فصارا حرفا واحدا، لا يحسن السكوت على
أحدهما دون الآخر والحرفين اللذين يحسن الوقف
على أحدهما دون الآخر
قال أبو بكر: اعلم أن «إنما» تنقسم على قسمين. إذا لم يحسن في موضع «ما» «الذي» فهي مع «إن» حرف واحد، لا يحسن السكوت على «إن» دونها كقوله: ﴿قالوا إنما نحن مصلحون﴾ [البقرة: ١١] لا يحسن السكوت على «إن» لأنك لا تقول: «إن الذي نحن مصلحون».
[ ١ / ٣١٢ ]
وكذلك قوله: ﴿إنما يريد الله ليعذبهم بها﴾ [التوبة: ٨٥] لا يجوز الوقف على «إن» لأنك لا تقول: «إن» الذي يريد الله ليعذبهم. وقوله: ﴿إن ما توعدون لات﴾ [الأنعام: ١٣٤] يجوز للمضطر أن يقف على «إن» لأن المعنى: «إن الذي توعدون لآت». وكل ما في كتاب الله تعالى من ذكر «إنما» فهو في المصحف حرف واحد إلا هذا الحرف الذي في الأنعام: (إن ما توعدون لآت). وقوله تعالى: ﴿وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم﴾ [العنكبوت: ٢٥] فيها ثلاثة أوجه: (مودة بينكم) بالنصب والإضافة. و(مودة بينكم) بالرفع والإضافة. و(مودة بينكم) بتنوين المودة ونصب «بين». فمن رفع «المودة» كان الأبين أن يجعل (إنما) حرفين، على معنى: «إن الذي اتخذتم من دون الله مودة»
[ ١ / ٣١٣ ]
«ما» اسم «إن» و«المودة» خبر «إن» و«الأوثان» بـ (اتخذتم). و«من» المنصوب الثاني. ويجوز أن ترفع «المودة» بالمحل وهو قوله تعالى: (في الحياة الدنيا) لأنه قال: «تواصلكم في الدنيا فإاذ صرتم إلى الآخرة زال».
«إنما» على هذا المذهب حرف واحد، ويجوز أن ترفع المودة، بإضمار «ذلك مودة بينكم» و«هذه مودة بينكم» كما قال: ﴿بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ [الأحقاف: ٣٥] فرفع «البلاغ» بإضمار «ذلك بلاغ، وهو بلاغ». ويجوز في العربية «بلاغًا» بالنصب، و«بلاغ» بالخفض. نصبه رده على قوله: (لم يلبثوا إلا ساعة بلاغا). من خفض رده على قوله: (من نهار بلاغ). ولا يجوز لأحد أن يقرأ بهذين الوجهين لأنهما لا إمام لهما. وأنشد الفراء في الإضمار:
[ ١ / ٣١٤ ]
فبعثت جاريتي فقلت لها اذهبي قولي محبك هائما مخبولا
أراد «قولي هذا محبك» فأضمر «هذا». ومثله قول سيدي ومولاي وهو أصدق قيلا: ﴿براءة من الله﴾ [التوبة: ١] رفع «البراءة» بإضمار «هذه براءة» و«إنما» على هذا المذهب حرف واحد، لا يجوز فيه الوقف على «إن».
ومن قرأ (مودة بينكم) بالنصب أوقع عليها (اتخذتم) و«إنما» حرف واحد. ومن قرأ (مودة بينكم) نصب المودة بـ (اتخذتم) ونصب «بينا» على المحل.
وقوله تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا﴾ [النور: ٥١] فيها أربعة أوجه: أحدهن أن تجعل «إنما» حرفين، كأنك
[ ١ / ٣١٥ ]
قلت: «إن الذي كان قول المؤمنين» فـ «ما» اسم «إن» وخبرها «أن يقولوا» واسم «كان» فيها مضمر كناية عن «ما» و«القول» خبر كان. والوجه الثاني أن تجعل «إنما» حرفًا واحدًا، فتجعل «أن يقولوا» اسم الكون، و«القول» خبر الكون. والوجه الثالث أن ترفع «القول» فتقول: «إنما كان قول المؤمنين» فيكون «القول» اسم «كان» و«أن يقولوا» خبر «كان» و«إنما» حرف واحد. والوجه الرابع أن تجعل «إنما» حرفين. وترفع «القول»، كأنك قلت: «إن الذي كان قول المؤمنين» فـ «ما» اسم «إن» و«أن يقولوا» خبر «إن» و«القول» اسم الكون، وخبر الكون مضمر، كأنك قلت: «إن الذي كان قول المؤمنين» أي: كان إياه. فالهاء المضمرة خبر «كان». قال الفراء: العرب تقول: كنتك
[ ١ / ٣١٦ ]
وكنتني فيشبونه بـ «ضربتك وضربتني» وأنشد الفراء:
كأن لم يكنها الحي إذ أنت مرة بها ميت الأهواء مجتمع الشمل
فجعل «يكنها» بمنزلة «يضربها». وأنشد الفراء أيضًا:
تنفك تسمع ما حييت بهالك حتى تكونه
وقال أبو الأسود الدؤلي:
فإلا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها
ويجوز أن ترفع القول بـ «كان» وتجعل «ما» مع «كان» مصدرًا لا يحتاج إلى خبر كقولك في الكلام: «أعجبني كون الشيء» أي: وقوعه وحدوثه. وقوله تعالى: ﴿إنما يريد الله
[ ١ / ٣١٧ ]
أن يعذبهم بها في الدنيا﴾ [التوبة: ٨٥] في «إنما» وجهان: إن شئت جعلت «إنما» حرفًا واحدًا، وجعلت (أن يعذبهم) في موضع نصب بـ «الإرادة» كأنك قلت: «إنما يريد الله هذا الشيء» والوجه الآخر أن تجعل «إنما» حرفين، فتكون «ما» اسم «إن» وخبر «إن» «أن يعذبهم» كأنه قال: «إن الذي يريده الله عذابهم».
