باب: "السبب في اشتهار السبعة القراء دون من هو فوقهم"
فإن سأل سائل فقال:
ما العلة التي من أجلها اشتهر هؤلاء السبعة بالقراءة دون من هو فوقهم، فنسبت إليهم السبعة الأحرف مجازا، وصاروا في وقتنا أشهر من غيرهم، ممن هو أعلى درجة منهم، وأجل قدرا؟.
فالجواب:
أن الرواة عن الأئمة من القراء، كانوا في العصر الثاني والثالث كثيرا في العدد، كثيرا في الاختلاف، فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات، التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراء به، فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة وحسن الدين، وكمال العلم، قد طال عمره، واشتهر أمره، وأجمع أهل مصره على عدالته فيما نقل، وثقته فيما قرأ وروى، وعلمه بما يقرأ، فلم تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب إليهم، فأفردوا من كل/ ٩ى مصر وجه إليه عثمان مصحفا، إماما هذه صفته وقراءته على مصحف ذلك المصر.
[ ٨٦ ]
فكان أبو عمرو من أهل البصرة.
وحمزة وعاصم من أهل الكوفة وسوادها.
والكسأ من أهل العراق.
وابن كثير من أهل مكة.
وابن عامر من أهل الشام.
ونافع من أهل المدينة.
كلهم ممن اشتهرت إمامته، وطال عمره في الإقراء، وارتحال الناس إليه من البلدان.
ولم يترك الناس مع هذا نقل، ما كان عليه أئمة هؤلاء من الاختلاف، ولا القراءة بذلك.
وأول من اقتصر على هؤلاء: أبو بكر بن مجاهد١ قبل سنة ثلاثمائة أو في نحوها، وتابعه على ذلك من أتى بعده، إلى الآن.
ولم تترك القراءة بقراءة غيرهم، واختيار من أتى بعدهم إلى الآن.
_________________
(١) ١ أبو بكر بن مجاهد سبقت ترجمته.
[ ٨٧ ]
فهذه قراءة يعقوب الحضرمي١ غير متروكة.
وكذلك قراءة عاصم الجحدري٢.
وقراءة أبي جعفر٣ وشيبة٤ إمامي نافع.
وكذلك اختيار أبي حاتم٥، وأبي عبيد٦.
واختيار المفضل٧.
_________________
(١) ١ يعقوب الحضرمي سبقت ترجمته. ٢ هو، عاصم بن أبي الصباح العجاج الجحدري، البصري، أخذ القراءة عن سليمان بن قفة عن ابن عباس، وقرأ على نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر مات سنة ١٢٨هـ. ٣ أبو جعفر: يزيد بن القعقاع الإمام أبو جعفر المخزومي، المدني أحد العشرة تابعي مشهور كبير القدر، عرض القرآن على مولاه عبد الله بن عياش، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة وروى القراءة عنه نافع بن أبي نعيم، مات بالمدينة سنة ١٣٠. "طبقات القراء: ٢-٣٨٢". ٤ هو شيبة بن نصاح بن سرجس بن يعقوب، مقرئ المدينة مع أبي جعفر وقاضيها ومولى أم سلمة "﵂"، مسحت على رأسه ودعت له بالخير مات سنة ١٣٢ "طبقات القراء: ١-٣٢٩". ٥ هو، أبو حاتم السجستاني وقد سبقت ترجمته. ٦ هو، أبو عبيد القاسم بن سلام وقد سبقت ترجمته. ٧ هو، المفضل بن محمد بن يعلى أبو محمد الضبي الكوفي، إمام مقرئ نحوى إخباري، موثق أخذ القراءة عن عاصم، وروى القراءة عنه الكسائي مات سنة ١٦٨هـ "طبقات القراء: ٢-٣٠٧".
[ ٨٨ ]
واختيارات لغير هؤلاء الناس، على القراء بذلك في كل الأمصار من الشرق.
وهؤلاء الذين اختاروا إنما قرءوا لجماعة، وبروايات، فاختار كل واحد مما قرأ وروى قراءة تنسب إليه بلفظ الاختيار، وقد اختار الطبري وغيره.
وأكثر اختياراتهم، إنما هو في الحرف إذا اجتمع فيه ثلاثة أشياء:
قوة وجهه في العربية.
وموافقته للمصحف.
واجتماع العامة عليه. والعامة عندهم ما اتفق عليه أهل المدينة، وأهل الكوفة.
فذلكعندهم حجة قوية، فوجب الاختيار.
وربما جعلوا العامة ما اجتمع عليه أهل الحرمين١.
وربما جعلوا الاختيار على ما اتفق عليه نافع، وعاصم، فقراءة هذين الإمامين أوثق القراءات، وأصحها سندا، وأفصحها في العربية، ويتلوهما في الفصاحة خاصة قراءة أبي عمرو، والكسائي "﵏".
_________________
(١) ١ مكة والمدينة.
[ ٨٩ ]