فإن سأل سائل فقال:
ما السبب الذي أوجب أن تختلف القراءة، فيما يحتمله خط المصحف، فقرءوا بألفاظ مختلفة في السمع والمعنى واحد.
نحو: جُذوة وجِذوة، وجَذوة١.
وقرءوا بألفاظ مختلفة في السمع وفي المعنى نحو:
يُسَيِّركم، ويَنْشُرُكم٢.
وكل ذلك لا يخالف الخط في رأي العين؟
فالجواب عن ذلك:
أن الصحابة "﵃"، كان قد تعارف بينهم من
_________________
(١) ١ في قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩] وقرأ عاصم: جذوة بفتح الجيم، وقرأ حمزة وخلف بضمها والباقون بكسرها، وهي لغات ثلاث في الفاء كالرشوة والربوة. "اتحاف فضلا البشر: ٤٣٢". ٢ في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ "سورة يونس: آية ٢٢". قرأ ابن عامر، وأبو جعفر ينشركم ضد الطي أي يفرقكم، والباقون"، يسيركم أي يحملكم على السير ويمكنكم منه "الإتحاف: ٢٤٨".
[ ٤٦ ]
عهد النبي "ﷺ"، ترك الإنكار على من خالفت قراءته قراءة الآخر، /٤ي لقول النبي "ﷺ": "أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا بما شئتم".
ولقوله: "نزل القرآن على سبعة أحرف، كل شاف كاف".
ولإنكاره "ﷺ" على من تمارى في القرآن.
والأحاديث كثيرة، سأذكر منها طرفا في آخر هذا الكتاب إن شاء الله.
فكان كل واحد منهم يقرأ كما علم، وإن خالف قراءة صاحبه لقوله "ﷺ": "اقرءوا كما علمتم".
وحديث عمر١ مع هشام بن حكيم٢ مشهور، إذ تخاصم معه إلى النبي "ﷺ" في قراءة سمعه يقرؤها، فأنكرها عمر عليه، وقاده إلى النبي "صلى الله عليه
_________________
(١) ١ عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين "﵁". ٢ هو، هشام بن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي. كان مهيبا، وكان يأمر بالمعروف في رجال معه، وكان له فضل، واستشهد بأجنادين "﵀" انظر الإصابة "٦-٥٣٨"، تحقيق الأستاذ علي محمد البجاوي.
[ ٤٧ ]
وسلم" ملببا بردائه١. فاستقرأ النبي "ﷺ" كل واحد منها، فقال له: "أصبت"، ثم قال:
"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا بما شئتم".
فكانوا يقرءون بما تعلموا، ولا ينكر أحد على أحد قراءته، وكان النبي "ﷺ"، قد وجه بعضهم إلى البلدان ليعلموا الناس القرآن والدين.
ولما مات النبي "ﷺ"، خرج جماعة من الصحابة في أيام أبي بكر٢ وعمر إل ما افتتح من الأمصار، ليعلموا الناس القرآن والدين فعلم كل واحد منهم أهل مصره، على ما كان يقرأ على عهد النبي "ﷺ"، فاختلفت قراءة أهل الأمصار على نحو ما اختلفت قراءة الصحابة الذين علموهم.
فلما كتب عثمان المصاحف، وجهها إلى الأمصار٣، وحملهم
_________________
(١) ١ جمع ثيابه عند نحره ثم جره مخاصما له. ٢ أبو بكر الصديق ﵁ أول الخلفاء الراشدين "رضوان الله عليهم أجمعين". ٣ البصرة، والكوفة، ومكة، والشام، واليمن، والبحرين وأمسك لنفسه مصحفا الذي يقال له الإمام "النشر: ١-٨".
[ ٤٨ ]
على ما فيها وأمرهم بترك ما خالفها، قرأ أهل كل مصر مصحفهم الذي١ وجه إليهم على ما كانوا يقرءون قبل وصول المصحف إليهم، مما يوافق خط المصحف، وتركوا من قراءتهم التي كانوا عليها، مما يخالف خط المصحف: فاختلفت قراءة أهل الأمصار لذلك بما لا يخالف الخط، وسقط من قراءتهم كلهم ما يخالف لخط.
ونقل ذلك الآخر عن الأول في كل مصر، فاختلف النقل لذلك، حتى وصل النقل إلى هؤلاء الأئمة السبعة على ذلك، فاختلفوا فيما نقلوا على حسب اختلاف أهل الأمصار، لم يخرج واحد منهم عن خط المصحف فيما نقل، كما لم يخرج واحد من أهل الأمصار عن خط المصحف، الذي وجه إليهم.
فلهذه العلة اختلفت رواية القراء فيما نقلوا، واختلفت أيضا قراءة من نقلوا عنه لذلك.
واحتاج كل واحد من هؤلاء القراء، أن يأخذ مما قرأ ويترك، فقد قال نافع٢:
قرأت على سبعين من التابعين، فما اجتمع عليه اثنان أخذته، وما شك فيه ٤/ ش واحد تركته، حتى اتبعت هذه القراءة.
_________________
(١) ١ في الأصل: إلى، والسياق يقتضي ما أثبته. ٢سبقت ترجمته.
[ ٤٩ ]
وقد قرأ الكسائي١ على حمزة٢، وهو يخالفه في نحو ثلاثمائة حرف؛ لأنه قرأ على غيره٣، فاختار من قراءة حمزة، ومن قراءة غيره قراءة، وترك منها كثيرا.
وكذلك أبو عمرو٤ قرأ على ابن كثير٥، وهو يخالفه في أكثر من ثلاثة آلاف حرف؛ لأنه قرأ على غيره٦، واختار من قراءته، ومن قراءة غيره قراءة.
فهذا سبب الاختلاف الذي سألت عنه.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته. ٢ سبقت ترجمته. ٣ من الذين قرأ عليهم الكسائي غير حمزة -محمد بن أبي ليلى، وعيسى بن عمر الهمذاني، وروى الحروف عن أبي بكر بن عياش، وإسماعيل ويعقوب بني جعفر عن نافع والمفضل الضبي، وزائدة بن قدامة، ومحمد بن الحسن بن سارة، وقتيبة ابن مهران. "طبقات القراء: ١-٥٣٥". ٤ سبقت ترجمته. ٥ سبقت ترجمته. ٦ من الذين قرأ عليهم أبوعمرو، غير ابن كثير، الحسن بن أبي الحسن البصري، وحميد بن قيس الأعرج، ورفيع بن مهران الرياحي، وسعيد بن جبير. وشيبة بن نصاح، وعاصم بن أبي النجود، وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة بن خالد المخزومي، وعكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد بن جبير، ومحمد بن عبد الرحمن بن محيصن، ونصر بن عاصم، والوليد بن اليسار، ويزيد بن اليسار، ويزيد بن القعقاع المدني، ويزيد بن رومان، ويحيى بن يعمر.
[ ٥٠ ]