وقوله تعالى: ﴿إنما صنعوا كيد ساحر﴾ [طه: ٦٩] فيها ثلاثة أوجه: أحدهن أن تجعل «إنما» حرفين، وتكون «ما» بمعنى الذي، كأنك قلت: «إن الذي صنعوه كيد ساحر» فتكون «ما» اسم «إن» و«الكيد» خبر «إن»، والهاء المضمرة في «صنعوا» تعود على «ما». والوجه الثاني أن تجعل «ما» بتأويل المصدر، كأنك قلت: «إن صنيعهم كيد ساحر» فعلى هذا المذهب لا يحتاج إلى ضميرها
[ ١ / ٣١٨ ]
لأن «ما» إذا كانت مصدرًا لم تحتج إلى عائد، قال الله تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ [الحجر: ٩٤] معناه: فاصدع بأمري. «فما» لا عائد لها لأنها مصدر. وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾ [الليل: ٢] فمعناه وخلقه الذكر والأنثى، «فما» لا عائد لها لأنها مصدر والوجه الثاني: «إنما صنعوا كيد ساحر» تنصب «الكيد» بـ (صنعوا) و«إنما» حرف واحد ولا أعلم له إماما.
وقوله: ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم﴾ [آل عمران: ١٧٨] يجوز للمضطر أن يقف على «أن» وذلك أنهما حرفان، كأنه قال: «أن الذي نملي لهم خير» وقوله: ﴿أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين. نسارع لهم في الخيرات﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦] (أنما) حرفان معناه: أن
[ ١ / ٣١٩ ]
الذي نمدهم به من مال فـ «ما» اسم أن وخبر أن ما عاد من ذكر الخيرات في قول هشام بن معاوية أبي عبد الله الضرير كأنه قال: «نسارع لهم فيها» فأظهر الهاء. فقال: «في الخيرات» كما تقول: «أبو سعيد رويت عن الخدري، تزيد: رويت عنه» فأظهرت الهاء، فقلت: «عن الخدري». وكذلك: «علي لقيت الكسائي، تريد: لقيته» فأظهرت الهاء. قال الشاعر:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
أراد: لا أرى الموت يسبقه شيء، فأظهر الهاء.
وأنشد الفراء:
[ ١ / ٣٢٠ ]
متى تأت زيدًا قاعدًا عند حوضه لتهدم ظلمًا حوض زيد نقارع
أراد: حوضه. فأظهر الهاء.
وروي عن الفراء أنه قال خبر (أن) موضع (نسارع).
وقوله تعالى: ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾ [آل عمران: ١٧٨] لا يجوز الوقف على إن لأنه لا يحسن أن تقول: «إن الذي نملي لهم». وقوله: ﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾ [البقرة: ١٧٣] لا يجوز الوقف على «إن» لأن (الميتة) منصوبة بـ (حرم) فـ (إنما) حرف [واحد]. ويجوز في العربية: إنما حرم عليكم الميتة، على معنى: إن الذي حرم عليكم الميتة، ولا يجوز لأحد أن يقرأ بهذا لأنه لا إمام له. ومثل هذا في الكلام قولك: إنما أ: لت طعامك، وإنما شربت ماؤك.
[ ١ / ٣٢١ ]
على معنى: إن الذي أكلته طعامك، وإن الذي شربته ماؤك.
قال الشاعر:
ذرني إنما خطأي وصوبي علي وإن ما أنفقت مال
أراد: وإن الذي أنفقته مال.
وروى خلف بن هشام عن الكسائي أنه قال في قوله: ﴿أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين﴾ «أنما» كلمة واحدة، كأنه قال: أيحسبون أنما نفعل كذا وكذا، ثم أخبر عنهم فقال: ﴿نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون﴾.
وقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ [الأنفال: ٤١]
أنما حرفان والمعنى: أن الذي غنمتم من شيء ومعنى (ما) الجزاء والفاء في قوله تعالى: ﴿فأن لله خمسه﴾ جواب الجزاء
[ ١ / ٣٢٢ ]
وخبر «أن» ما عاد من الهاء المتصلة بـ «الخمس». وروى خلف عن الكسائي أنه قال: «أنما غنمتم» حرف واحد من قبل كل شيء.
وقوله: ﴿فلما عتوا عن ما نهوا عنه﴾ [الأعراف: ١٦٦]
(عن ما) حرفان لأن المعنى: «عن الذي نهوا عنه». ولم يقطع في كتاب الله تعالى غيره. وقوله: ﴿عما قليل ليصبحن نادمين﴾ [المؤمنون: ٤٠] «عما» حرف لأن معناه «عن قليل» و«ما» توكيد للكلام.
وقوله: ﴿في ما ههنا آمنين﴾ [الشعراء: ١٤٦] (في ما) حرفان لأن معناه: «في الذي ههنا». وقوله: ﴿ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه﴾ [الأحقاف: ٢٦] ههنا ثلاثة
[ ١ / ٣٢٣ ]
أحرف «في» حرف، و«ما» و«أن» حرف.
واختلفوا في معنى «إن». فقال المفسرون والنحويون: معنى «إن» الجحد كأنه قال: «في الذي لم نمكنكم فيه». وقال خلف بن هشام: معنى «إن» قد، كأنه قال: «في الذي قد مكناكم فيه» كما قال في موضع آخر: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ [الأعلى: ٩] معناه: «فذكر قد نفعت الذكرى» وهو في المصحف حرفان.
وقوله: ﴿من ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٢٥] (من ما) حرفان لأن المعنى: «من الذي ملكت أيمانكم».
وقوله: ﴿ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين﴾ [النحل: ٢٤] (ماذا) حرفان لأن المعنى: «ما الذي أنزل ربكم قالوا هو أساطير الأولين». وقوله: ﴿ماذا أنزل ربكم قالوا خير﴾
[ ١ / ٣٢٤ ]
[النحل: ٣٠] (ماذا) حرف واحد لأن المعنى «ما أنزل ربكم»، الدليل على هذا أن الرجل إذا قال للرجل: ماذا قلت لفلان؟ فقال: كلامًا حسنا، بالنصب. فـ «ماذا» حرف. وإذا قال: كلام حسن، بالرفع فـ «ماذا» حرفان، ويجوز أن تجعل «ماذا» حرفًا واحدًا في قوله: (ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين) على معنى: ما أنزل. فتنصبه بـ «أنزل» وترفع «الأساطير» بإضمار «هي أساطير الأولين» ويجوز أن تجعل «ماذا» حرفين في قوله: (ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) فترفع «ما» بـ «ذا» و«ذا» بـ «ما»، وتنصب الخبر بإضمار «قالوا أنزل خير»، قال الشاعر:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول أنحب فيقضي أم ضلال وباطل
لك في البيت أن تجعل «ماذا» حرفًا واحدًا فتنصبهما بـ «يحاول»، ولك أن تجعل «ماذا» حرفين، فترفع «ما»
[ ١ / ٣٢٥ ]
بـ «ذا» و«ذا» بـ «ما». وقوله: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قال أحل لكم الطيبات﴾ [المائدة: ٤] لك أن تجعل ماذا حرفًا واحدًا فترفعه بما عاد من «أحل»، ولك أن تجعله حرفين فترفع «ما» بـ «ذا» و«ذا» بـ «ما». وقوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ [البقرة: ٢١٩] كان أبو جعفر وشيبة ونافع وابن كثير وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي يقرؤون: (قل العفو) بالنصب. وكان الحسن وقتادة وأبو عمرو يقرؤونها: (قل العفو) بالرفع.
فمن قرأ (قل العفو) بالنصب كان له مذهبان: أحدهما أن يقول: جعلت «ماذا» حرفًا واحدًا، فنصبته
[ ١ / ٣٢٦ ]
بـ «ينفقون»، ونصبت «العفو» بإضمار: قل ينفقون العفو. والوجه الآخر أن يقول: جعلت «ماذا» حرفين، ورفعت «ما» بـ «ذا» و«ذا» بـ «ما» ونصبت العفو بإضمار «ينفقون العفو». والوجه المختار في نصب العفو أن تجعل ماذا حرفًا واحدًا، ويجوز لمن نصب العفو أن يجعل ماذا حرفًا واحدًا فترفع ماذا بهاء مضمرة مع ينفقون كأنه قال: «ماذا ينفقونه» كما تقول في الكلام: ما أكلت والتمر، وما شربت واللبن. يريد ما أكلته والتمر، وما شربته واللبن، ومن رفع «العفو» أراد: «قل هو العفو». وله في «ماذا» الأوجه التي ذكرناها في نصب العفو. قال الشاعر حجة لأن «ماذا» حرف واحد:
[ ١ / ٣٢٧ ]
ذري ماذا علمت سأتقيه ولكن بالمغيب نبئيني
قال أبو بكر أراد «ذري ما علمت» فجعل «ماذا» حرفًا واحدًا، هذا قول الأخفش. والذي أذهب إليه في هذا البيت أن تكون «ما» صلة و«ذا» بمعنى «الذي»، كأنه قال: ذري الذي علمت، وأنشد الفراء في هذا:
يا خزر تغلب ماذا بال نسوتكم لا يستفقن إلى الديرين تحتانا
أراد: «ما بال نسوتكم».
