فإن سأل سائل، فقال:
ما الذي تفيد قراءة على أكثر من حرف لمن قرأ على أكثر من حرف؟
فالجواب.
أن الله "﷿" لم يجعل على عباده حرجا في دينهم، ولا ضيق عليهم فيما افترض عليهم.
وكانت لغات من أنزل عليهم القرآن مختلفة، ولسان كل صاحب لغة، لا يقدر على رده إلى لغة أخرى إلا بعد تكلف ومئونة شديدة، فيسر الله عليهم أن أنزل كتابه على سبع لغات متفرقات١ في القرآن بمعان متفقة ومختلفة، ليقرأ كل قوم على لغتهم، على ما يسهل عليهم من لغة غيرهم، وعلى ما جرت به عادتهم.
فقوم جرت عادتهم بالهمز.
وقوم بالتخفيف.
_________________
(١) ١ في هامش الأصل هذه العبارة: نسخة في كتاب الشيخ "مفترقات".
[ ٨٠ ]
وقوم بالفتح.
وقوم بالإمالة.
وكذلك الأعراب واختلافه في لغاتهم، والحركات واختلافها في لغاتهم. وغير ذلك.
فتفصح كل قوم، وقرءوا على طبعهم ولغتهم ولغة من قرب منهم، وكان في ذلك رفق عظيم بهم، وتيسير كثير لهم.
ونظير هذا في القرآن، مما رفق الله به عباده، ويسر عليهم نزول الفرائض والأحكام، والأوامر والنواهي لشيء بعد شيء في أكثر من عشرين سنة، فكانوا لذلك أقبل، وهو عليهم أسهل، إذ لو نزل كله مرة واحدة لصعب عليهم واشتد، وللحقهم في ذلك عنت وصعوبة. فمن الله عليهم بنزول شيء من الفرائض. فإذا أنسوا بالفرض، وعملوا به، وطال الأمر، وصار عندهم عادة نزل فرض آخر، حتى أكمل الله دينه في يسر على عباده. فنعمة الله لا تحصى.
ونظير ذلك أيضًا في القرآن:
أن الله "جل ذكره" علم أن القرآن لا يجمعه كل إنسان في وقت نزوله، ولا يقف على ما نص فيه جميع العباد، فكرر
[ ٨١ ]
القصص، والتحذير والتخويف، والتوحيد والإخبار عن البعث والنشر والحجج على جوازه، وغير ذلك في أكثر سور القرآن، ليكون من بلغه بعض السور وقف على ذلك أجمع، ومن بلغه البعض الآخر وقف فيه على نحو ذلك.
ومن بلغه سورة واحدة وقف على أكثر ذلك، فلا يفوت أحدا منهم ما به الحاجة إليه، مما أراد الله إعلامه لخلقه، فكان في/ ٨ش التكرير رفق عظيم، وهداية ظاهرة للحق، وذلك بلطف الله لخلقه، وهذا كثير من نعم الله على خلقه، ورفقه بهم.
ولو تتبعت ذلك أوجدت منه عددًا كبيرًا.
[ ٨٢ ]