فإن سأل سائل فقال:
ما الذي نعتقد في معنى قول النبي "ﷺ":
"أنزل القرآن على سبعة أحرف"؟ وما المراد بذلك؟
فالجواب:
أن هذا المعنى قد كثر اختلاف الناس فيه.
والذي نعتقده في ذلك، ونقول به، وهو الصواب إن شاء الله:
أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن: هي لغات متفرقة في القرآن، ومعان في ألفاظ تسمع في القراءة:
مختلفة في السمع متفقة في المعنى.
ومختلفة في السمع وفي المعنى.
نحو: تبديل كلمة في موضع أخرى وصورة الخط متفقة، أو مختلفة نحو:
يسيِّرُكم، وَيَنْشُرُكُمْ١. ونحو: صيحة وزقية٢.
_________________
(١) ١ سورة يونس آية ٢٢، وقد قرأ ابن عامر وأبو جعفر ينشركم، والباقون يسيركم "الإتحاف: ٢٤٨". ٢ سورة يس آية ٥٣.
[ ٧١ ]
وزيادة كلمة ونقص أخرى.
وزيادة حرف ونقص آخر.
وتغيير حركات في موضع حركات أخر.
وإسكان حركة.
وتشديد، وتخفيف.
وتقديم، وتأخير١.
وشبه ذلك مما يسمع ويميز بالسمع.
وليس هو مما يحتوي على المعاني المستترة، كقول من قال: الأحرف السبعة: حلال وحرام، وناسخ ومنسوخ، وأمر ونهي، وشبه هذا.
هذه معان في النفس مستترة، لا تعلم إلا بسؤال من يعتقدها دليل ذلك:
أن عمر إنما سمع هشاما٢ يقرأ غير قراءته، فأنكر عليه ولم يره يغير حكما، ولا يحرف معنى في القرآن.
ويدل على ذلك: أن النبي "ﷺ" لما
_________________
(١) ١ ستأتي الأمثلة على ذلك. ٢ هو، هشام بن حكيم وقد سبقت ترجمته.
[ ٧٢ ]
تخاصموا إليه في القراءة أمرهم بالقراءة، فلما سمعهم صوب، قراءتهم، ولم يسالهم عن معان مستورة في أنفسهم، أنما سمع ألفاظهم فصوبها.
وأيضا فإنها لو كانت في حلال وحرام، وأمر ونهي، وناسخ ومنسوخ وشبهه لم يقل: اقرءوا بما شئتم، وأي ذلك قرأت أصبت.
قال بعض القراء:
هي سبع أحرف منطبقة المفهوم، مختلفة المسموع، وهو معنى ما قلناه.
وقال مالك وغيره١:
هو قراءة القارئ: عزيز حكيم. وفي موضع: غفور رحيم.
وهذا الذي يخالف الخط، لا تجوز به اليوم لمخالفة خط المصحف، وهو المنهي عنه.
_________________
(١) ١ هو، مالك بن أنس بن مالك، أبو عبد الله الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة وصاحب المذهب، أخذ القراءة عرضا عن نافع بن أبي نعيم، وروى القراءة عنه أبو عمرو الأوزاعي، ويحيى بن سعيد، ولد سنة ثلاث وسبعين ومات سنة تسع وسبعين ومائة "طبقات القراء: ٢-٣٥".
[ ٧٣ ]
والذي يشتمل عليه معنى القراءات: أنها ترجع إلى سبعة أوجه:
الأول:
ش٧/ أن يختلف في إعراب الكلمة، أو في حركات بنائها بما لا يزيلها عن صورتا في الكتاب، ولا يغير معناها نحو:
البُخْل والبَخَلَ١، وميسَرة وميسُرة٢.
وما هن أمهاتهم، وما هن أمهاتهم٣.
وهو كثير. يقرأ منه بما صحت روايته، وصح وجهه في العربية؛ لأنه غير مخالف للخط.