فإن قال قائل: لم جعل «ما» مع «ذا» حرفًا واحدًا؟
[ ١ / ٣٢٨ ]
فقل: لأن ما عامة وذا عامة. وذلك أن ما تقع على كل الأشياء، و«ذا» تقع على كل الأشياء، فلما اتفقا من جهة العموم ضم أحدهما إلى الآخر. سمعت أبا العباس يحكي هذه الحجة عن أصحابه.
وقوله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ [الحديد: ١١] موضع من رفع بذا وذا بمن. ولا يجوز أن يكون «ذا» مع «من» حرفًا واحدًا، لأن «من» خاصة للناس و«ذا» عام لكل الأشياء، فلا يجوز أن يضم العام إلى الخاص.
وقوله: ﴿إنما توعدون لواقع﴾ [المرسلات: ٧] و﴿إنما توعدون لصادق﴾ [الذاريات: ٥] (إنما) حرفان ولا يجوز أن يكون حرفًا واحدًا.
وقوله: ﴿فإما تثقفتهم في الحرب فشرد بهم﴾ [الأنفال: ٥٧]،
[ ١ / ٣٢٩ ]
﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم﴾ [الأنفال: ٥٨] ﴿فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون﴾ [الزخرف: ٤١] قال خلف: سمعت الكسائي يقول في موضع: «فإن تثقفتهم، وإن تخافن من قوم خيانة، فإن نذهبن بك» قال: فإن شئت قطعت، وإن شئت وصلت. ووصله أحب إلى الكسائي. ولم يقطع منها في المصحف إلا حرف في آخر سورة الرعد: ﴿وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك﴾ [٤٠] وقال أبو جعفر محمد بن سعدان: ولا يصلح الوقف على إن دون ما لأن ما صلة لـ «إن» فهما كالحرف الواحد. وقول ابن سعدان هو الذي أذهب إليه لأن إما حرف واحد بمنزلة «ربما وكلما».
واعلم أن «ما» إذا كانت توكيدًا للكلام لم يحسن الوقف
[ ١ / ٣٣٠ ]
على ما قبلها. و«ما» في التوكيد هي التي يسميها العوام صلة، ولا أستحب أن أقول في القرآن صلة لأنه ليس في القرآن حرف إلا له معنى. فمن ذلك قوله: ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا﴾ [نوح: ٢٥] الوقف على «من» قبيح لأن «ما» توكيد معناه: من خطاياهم. وكذلك: ﴿أيما الأجلين قضيت﴾ [القصص: ٢٨] الوقف على أي قبيح لأن ما توكيد، والمعنى: «أي الأجلين قضيت». وكذلك قوله: ﴿أيا ما تدعوا﴾ [الإسراء: ١١٠] الوقف على قوله: «أيا» قبيح لأن المعنى «أيا تدعو» فـ «ما» توكيد. والوقف على «ما» أحسن من الوقف على «أي» قال أبو جعفر محمد بن سعدان: قد كان حمزة يوسليم يقفان جميعًا على «أيا». قال: والوقف الجيد على ما لأن ما صلة لـ «أي». قال أبو بكر: قلت وأرى لحمزة في هذا مذهبًا حسنا وهو أن يكون أراد: «أيا تدعو» فأتى بـ «ما» فعربها بمثل تعريف «أي»
[ ١ / ٣٣١ ]
وجعلها تابعة لها لخلافها للفظها. قال الشاعر:
من النفر اللاء الذين إذا هم يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا
فجعل «الذين» تابعين لـ «اللائي» لخلافهم للفظه، وقال عنترة بن معاوية العبسي:
حييت من طل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
فنسق «أقفر» على «أقوى»، ومعناه كمعناه لخلافه للفظه. وقال الآخر:
ألا حبذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النأي والبعد
[ ١ / ٣٣٢ ]
فنسق بـ «البعد» على «النأي» ومعناه كمعناه لما خالف لفظه.
وقال عدي بن زيد:
وقدمت الأديم لراهشيه وألفى قولها كذبا ومينا
فنسق بـ «المين» على «الكذب» ومعناه كمعناه لخلافه للفظه.
