فإن سأل سائل فقال:
ما السبب الذي من أجله جمع عثمان القرآن في مصحف على لغة واحدة وحرف واحد، وجمع الناس على ذلك، وخرق ما عداه من المصاحف؟
فالجواب:
أن الروايات قد تكررت عن ابن شهاب١، وغيره أن حذيفة بن اليمان٢ كان قد حضر في زمن عثمان "﵁"، في فتح أذربيجان وأرمينية، فرأى الناس يختلفون في ألفاظ القرآن اختلافا شديدا، حتى كاد أن يكفر بعضها
_________________
(١) ١ ابن شهاب، هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، المدني أحد الأئمة الكبار وعالم الحجاز والأنصار تابعي، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، قرأ على أنس بن مالك ولد في سنة خمسين، وروى عن عبد الله بن عبد الله بن عمر مات سنة أربع وعشرين بشغب آخر حد الحجاز، وأول حد فلسطين "طبقات القراء: ٢-٢٦٢-٢٦٣". ٢ حذيفة بن اليمان، هو أبو عبد الله العيسى، وردت الرواية عنه في حروف القرآن، توفي بعد عثمان بأربعين عاما "طبقات القراء: ١-٢٠٣".
[ ٦٢ ]
بعضًا. وكان سبب ذلك ما قدمنا ذكره١ أن أهل كل مصر قرءوا على ما أقرأهم الصحاب، الذي وصل إليهم ليعلمهم القرآن، والدين في زمان أبي بكر وعمر، فاختلفوا في قراءاتهم بألفاظ مختلفة في السمع لا في المعنى٢، وفي السمع والمعنى٣ مخالفة للخط، وغير مخالفة، بزيادة ونقص٤، وتقديم، وتأخير٥، واختلاف حركات وأبنية واختلاف حروف، ووضع حروف في موضع أحرف أخر٦.
وكان ذلك قد تعارف بين الصحابة على عهد النبي "ﷺ" على ما قدمنا وبينا، فلم يكن ينكر أحد ذلك على أحد لمشاهدتهم من أباح لهم ذلك، وهو النبي "ﷺ".
فلما انتهى ذلك الاختلاف إلى ما لم يعاين صاحب الشرع،
_________________
(١) ١ انظر ص٤٩. ٢ كقراءة: جذوة مثلثة الجيم. ٣ كقراءة يسيركم وينشركم. ٤ وما خلق الذكر والأنثى، والذكر بنقص لفظ ما خلق. ٥ فيقتلون بفتح ياء المضارعة، مع بناء الفعل للفاعل في إحدى الكلمتين، وبضمها مع بناء الفعل للمفعول في الكلمة لأخرى. ٦ مثل: طلح منضود. وطلع منضود.
[ ٦٣ ]
ولا علم بما أباح من ذلك، أنكر كل قوم على آخرين قراءتهم، واشتد الخصام بينهم. وقال كل فريق: قراءتنا أولى من قراءتكم. فراع ذلك حذيفة وأفزعه، فقد على عثمان "﵁" فقال:
يا أمير المؤمنين: أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتاب الله كاختلاف اليهود والنصارى، فأحضر عثمان الصحيفة التي كانت عند حفصة، ودعا زيد بن ثابت الأنصاري١، وعبد الله بن الزبير٢، وسعيد بن العاص٣، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام٤. وأمرهم بنسخ المصحف.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته. ٢ هو، عبد الله بن الزبير بن العوام، أبو بكر القرشي الأسدي الصحابي ابن الصحابي "﵄"، وردت الرواية عنه في حروف القرآن هاجرت أمه، وهو حمل في بطنها فكان أول مولود ولد بالمدينة من المهاجرين، ولد في السنة الثانية ونقل في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين "طبقات القراء: ١-٤١٩". ٣ سعيد بن العاص بن أمية ولد عام الهجرة، وكان أحد أشراف قريش ممن جمع الشجاعة والفصاحة، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان "﵁"، استعمله عثمان على الكوفة توفي في خلافة معاوية سنة تسع وخمسين "الاستيعاب القسم الثاني ص٦٢٤". ٤ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة القرشي، المخزومي، كان ابن عشر سنين حين قبض رسول الله "ﷺ".
[ ٦٤ ]
وقيل: بل جمع اثنى عشر رجلا من قريش والأنصار فيهم زيد بن ثابت، وأمرهم بكتابة١ المصحف.
وقال عثمان للرهط من قريش: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل بلسانها.
فلما نسخوا المصحف كتبوه في سبع نسخ.
٦ش/ وقيل: في خمس. ورواة الأول أكثر.
ووجه عثمان إلى كل مصر مصحفا، وحرق ما عدا ذلك من المصاحف.
وقيل: إنه سخن الماء لها وألقاها فيه.
فعند ذلك اجتمع الناس في الأمصار على مصحف عثمان.
وقرأ أهل [كل] ٢ مصر من قراءتهم، التي كانوا عليها بما يوافق خط المصحف، وتركوا من قراءتهم ماخالف خط المصحف، وقد بينا هذا.
_________________
(١) ١ في الأصل بكتبه. ٢ زيادة يقتضيها المقام.