الثاني:
أن يكون الاختلاف في إعراب الكلمة، أو في حركات بنائها بما يغير معناها، على غير التضاد٤، ولا يزيلها عن
_________________
(١) ١ سورة النساء آية٣٨، سورة الحديد آية ٢٤، قرأ حمزة والكسائي وخلف بفتح الباء والخاء، وقرأ الباقون بضم الباء وسكون الخاء. "النشر: ٢-٢٣٦". ٢ سورة البقرة آية ٢٨٠ قرأ نافع بضم السين، وقرأ الباقون بفتحها "النشر: ٢/ ٢٣٦". ٣ سورة المجادلة آية: ٢. قرأ الجمهور أمهاتهم بالنصف على لغة الحجاز، والمفضل عن عاصم بالرفع على لغة تميم "البحر المحيط: ٨-٢٣٢". ٤ في الأصل على غير التضاد.
[ ٧٤ ]
صورتها في الخط وذلك نحو قوله:
"ربُّنا باعد بين أسفارنا"، و"ربِّنا بَعِّدْ بين أسفارنا"١.
و"إذ تَلَقَّوْنَه" وتُلْقُونَه"٢.
و"ادكر بعد إمة"، و"بعد أمه"٣.
الثالث:
أن يكون الاختلاف في تبديل حرف الكلمة، دون إعرابها بما يغير معناها، ولا يغير صورة الخط بها في رأي العين نحو:
نُنْشِرها، ونُنْشِزُها٤.
_________________
(١) ١ سورة سبأ آية ١٩ اختلفوا في "ربنا باعد"، فقرا يعقوب برفع الباء من "ربنا" وفتح العين والدال وألف قبل العين من "باعد"، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو وهشام بنصب الباء، وكسر العين مشددة من غير ألف مع إسكان الدال. وقرأ الباقون كذلك إلا أنهم بالألف، وتخفيف العين. "النشر: ٢-٣٥٠". ٢ سورة النور آية ١٥ قرأ الجمهور: تلقونه، وقرأ ابن السميفع تلقونه مضارع ألقى. وقد حكى صاحب البحر المحيط قراءات أخرى "انظر حـ٦ ص٤٣٨". ٣ سورة يوسف آية ٤٥، قرأ الأشهب العقيلي بعد أمة بكسر الهمزة، أي بعد نعمة أنعم الله بها على يوسف في تقريب إطلاقه، وقرأ ابن عباس، وزيد بن علي والضحاك وقتادة، وشبيل بن عذرة الضبعي، وربيعة بن عمر بعد أمه بفتح الهمزة والميم مخففة، وهاء والجمهور قرءوا بعد أمة. "البحر المحيط: ٥-٣١٤". ٤ سورة البقر آية ٢٥٩ قرأ ابن عامر، والكوفيون بالزاي المنقوطة، وقرأ الباقون بالراء المهملة. "النشر ٢-٢٣١".
[ ٧٥ ]
وفزع عن قلوبهم. وفزع عن قلوبهم١.
ويقص الحق، ويقض الحق٢.
وهو كثير، يقرأ به إذا صح سنده ووجهه لموافقته لصورة الخط في رأي العين.
الرابع:
أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها في الكتاب ولا يغير معناها، نحو: إن كانت إلا صيحة واحدة، وإلا زقية واحدة٣.
وكالصوف المنفوش، والعهن المنفوش٤.
فهذا يقبل إذا صحت روايته، ولا يقرأ به اليوم لمخالفته لخط المصحف؛ ولأنه إنما ثبت بخبر الآحاد.