وقوله تعالى: ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون﴾ [الذاريات: ١٧] فيها وجهان: إن جعلت «ما» توكيدًا وقفت عليها ولم تقف على ما قبلها، ويكون المعنى: «كانوا يهجعون قليلا من الليل». وإن جعلت «ما» مع «يهجعون» مصدرًا على معنى: «كانوا قليلًا من الليل هجوعهم» صلح للمضطر أن يقف على «ما». وقوله: ﴿وقليل ما هم﴾ [ص: ٢٤] في «ما» وجهان: إن جعلتها توكيدًا على معنى: «وقليل هم» وقفت عليها ولم تقف على ما قبلها، وإن جعلتها اسمًا جاز لك أن تقف عليها إذا كنت مضطرًا.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وقوله: ﴿أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعًا﴾ [البقرة: ١٤٨] «أينما» حرف لأنها شرط. وكل ما في كتاب الله من ذكر «أينما» على معنى الشرط لم يصلح الوقف على «أين» دون «ما» كقوله: ﴿أينما يوجهه لا يأت بخير﴾ [النحل: ٧٦] وقوله: ﴿أينما كنتم تعبدون. من دون الله﴾ الشعراء: ٩٢، ٩٣]، ﴿أينما كنتم تدعون من دون الله﴾ [الأعراف: ٣٧] الوقف على «أين» جائز للمضطر لأن المعنى «أين الذين كنتم تعبدون» أين الذين كنتم تدعون وهما في المصحف حرف واحد، النون متصلة بالميم.
وقوله ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب﴾ [المائدة: ٦٤]، ﴿كلما خبت زدناهم سعيرا﴾ [الإسراء: ٩٧]، ﴿كلما أرادوا أن
[ ١ / ٣٣٤ ]
يخرجوا منها﴾ بالحج: ٢٢] تقف على «ما» إذا اضطررت ولا تقف على «كل» لأن «ما» مع «كل» حرف. قال محمد بن سعدان: وهي في مصحف عبد الله منقطعة في كل القرآن. قال: وأظن هذا من فعل الكاتب، كما كتبوا «الربو» بالواو. وكما كتبوا: ﴿فما الذين كفروا﴾ [المعارج: ٣٦] فقطعوا اللام من «الذين» في موضع ووصلوها في موضع آخر.
وقوله: ﴿قال ابن أم﴾ [الأعراف: ١٥٠] هو في المصحف في سورة الأعراف حرفان، وفي سورة طه حرف واحد.
وقوله: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء﴾ [الحج: ٣١]، ﴿كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ [الأنفال: ٦].
وقوله: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾
[ ١ / ٣٣٥ ]
[الحجر: ٢] لا يصلح الوقف على «كأن ورب» لأن «ما» مع ما قبلها بمنزلة حرف واحد.
وقوله تعالى: ﴿نعما يعظم به﴾ [النساء: ٥٨] وقوله: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ [البقرة: ٢٧١] قال الكسائي: «نعمًا» حرفان لأن معناه: «نعم الشيء». وقال: كتبا بالوصل، ومن قطعهما لم يخطيء. وحمزة يقف عليهما على الكتاب بالوصل. قال خلف: واتباع الكتاب في مثل هذا أحب إلينا إذا صار قطعه ووصله صوابًا.
وقال الفراء في قوله: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ موضع «هي» رفع بـ «نعما». قال: و«ما» صلة لـ «نعم» وهي معها بمنزلة حرف واحد، بمنزلة «حبذا».
[ ١ / ٣٣٦ ]
فعلى مذهب الفراء لا يجوز الوقف على «نعم» كما لا يجوز الوقف على «حب» دون «ذا».
وقوله: ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم﴾ [البقرة: ٩٠] فيها وجهان: أحدهما أن ترفع «بئسما» بما عاد من الهاء المتصلبة بالباء، وتخفض «أن يكفروا» على الإتباع للهاء، كأنك قلت: «اشتروا أنفسهم أي باعوا أنفسهم بالكفر». فعلى هذا المذهب لا يجوز الوقف على «بئس» لأنها مع «ما» حرف واحد. والوجه الآخر أن ترفع «ما» بـ «بئس»، كأنك قلت: «بئس شراؤهم» وتجعل «أن يكفروا» في موضع رفع على الإتباع لـ «ما» فعلى هذا المذهب يصلح الوقف على «بئس» لأنهما حرفان.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وقال الكسائي: «ما» مرفوعة بـ «بئس» وهي المرفوع الأول و«أن يكفروا» المرفوع الثاني، كأنه قال: «بئس الشراء كفرهم» كما تقول في الكلام: «بئس الرجل زيد» وذلك أن «بئس» تحتاج إلى مرفوعين. وفي المصحف: ﴿فبئس ما يشترون﴾ [آل عمران: ١٨٧] حرفان. وكذلك: ﴿لبئس ما قدمت لهم أنفسهم﴾ [المائدة: ٨٠]
وقوله: ﴿ساء ما يحكمون﴾ [العنكبوت: ٤] و﴿ساء ما يزرون﴾ [الأنعام: ٣١] يجوز للمضطر أن يقف على ما وذلك أنها في موضع رفع على معنى: «ساء حكمهم، وساء وزرهم».
