فإن سأل سائل فقال:
هل كان القرآن مجموعا على عهد النبي "ﷺ"؟.
وكيف جمع بعده؟ وما سبب جمعه؟.
٥ش/ فالجواب:
أن القرآن كان على عهد النبي "ﷺ"، متفرقا في صدور الرجال؛ لأنه نزل في نيف١ وعشرين سنة، شيئا بعد شيء وقيل: في عشرين سنة.
وتواترت الرواية أنه مات "ﷺ"، وهو غير مجموع في صحف. لم يختلف في ذلك.
فلما توفي رسول الله ﷺ، وولى أبو بكر ﵁، خرج القراء من الصحابة إلى الغزوات، فاستشهد كثير منهم يوم اليمامة.
_________________
(١) ١ النيف: بوزن هين: الزيادة يخفف ويشدد يقال عشرة ونيف، ومائة ونيف. وكل ما زاد على العقد، فهو نيف حتى يبلغ العقد الثاني.
[ ٥٧ ]
قال زيد بن ثابت١: فارسل إلي أبو بكر بعد مقتل اليمامة، فجئته، فإذا عمر عنده قال زيد:
فقال لي أبو بكر: إن عمر جاءني فقال: إن القتل قد استحر٢ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإن أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها، فيذهب قرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن.
قال أبو بكر: فقلت لعمر: أنفعل شيئا لم يفعله رسول الله؟
قال عمر: هو والله خير.
قال أبو بكر: فلم يزل عمر يراجعني في ذلك، حتى شرح الله صدري بالذي شرح به صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى.
قال زيد: ثم قال لي أبو بكر: أنت غلام شاب عاقل
_________________
(١) ١ زيد بن ثابت بن الضحاك، أبو سعيد الأنصاري الخزرجي المقرئ الفرضي "﵁"، كاتب النبي طصلى الله عليه وسلم" وأمينه على الوحي، وأحد الذين جمعوا القرآن على عهده "ﷺ"، وهو الذي كتبه في المصحف لأبي بكر الصديق ﵁، ثم لعثمان حين جهزها إلى الأمصار، توفي سنة ٤٨ عن ستة وخمسين سنة. "طبقات القراء: ١-٢٩٦". ٢ استحر القتل: اشتد.
[ ٥٨ ]
لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله "ﷺ"، فتتبع القرآن واجمعه.
قال زيد: فوالله لقد كلفوني ثقل جبل من الجبال، ما كان بأثقل علي مما أمروني به من جمع القرآن.
قال زيد: فقلت: أتفعلون شيئا لم يفعله رسول الله، "ﷺ"؟.
قال أبو بكر: هو والله خير.
قال زيد: فلم يزل أبو بكر يراجعني، حتى شرح الله صدري بالذي شرح به صدر أبي بكر وعمر.
قال زيد: فتتبعت القرآن، أجمعه من الرقاع والسعف واللخاف١. وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة عند ذي الشهادتين الأنصاري٢. كان رسول الله "صلى الله عليه
_________________
(١) ١ جاء في أصل الكتاب: اللخاف في كتاب أبي عبيد، قال الأصمعي: واحدتها لحفة، وهي حجارة. رقاق بيض، وكذلك وقع في كتاب العين. ٢ هو خزيمة بن الفاكه بن ثعلبة الحظمي الأنصاري، من بني خطمة من الأوس، ويكنى أبا عمار، شهد بدرا، وما بعدها من المشاهد "الاستيعاب: ٢-٤٤٨".
[ ٥٩ ]
وسلم" جعل شهادته كشهادة رجلين، لم نجدها مع غيره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، إلى آخر السورة.
قال المقري١: ومعنى هذا أن زيدا وغيره كانوا يحفظون الآية لكنهم أنسوها، فوجدوها في حفظ ذلك الرجل، فتذاكروها، واستيقنوها وأثبتوها في المصحف لحفظهم لها، وسماعهم إياها من رسول الله "ﷺ". ولم يخالفهم أحد في ذلك فصارت إجماعا، لا أنهم٢ أثبتوها قرآنا بشهادة ذلك الرجل، وإن كانت شهادته مقام شهادة رجلين؛ لأن القرآن لا يؤخذ إلا بالإجماع، وتواتر يقطع على مغيبه بالصدق، ويجب بذلك العلم والعمل، ولا يؤخذ بشهادة رجل ولا رجلين، ولا بشهادة من لا يقطع على صدق شهادته.
قال زيد:
فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر٣ حتى
_________________
(١) ١ هو صاحب الكتاب: مكي بن أبي طالب، حموش القيسي. ٢ في الأصل؛ لأنهم، والسياق يقتضي ما أثبته. ٣ وزوج النبي ﷺ.
[ ٦٠ ]
أخذها منها عثمان ﵁ /٦ى فنسخها في المصحف، ثم ردها إليها.
وذكر إسماعيل القاضي من روايته أن زيد بن ثابت قال:
كتبته على عهد أبي [بكر] ١ في قطع الأدم٢، وكسر الأكتاف، وفي كذا وكذا. قال: فلما هلك أبو بكر وكان عمر كتبه في صحيفة واحدة، وكانت عنده. فلما هلك عمر كانت الصحيفة عند حفصة زوج النبي "ﷺ".
وروى أن حفصة لما ماتت قبض الصحيفة، عبد الله بن عمر٣ فعزم عليه مروان٤ فأخذها منه، وشققها، ومزقها، مخافة أن يكون فيها خلاف ما نسخ عثمان فيقع الاختلاف.
_________________
(١) ١ ناقصة من الأصل. ٢ باطن الجلد الذي يلي اللحم. ٣ عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁. ٤ هو، مروان بن الحكم أول من أحدث ملك يوم الدين بغير ألف "انظر طبقات القراء: ٢-٢٦٣".
[ ٦١ ]