_________________
(١) ١ سورة سبأ آية ٢٣ قرأ ابن عامر، ويعقوب فتح الفاء والزاي، وقرأ الباقونبضم الفاء وكسر الزاي "النشر: ٢-٣٥١". ٢ سورة الأنعام آية ٥٧ قرأ المدنيان: أبو جعفر ونافع، وابن كثير وعاصم "يقص" بالصاد المهملة مشددة، وقرأ الباقون بإسكان الفاء وكسر الضاد "النشر ٣-٢٥٨". ٣ سورة يونس آية ٢٩. ٤ سورة القارعة آية ٥ في مصحف ابن مسعود كالصوف المنفوش، وقرأ الجمهور كالعهن المنفوش "انظر المصاحف للسجستاني".
[ ٧٦ ]
الخامس:
أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها في الخط، ويزيل معناها نحو:
ألم تنزيل الكتاب. في موضع: ألم ذلك الكتاب١.
فهذا لا يقرأ به أيضا، لمخالفته للخط، ويقبل منه ما لم يكن فيه تضاد٢ لما عليه المصحف.
وهذه الأقسام كلها كثيرة لو تكلفنا أن نؤلف في كل قسم كتابا مما جاء منه، وروى، لقدرنا على ذلك لكثرته.
السادس:
أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير. نحون ما روي عن أبي بكر "﵀" أنه قرأ عند الموت:
وجاءت سكرة الحق بالموت٣. وبذلك قرأ ابن مسعود.
وهذا يقبل لصحة معناها إذا صحت روايته. ولا يقرأ به لمخالفته المصحف؛ ولأنه أتى بخبر الأحاد.
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية٢. ٢ في الأصل تضاد بفك الإدغام. ٣ سورة ق آية ١٩.
[ ٧٧ ]
والسابع:
أن يكون الاختلاف بالزيادة، أو بالنقص في الحروف والكلم، فهذا يقبل منه ما لم يحدث حكما لم يقبله أحد.
ويقرأ منه بما اختلفت المصاحف في إثباته وحذفه، نحو:
"تجري تحتها" في براءة عند رأس المائة، و﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ ١ "فإن الله الغني الحميد" في الحديد، و﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد﴾ ٢.
ونحو ذلك اختلف فيه المصاحف٣ التي وجه بها عثمان إلى الأمصار، فيقرأ به إذا لم يخرج عن خط جميع المصاحف.
ولا يقرأ منه بما لم تختلف فيه المصاحف/ ٨ى: لا يزاد شيء لم يزد في شيء من المصاحف، ولا شيء لم ينقص في شيء من المصاحف.
وأما ما اختلفت فيه القراءة من الإدغام، والإظهار، والمد، والقصر، وتشديد، وتخفيف، وشبه ذلك فهو من القسم الأول؛ لأن القراءة بما يجوز منه في العربية، وروى عن
_________________
(١) ١ سورة الحديد آية: ١٢. ٢ سورة الحديد آية: ٢٤. ٣ انظر اختلاف مصاحف الأمصار، التي نسخت من المصحف الإمام من كتاب المصاحف للسجستاني ص٣٩.
[ ٧٨ ]
أئمة وثقات: جائزة في القرآن؛ لأنه كله موافق للخط.
وإلى هذه الأقسام في معاني السبعة، ذهب جماعة من العلماء.
وهو قول ابن قتيبة١ وابن شريح٢ وغيرهما.
لكننا شرحنا ذلك من قولهم.
_________________
(١) ١ ابن قتيبة: هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المروزي ولد سنة ٢١١هـ، وتربى في بغداد، وتولى القضاء بدينور. وهو صاحب عيون الأخبار، وطبقات الشعراء، والإمامة والسياسة، وأدب الكاتب، وكتاب القراءات، وغريب القرآن، ومشكل القرآن "توفي ٢٧٦هـ"، انظر وفيات الأعيان. ٢ ابن شريح هو محمد بن شريح الرعيني الأشبيلي، ولد سنة ٣٨٨هـ، ورحل إلى مصر ومكة، ثم لقي مكي بن أبي طالب وأجازه. مات في شوال سنة ٤٧٦هـ.
[ ٧٩ ]