وقوله: ﴿فبما رحمة من الله﴾ [آل عمران: ١٥٩] و﴿عما قليل﴾ [المؤمنون: ٤٠] لا يصلح الوقف على «عن» لأن
[ ١ / ٣٣٨ ]
معناه: «عن قليل» و«ما» توكيد. فإن جعلت «ما» اسمًا مخفوضًا بـ «عن» وخفضت «قليلا» على الإتباع لـ «ما» كان جائزًا الوقف على «عن» لأن «ما» اسم. أنشدنا أبو العباس للفرزدق حجة لهذا المذهب:
إني وإياك إن بلغن أرحلنا كمن بواديه بعد المحل ممطور
خفض «ممطورًا» على الإتباع لـ «من». وأنشد الفراء للأنصاري:
لكفى بنا فضلا على من غيرنا حب النبي محمد إيانا
[ ١ / ٣٣٩ ]
خفض «غيرا» على الإتباع لـ «من».
وقوله تعالى: ﴿وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها﴾ [الأعراف: ١٣٢] «مهما» حرف واحد، كان الأصل فيه «ما [ما]» فأبدلوا من الألف هاء ثم وصلوا «مه» بـ «ما» فبدلت على المعنى، ومعنى «مهما» الجزاء، وجواب الجزاء الفاء التي في قوله: ﴿فما نحن لك بمؤمنين﴾ بالأعراف: ١٣٢]
قال امرؤ القيس:
أغرك مني أن حبك قاتلي وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وقال زهير:
فلا تكتمن الله ما في صدوركم ليخفي ومهما يكتم الله يعلم
[ ١ / ٣٤٠ ]
وقال آخرون أصل «مهما» «ما» فوصلت العرب «ما» الأولى بـ «ما» الثانية كما قالوا «أما» فوصولا «أن» بـ «ما» فثقل عليهم أن يقولوا «ماما» فأبدلوا من الألف الأولى هاء ليفرقوا بين اللفظين. وقال آخرون في «مهما» معنى «مه» الكف كما تقول للرجل «مه» إذا أمرته أن يكف ثم ابتدأ فقال: «ما تأتنا به من آية» فعلى مذهب هؤلاء يحسن الوقف على «مه».
قال أبو بكر: والاختيار عندي ألا يوقف على «مه» دون «ما» لأنهما في المصحف حرف واحد.
وقوله: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤] «حيثما» حرف واحد لا يصلح الوقف على «حيث» دون «ما» لأنه لا يحسن أن تقول: «حيث الذي» و«حيثما»
[ ١ / ٣٤١ ]
بمنزلة ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ [النساء: ٧٨] لا يتم الوقف على أين دون ما لما ذكرنا من أن ما مع من قبلها بمنزلة حرف واحد.
وقوله: (لكيلا) و(كي لا) قال الكسائي: «كيلا» فإن لأن المعنى: كي يكون كذا وكذا، ولكي يكون كذا وكذا. قال: و«لا» لا تزيد في الإعراب شيئًا ولا تنقص منه. وفي المصحف: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم﴾ [الحديد: ٢٣] حرف واحد، وفي سورة الحشر ﴿كي لا يكون سرلة﴾ [٧] حرفان.
وقوله: ﴿آلذكرين حرم أم الأنثيين أم ما اشتملت﴾ [الأنعام: ١٤٣] «أم ما» حرفان ومعناه: «أم الذي اشتملت عليه أرحام الأنثيين» وموضع ما نصب على النسق على
[ ١ / ٣٤٢ ]
«الذكرين والأنثيين» ومعنى الآية ألحقكم التحريم من جهة الذكرين أم من جهة الأنثيين؟ فإن قالوا: من جهة الذكرين حرم عليهم كل ذكر، وإن قالوا: من جهة الأنثيين حرمت عليهم كل أنثى. وإن قالوا: من جهة الرحم حرم عليهم الذكر والأنثى. وهو في المصحف «أما» حرف واحد.
وقوله: ﴿أمن جعل الأرض قرارا﴾ [النمل: ٦١] «أمن» حرف واحد. وكل ما في كتاب الله من ذكر «أمن» فهو في المصحف موصول إلا أربعة أحرف كتبت في المصحف مقطوعة، في سورة النساء: ﴿أم من يكون عليهم وكيلا﴾ [١٠٩] وفي سورة التوبة: ﴿أم من أسس بنيانه على
[ ١ / ٣٤٣ ]
شفا جرف هار﴾ [١٠٩] وفي الصافات: ﴿أمن من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب﴾ [١١] وفي حم السجدة: ﴿أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة﴾ [٤٠] فالذي كتب موصولا الحجة فيه أن ميم أم اندغمت في ميم من فصارتا «ميما» مشددة. وبُني الخط على اللفظ، والذي كتب مقطوعًا كتب على الأصل.
وقوله تعالى: ﴿فإلم يتسجيبوا﴾ هو في سورة هود [١٤] «إلم» حرف واحد لا نون فيه. وفي سورة القصص ﴿فإن لم﴾ حرفان [٥٠].
