فإن سأل سائل فقال:
فما الذي يقبل من القراءات الآن، فيقرأ به؟
وما الذي لا يقبل، ولا يقرأ به؟
وما الذي يقبل، ولا يقرأ به؟
فالجواب:
أن جميع ما روي من القراءات على ثلاثة أقسام:
قسم يقرأ به اليوم، وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال،
وهي:
أن ينقل عن الثقات إلى النبي "ﷺ".
ويكون وجهه في العربية، التي نزل بها القرآن شائعا.
ويكون موافقا لخط المصحف.
فإذا اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث قرئ به، وقطع على مغيبه وصحته وصدقه؛ لأنه أخذ عن إجماع من جهة موافقته لخط المصحف، وكفر من جحده.
والقسم الثاني: ما صح نقله في الآحاد، وصح وجهه في العربية، وخالف لفظه خط المصحف.
[ ٥١ ]
فهذا يقبل، ولا يقرأ به لعلتين:
إحداهما١: أنه لم يؤخذ بإجماع، إنما أخذ بأخبار الآحاد، ولا يثبت قرآن يقرأ به بخبر الواحد.
والعلة الثانية: أنه مخالف لما قد أجمع عليه، فلا يقطع على مغيبه وصحته، وما لم يقطع على صحته لا تجوز القراءة به، ولا يكفر من جحده، وبئس ما صنع إذ جحده٢.
والقسم الثالث: هو ما نقله غير ثقة، أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية.
فهذا لا يقبل وإن وافق خط المصحف.
ولكل صنف من هذه الأقسام تمثيل تركنا ذكره اختصار، وقد قال الطبري٣ في كتاب البيان:
لا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره
_________________
(١) ١ في الأصل: أحدهما. ٢ تمثيل لقراءة صح نقلها في الآحاد، وصح وجهها في العربية، وخالف لفظها خط المصحف: كقراءة عمر بن الخطاب غير المغضوب عليهم، وغير الضالين. تمثيل ما نقله غير ثقة: ذلك الكتاب لا زيت فيه "انظر الفهرست لابن النديم ص١٨". تمثيل ما نقله ولا وجه له في العربية، وإن وافق خط المصحف: كإسكان "بارئكم، ويأمركم" ونحوه "انظر النشر: ١-١٠". ٣ سبقت ترجمته
[ ٥٢ ]
لهم إمامهم المشفق عليهم، الناصح لهم، دون ما عداه من الأحرف السبعة.
وقد ذكرنا هذا من مذهبه.
وقد ألف هو كتابه القراءات، فذكر فيه اختلاف نحو عشرين من الأئمة، من الصحابة والتابعين، ومن دونهم فنقض مذهبه بذلك.
وقد قال في كتاب القراءات له كلاما نقض أيضا به مذهبه قال:
كل ما صح عندنا من القراءات، أنه علمه رسول الله ﷺ لأمته من الأحرف السبعة التي أذن الله له، ولهم أن يقرءوا بها/ ٥ي القرآن، فليس لنا أن نخطئ من كان ذلك به موافقا لخط المصحف.
فإن كان مخالفا لخط المصحف لم نقرأ به، ووقفنا عنه، وعن الكلام فيه.
فهذا إقرار منه، أن ما وافق خط المصحف مما اختلف فيه، فهو من الأحرف السبعة، على مثل ما ذهبنا إليه.
[ ٥٣ ]
وقد تقدم من قوله١: أن جميع ما اختلف فيه مما يوافق خط المصحف، فهو حرف واحد، وأن الأحرف الستة ترك العمل بها.
وهذا مذهب متناقض.
"القراءة بما خالف خط المصحف وإن روى":
وقد قال إسماعيل القاضي٢ في كتاب القراءات له:
أن عمر بن الخطاب قرأ: غير المغضوب عليهم وغير، الضالين٣.
قال: وهذا -والله أعلم- علم ما جاء: أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
ثم قال إسماعيل:٤
لأن هذا -وإن كان في الأصل جائزا، فإنه إذا فعل ذلك رغب في اختيار أصحاب النبي "ﷺ"، حين اختاروا أن يجمعوا الناس على مصحف واحد، مخافة
_________________
(١) ١ انظر: ص٤٣، وما بعدها. ٢ سبقت ترجمته. ٣ سورة الفاتحة آية٧. ٤ هو إسماعيل القاضي المذكور، وقد سبقت ترجمته.
[ ٥٤ ]
أن يطول بالناس زمان، فيختلفوا في القرآن.
ثم قال إسماعيل:
فإذا اختار الإنسان أن يقرأ ببعض القراءات، التي رويت مما يخالف خط المصحف صار إلى أن يأخذ القراءة برواية واحد عن واحد، وترك ما تلقته الجماعة عن الجماعة، والذين هم حجة على الناس كلهم -يعني خط المصحف.
قال إسماعيل:
وكذلك ما روي من قراءة ابن مسعود١ وغيره ليس لأحد أن يقرأ اليوم به - يعني مما يخالف خط المصحف من ذلك٢.
قال إسماعيل:
لأن الناس لا يعلمون أنها قراءة عبد الله، وإنما هي شيء يرويه بعض من يحمل الحديث. يعني أن ما خالف خط المصحف من القراءات، فإنما يؤخذ بأخبار الآحاد، وكذا ما وافق خط
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته. ٢ مثل قراء ابن سعود: "إن الله لا يظلم مثقال نملة". "انظر المصاحف للسجستاني: ٥٤".
[ ٥٥ ]
المصحف الذي هو يقين إلى ما يخالف خطه مما لا يقع على صحته.
قال إسماعيل:
فإن جرى شيء من ذلك على لسان الإنسان، من غير أن يقصد له كان له في ذلك سعة، إذا لم يكن معناه يخالف معنى خط المصحف المجمع عليه. ويدخل ذلك في معنى ما جاء:
أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
قلت:
فهذا كله من قول إسماعيل يدل على أن القراءات، التي وافقت خط المصحف هي من السبعة الأحرف كما ذكرنا، وما خالف خط المصحف أيضا هو من السبعة، إذا صحت روايته ووجهه في العربية
، ولم يضاد معنى خط المصحف. لكن لا يقرأ به، إذ لا يأتي إلا بخبر الآحاد، ولا يثبت قرآن يخبر الآحاد، وإذ هومالف للمصحف المجمع عليه.
فهذا الذي نقول به ونعتقده، وقد بيناه كله.
[ ٥٦ ]