفَ كان نَذِيْرٌ) فمصدرٌ، ومعناه: فكيف كان إنذاري، وأمَّا قوله: ﴿وجاءكم النذير﴾ فقيل: النَّبيُّ - ﷺ -، وقيل: النَّذِيْرُ الشّيْبُ، وكان رَسُول اللَّه - ﷺ - جُلَّ ضحكه التَّبَسُّمُ. فلمَّا رَأَى الشَّيب ما تَبَسَّمَ حَتَّى تَوفَّاهُ اللَّه ﷿، هَذَا قول، واحتَجُّوا بأنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - قَالَ: «شَيْبَتْنِيْ هُوْدُ وأَخَوَاتُها».
فأمَّا ابنُ عَرَفَةَ فحدَّثنا، عنْ مُحَمَّد بن عبد الملك، عن يزيد بن هارون، عنْ حُميد، قَالَ: سُئل أنس: هَلْ خَضَبَ رسول الله - ﷺ -، فقال: ما شانه الشَّيبُ، فقيل: أَوَشَيْنٌ هُوَ يا أبا حَمزة؟ قَالَ: كُلُّكُمْ يَكْرَهُهُ.
والصَّحِيْحُ: أن رَسُولَ اللَّه بعث وهو ابْنُ أربعينَ، وبقى بمكة ثلاثَ عَشْرَةَ سنة، ثُمَّ هاجرَ إلى المدينة، وبقى بها عشر سنين فتوفي النَّبيّ - ﷺ - وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنةً، وليس فِي رأسه، ولحيته إلا شعرات بيض نحو بضع عشرة، ويُقال:
أول مَنْ شابَ خليلُ الرَّحْمَن ﵇، فأَوحى اللَّه إِلَيْه أشقل وقارًا بالسّريانية
[ ٣٧١ ]
تفسيره: خُذْ وقارًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿كُنْ فَيَكُوْنُ﴾.
قرأ الكِسَائِيُّ وابنُ عامرٍ: «فيكونَ» نصبًا نسقًا» الفاء عَلَى أن يَقُوْلَ لَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُوْنَ﴾.
والباقون يَرفعون عَلَى: فهو يكونُ، وكُنْ، فكانَ لأنَّه لا يَصلُحُ أن يجعله جوابًا باللَّامِ.
[ ٣٧٢ ]