وقوله تعالى: ﴿يوم هم بارزون﴾ [غافر: ١٦] موضع «هم» رفع بـ «بارزين» و«بارزون» بـ «هم». و(يوم هم) حرفان في هذه السورة، وفي سورة الذاريات: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ [١٣] وإنما صار هذا حرفين لأن (هم) في
[ ١ / ٣٤٤ ]
موضع رفع بما عاد من (يفتنون)، وقوله: ﴿يومهم الذي يوعدون﴾ [الزخرف: ٨٣] و﴿يومهم الذي فيه يصعقون﴾ [الطور: ٤٥] (يومهم) حرف واحد لأن (هم) في موضع خفض بإضافة «اليوم» إليه. والخافض والمخفوض بمنزلة حرف واحد.
وقوله: ﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ [المطففين: ٣] كان عاصم والأعمش وأبو عمرو والكسائي يقولون: (كالوهم) حرف واحد. والحجة في هذا أن المعنى: «كالوا لهم أو وزنوا لهم» فحذفت اللام، وأوقع الفعل على (هم) فصارا حرفًا واحدًا لأن المكني المنصوب مع ناصبه حرف واحد. والعرب تقول: قد كلتك طعامًا كثيرًا، ووزنتك مالًا عظيما،
[ ١ / ٣٤٥ ]
بمعنى: قد كلت لك ووزنت لك وأصدتك بمعنى: صدت لك. أنشد الفراء:
ولقد جنيتك أكموءًا وعساقلًا ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
أراد: ولقد جنيت لك، فحذف اللام. وأنشد الفراء لعنترة:
ولقد أبيت على الطوى وأظله حتى أنال به كريم المأكل
أراد: وأظل عليه.
وكان عيسى بن عمر يقول: (كالوهم) حرفان، ويقف على ٠ كالوا) و(وزنوا) ويبتدئ: (هم يخسرون) فموضع
[ ١ / ٣٤٦ ]
(هم)، من قول عيسى بن عمر، رفع على التوكيد لما في (كالوا) و(وزنوا) كما تقول في الكلام: «قالوا هم وقعدوا هم» ويجوز أن يكون الكلام انقطع عند قوله: (وزنوا) ثم ابتدأ: (هم يخسرون) فرفع (هم) بما عاد من (يخسرون). وقد روي مذهب عيسى بن عمر عن حمزة.
وقال أبو عبيد: الاختيار أن يكون (كالوهم ووزنوهم) حرفًا واحدًا لعلتين: إحداهما أن المصاحف اجتمعت على طرح الألف من (كالوا) و(وزنوا) فدل هذا على أنهما حرف واحد، لأن (كالوا) لو كان منفصلًا من (هم) لكتبوا فيه ألفًا كما كتبوا «قالوا وجاءوا وذهبوا» بألف، والحجة الأخرى أن تأويل (كالوهم أو وزنوهم): كالوا لهم ووزنوا لهم. فحذفت اللام.
[ ١ / ٣٤٧ ]
وقد ذكرنا في هذا أبياتًا كثيرة في قوله: ﴿قال آتوني أفرغ عليه قطرا﴾ [الكهف: ٩٦]
وقوله: ﴿وهم من فزع يومئذ آمنون﴾ [النمل: ٨٩] فقرأ عاصم وحمزة والكسائي (من فزع يومئذ) بتنوين «الفزع» ونصب (يومئذ). وقرأ أبو عمرو: (من فزع يومئذ) بإضافة «الفزع» إلى «اليوم» وخفض «اليوم». ويجوز في العربية: «من فزع يومئذ» بإضافة «الفزع» إلى «اليوم» ونصب «اليوم» وهو مهب نافع فيما حدثنا به إسماعيل عن قالون عنه.
فمن قرأ: (من فزع يومئذ) بتنوين «الفزع» لم يجز له أن قيف على «اليوم» إلا إذا كان مضطرًا لأنه مضاف إلى «إذ»
[ ١ / ٣٤٨ ]
وإنما أجزنا للمضطر أن يقف عليه لأنه حرف منفصل من الحرف الذي بعده، والمعنى: «من فزع في يومئذ» فلما أسقطنا الخافض نصبنا.
ومن قرأ: (من فزع يومئذ) بكسر الميم جاز له أن يقف على «اليوم» إذا كان مضطرًا لأنه حرف [واحد] منفصل من «إذ».
ومن قرأ: (من فزع مئذ) بإضافة «الفزع» إلى «اليوم» وفتح الميم من «اليوم» لم يجز له أن يقف على «اليوم» لأنه مع «إذ» بمنزلة حرف. حكى الكساي عن العرب: «مضى يومئذ بما فيه» بفتح «الميم» لأنهما حرف واحد. وأنشد الفراء:
رددنا لشعثاء الرسول ولا أرى كيومئذ شيئا ترد رسائله
[ ١ / ٣٤٩ ]
وقال الفراء: «بعدئذ» ليس بمنزلة «يومئذ» لأن «اليوم» يجعل مع «إذ» حرفًا واحدًا و«بعد» لا يجعل مع «إذ» حرفًا واحدًا.