[ ٦٥ ]
قال أنس بن مالك١:
أرسل عثمان إلى كل جند من أجناد المسلمين مصحفا، وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف الذي أرسل به إليهم.
قال الطبري، عند ذكره للمصحف:
فاستوسقت٢ له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أنفيما فعل من ذلك الرشد والهداية، وتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركه، طاعة منها له، ونظرا منها لأنفسها، ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست الأمة معرفتها. وتعفت آثارها، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها، وعفو آثارها، وتتابع المسلمين إلى رفض القراءة بها من غير جحود منهم صحتها، وصحة شيء منها. ولكن نظرا منها لأنفسها، ولسائر أهل دينها.
فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره
_________________
(١) ١ هو أنس مالك بن النضير الأنصاري، أبو حمزة صاحب رسول الله "ﷺ" وخادمه، روى القراءة عنه سماعا: وقرأ عليه قتادة ومحمد بن مسلم الزهري توفي سنة ٩١ "طبقات القراء: ١-١٧٢". ٢ استوسقت له الأمة: اجتمعت له بالطاعة.
[ ٦٦ ]
لهم أمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية.
وروى خارجة بن زيد١ عن أبيه أنه قال:
فقدت يوم نسخت المصحف آية من سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول الله "ﷺ" يقرؤها ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ ٢ الآية فالتسمتها فأصبتها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري، ولم أصبها مع غيره، فألحقتها في سورتها.
قال المقري:
قلت: وهذا مبني على ما قدمنا من فقده لآخر سورة التوبة٣ في عهد أبي بكر، أنهم كانوا يحفظونها لكنهم أنسوها، فلما وجدوها تذكروها، وأيقنوا بها وكتبوها، لا أنهم قبلوها بشهادة من وجدوها معه؛ لأن غير هذا لا يجوز أن يتأول.
_________________
(١) ١ خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، الخزرجي "انظر الاستيعاب: ٢-٥٣٧". ٢ سورة الأحزاب آية ٢٣. ٣ الآيتان: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾، إلخ السورة.
[ ٦٧ ]
والدليل على صحة ما تأولنا:
قول زيد في هذا الخبر: كنت أسمع رسول الله "ﷺ" يقرؤها، فهو شيء سمعه من رسول الله "ﷺ" وأنسيه، فلما وجده تذكر، وأيقن به هو وغيره، فكتبوا ذلك بإجماع منهم، لسماعهم ذلك من رسول الله "ﷺ".
وكذلك كل ما كتبوا وأثبتوا في المصحف.
وكان المصحف إذ كتبوه لم ينقطوه، ولم يضبطوا إعرابه فتمكن لأهل كل مصر أن يقرءوا الخط على قراءتهم، التي كانوا عليها مما لا يخالف صورة الخط.
فقرأ قوم مصحفهم: "من كل حدب١" بالحاء والباء على ما كانوا عليه وقرأ الآخرون: "من كل جدث"، بالجيم على ما كانوا عليه.
وقرأ الآخرون/ ٧ى: "من كل جدث" بالجيم والثاء على ما كانوا عليه٢.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية ٩٦. ٢ قرأ ابن عباس "من كل جدث"، وهو القبر. "البحر المحيط: ٦-٣٣٩".
[ ٦٨ ]
وقرأ قوم: "يقص الحق١" بالصاد على ما كانوا عليه، وقرأ قوم: "يقض الحق" بالضاد على ما كانوا عليه٢.
وكذلك ما أشبه هذا. لم يخرج أحد في قراءته عن صورة خط المصحف.
فهذا سبب جمع المصحف، وسبب الاختلاف الواقع في خط المصحف.
قال زيد بن ثابت: القراءة سنة.
قال إسماعيل القاضي:
أحسبه يعني هذه القراءة التي جمعت في المصحف.
وذكر عن محمد بن سيرين٣، أنه قال:
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ٥٧. ٢ قرأ "يقص الحق"، نافع وابن كثير وعاصم وأبو جعفر، من قص الحديث أو الأثر تتبعه، وقرأ الباقون بقاف ساكنة وضاد معجمة مكسورة من القضاء، ولم ترسم إلا بضاد كأن الياء حذفت كما في "تغن النذر" "اتحاف فضلاء البشر: ٢٠٩". ٣ محمد بن سيرين أبو بكر بن أبي عمرة البصري، مولى أنس بن مالك "﵁"، إمام البصر مع الحسن، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وروى عن مولاه، وعن زيد بن ثابت وعمران بن الحصين، وعائشة وأبي هريرة وغيرهم، وكان يكره أن يقرأ الرجل القرآن إلا كما أنزل، فكره أن يقرأ ثم يتكلم ثم يقرأ، مات سنة عشر ومائة "طبقات القراء: ٢-١٥١".
[ ٦٩ ]
كانوا يرون أن قراءتنا هذه إحداهن بالعرضة١ الآخرة٢.
وروى عن علي بن أبي طالب "﵁"، أنه قال: لو كنت أنا لصنعت في المصاحف ما صنع عثمان.
_________________
(١) ١ عن رسول الله ﷺ "النشر: ١-٨". ٢ عام قبض رسول الله "ﷺ" حيث عرض عليه القرآن مرتين.
[ ٧٠ ]