وقوله تعالى: ﴿قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾ [المائدة: ١١٩] الوقف على «اليوم» قبيح لأنه مضاف إلى (ينفع)، ويجوز للمضطر أن يقف عليه. وقرأ الأعرج: (هذا يوم ينفع الصادقين) بنصب الميم على معنى: «هذا الأمر في يوم ينفع الصادقين» فلما أسقط الخافض نصبه على المحل، ويجوز أن يكون منصوبًا على أنه مضاف غير محض، وذلك أن العرب إذا أضافت المواقيت إلى الأفعال نصبوها على كل
[ ١ / ٣٥٠ ]
حال، فقالوا: هذا يوم قام زيد، ونظرت إلى يوم قام زيد، وأنشد الفراء:
على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألما تصح والشيب وازع
وأنشد الفراء:
على حين انحنيت وشاب رأسي فأي فتى دعوت وأي حين
وقوله: ﴿إني رأيت أحد عشر كوكبا﴾ [يوسف: ٤] الوقف على (أحد) قبيح. وكذلك: ﴿عليها تسعة عشر﴾ [المدثر: ٣٠] الوقف على (تسعة) قبيح لأن الأصل فيه «عليها تسعة وعشرة» فحذفت الواو من العشرة، وجعل
[ ١ / ٣٥١ ]
الحرفان حرفًا واحدًا وعربًا بأخف الحركات لطول الاسم.
وقوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] الوقف على (ما) قبيح لأنها في معنى الجزاء وهي مجهولة لأنه لا يمكن الجزم فيما بعدها. وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض﴾ [هود: ١٠٧] الوقف على (ما) قبيح لأنها مجهولة، ليست بمعنى الذي ولا صلة، إنما معناها الجزاء. وكذلك ﴿إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها﴾ [المائدة: ٢٤] لا يجوز الوقف على (ما) للعلة التي ذكرناها.
وقوله: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ [النساء: ٨٨]، ﴿ما لكم كيف تحكمون﴾ [الصافات: ١٥٤]، ﴿مالك لا تأمنا على يوسف﴾ [يوسف: ١١] قال خلف: سمعت الكسائي يقول: هما حرفان. قال: ووجهه من الإعراب: ما قصتكم ما شأنكم، مالك، ما شأنك.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وقوله: ﴿كأن لم تغن بالأمس﴾ [يونس: ٢٤]، ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ [الأنبياء: ٨٧] حرفان في قياس العربية. وكذا هما في المصحف. وفي سورة القيامة: ﴿أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه﴾ [٣]. هو في المصحف حرف واحد، والقياس فيه كالقياس في الحرف الذي سورة الأنبياء.
وقوله: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة﴾ [البقرة: ٢٦] من قال: «ما» توكيد، والمعنى «أن الله لا يستحي أن يضرب مثلًا بعوضة» وقف على «ما» إذا كان مضطرًا، ولم يقف على المثل لأن ما إذا كانت توكيدًا لم يوقف على ما قبلها، ومن نصب البعوضة على إسقاط «بين» فكأنه قال: «ما بين بعوضة إلى ما فوقها» فلما أسقط «بين» كأنه جعل إعرابها في «البعوضة» ليعلم
[ ١ / ٣٥٣ ]
أن معنى «ما» مراد، وهو بمنزلة قولهم: «له عشرون ما ناقة فجملا» المعنى: ما بين ناقة وجمل فأسقط «بين» وجعل إعرابها في الناقة والجمل. وحكى الكسائي عن العرب: «مطرنا ما زبالة فالنعلبية فزرود» على معنى: «ما بين زبالة» فلما سقطت «بين» جعل إعرابها في «زبالة والثعلبية» وأنشد الفراء:
يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم ولا حبال محب واصل تصل
[ ١ / ٣٥٤ ]
أراد: ما بين قرن إلى قدم. فعلى هذا المذهب يصلح الوقف على ما قبل «ما» لأنها اسم وليست توكيدًا. ومن نصب «البعوضة» على الإتباع لـ «ما» ونصب «ما» على الإتباع لـ «المثل» جاز له أيضًا أن يقف على ما قبل «ما» إذا كان مضطرًا لأنها ليست توكيدًا، وقرأ رؤبة بن العجاج، وليس بإمام في القراءة: «ما بعوضة» بالرفع على معنى «ما هي بعوضة» فأضمر «هي» كما قال الأعشى:
فأنت الجواد وأنت الذي إذا ما النفوس ملأن الصدورا
جدير بطعنة يوم اللقا ء تضرب منها النساء النحورا
أراد: وأنت الذي هو جدير، فأضمر «هو» وقال عدي بن زيد العبادي:
[ ١ / ٣٥٥ ]
لم أر مثل الفتيان في غبن الأيام ينسون ما عواقبها
أراد: ما هو عواقبها، فأضمر «هو»، فعلى هذا المذهب يجوز للمضطر أن يقف على «المثل» لأن «ما» اسم.
[ ١ / ٣٥٦ ]