قال: فإن سأل سائل، فقال:
هل جمع حفظ القرآن على عهد النبي "ﷺ"، أحد من الصحابة، فتقوى بذلك الأنفس فيما يقرءونه اليوم؟
فالجواب:
أنه قد اختلف الناس فيمن جمع القرآن على عهد النبي "ﷺ".
فقال جماعة: إن النبي "ﷺ"، توفي ولم يجمع القرآن إلا أربعة:
أبي بن كعب١، ومعاذ بن جبل٢، وزيد بن ثابت٣ [سالم مولى أبي حذيفة] .٤.
_________________
(١) ١ هو أبي بن كعب الأنصاري المدني، قرأ على النبي ﷺ، "وقد سبقت ترجمته". ٢ معاذ بن جبل بن عمرو، أبو عبد الرحمن الأنصاري "﵁" أحد الذين حفظوا القرآن حفظا على عهد النبي "ﷺ"، وهو الذي أشار إليه النبي "ﷺ" بقوله: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة"، توفي سنة ١٨هـ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. ٣ زيد بن ثابت "سبقت ترجمته". ٤ زيادة لم ترد في الأصل.
[ ٩٢ ]
وقيل: إن معهم عثمان، وتميم الداري.
وقيل: عثمان، وأبو الدرداء١.
وذكر ابن عيينة٢ أن الشعبي٣ قال:
لم يقرأ القرآن على عهد النبي "ﷺ"، إلا ستة كلهم من الأنصار: أبي، ومعاذ، وأبو الدرداء.
وسعد بن عبيد القاري، وأبو زيد، وزيد، وليس بزيد بن ثابت.
قال الشعبي: غلب زيد بن ثابت الناس بالقرآن والفرائض قال أنس:
جمع القرآن على عهد النبي "ﷺ" أربعة من الأنصار:
_________________
(١) ١ هو، عويمر بن زيد أبو الدرداء الأنصاري، الخزرجي أحد الذين جمعوا القرآن حفظا على عهد النبي "ﷺ" ولي قضاء دمشق، هو أول قاض ولها توفي سنة ٣٢هـ. ٢ مقرئ سمع من محمد بن أبي أيوب الثقفي، الكوفي "انظر طبقات القراء: ٢-١٠٣". ٣ عامر بن شراحيل بن عيد، أبو عمرو الشعبي الكوفي إمام كبير مشهور، وهو القائل: القراءة سنة، فاقرءوا كما قرأ أولوكم. مات سنة خمس ومائة وله سبع وسبعون سنة.
[ ٩٣ ]
أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد
قيل لأنس: من أبو زيد؟.
قال: بعض عمومتي.
وقيل: إن أول من حفظ القرآن على عهد النبي "ﷺ"، سعد بن عبيد، وجمعه من الخزرج: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وأبو زيد.
وقال ابن عباس:
جمع القرآن على عهد النبي "ﷺ" أربعة:
معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، ومجمع بن جارية١، وسالم مولى أبي حذيفة٢.
_________________
(١) ١ في الأصل "حارثة" وهو تصحيف، ومجمع بن جارية بن عامر العطاف الأنصاري الصحابي، وكان غلاما حدثا، حين جمع القرآن، وكان أبوه جارية ممن اتخذ مسجد الضرار، وكان مجمع يصلى بهم فيه، ثم أخر به النبي ﷺ. فلما كان زمان عمر كلم ليصلي بالناس، فقال: لا! أو ليس بإمام المنافقين في مسجد الضرار. فقال لعمر: والله الذي لا إله إلا هو، ما علمت بشيء من أمرهم فتركه فصلى بهم. مات بالمدينة في خلافة معاوية "﵁" "طبقات القراء جـ٢-٤٢". ٢ هو، سالم بن عتبة بن ربيعة، أبو عبد الله الصحابي الكبير، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، استشهد يوم اليمامة سنة ١٢هـ. وهو أحد الذين قال فيهم الرسول: خذوا القرآن من أربعة "انظر طبقات القراء: ١-٣٠١".
[ ٩٤ ]
واختلف في الحرف الذي كتب عليه المصحف:
فقيل: حرف زيد بن ثابت.
وقيل: حرف أبي بن كعب؛ لأنه على العرضة الآخرة، التي قرأ بها رسول الله ﷺ.
وعلى الحرف الأول أكثر الرواة:
ومعنى قولنا: حرف زيد، أي قراءته وروايته وطريقته.
ولم يختلف في أن ابن مسعود لم يكن على عهد النبي "ﷺ" جمع القرآن كله. بل قال: إني جمعت منه على عهد النبي بضعا وسبعين سورة، وتلقيت من في رسول الله "ﷺ" سبعين سورة.
فإن سأل سائل، فقال:
قد روى عن النبي "ﷺ"، أنه قال:
"خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة".
ولم يذكر زيدا، وأنتم تنتمون في القراءة وجمع المصحف إلى أبي، وزيد؟
[ ٩٥ ]
فالجواب: / ١٠ى.
أن هذا الأمر من النبي "ﷺ"، عند العلماء إنما هو تنبيه منه على قوم كانوا لم يشتهروا في ذلك الوقت بما نسب إليهم النبي "ﷺ"، فنبه النبي عليهم ليعلم ذلك منهم، وترك ذكر من اشتهر في القرآن، وعرف فضله، ولم يجهل قدره وعلمه، كزيد بن ثابت، وعلي بن أبي طالب.
وقيل:
إن معنى ذلك أنه "ﷺ"، قال ذلك يوم قاله، ولم يكن في القوم أقرأ ممن ذكر، ثم حدث بعد من هو مثلهم، وأقرأ منهم كزيد بن [ثابت] ١ وعلى.
فإن قيل:
قد روي عن النبي "ﷺ"، أنه قال: "من أراد أن يقرأ القرآن غضا، فليقرأه بقراءة ابن أم عبد"، يعني ابن مسعود.
وعنه أنه قال: "من أراد أن يسمع كلام الله غضا، كما أنزل
_________________
(١) ١ زيادة يقتضيها المقام.
[ ٩٦ ]
فليسمعه من في ابن أم عبد".
وقد تركت قراءة ابن مسعود اليوم، ومنع مالك وغيره أن يقرأ بالقراءة، التي تنسب إلى ابن مسعود.
فالجواب:
أن ما قاله الحسين بن علي الجعفي١ قال:
إن معنى ذلك أن ابن مسعود كان يرتل القرآن، فحض النبي الناس على ترتيل القرآن بهذا القول.
دليله قوله في الحديث الآخر: فليسمعه من في ابن مسعود، فحض على سماع ترتيل القرآن.
وكذلك الجواب عن الحديث الذي روى عنه "ﷺ"، أنه قال: "من أراد أن يقرا القرآن غضا كما أنزل، فليقرأه كما يقرأ ابن مسعود".
قال الجعفي:
_________________
(١) ١ الحسين بن علي الجعفي، مولاهم الكوفي الزاهد أحد الأعلام، قرأ على حمزة، وهو أحد الذين خلفوه في القيام بالقراءة، وروى القراءة عن أبي بكر بن عياش، وأبي عمرو بن العلاء، قال عنه الكسائي: إنه أقرأ الناس في عهده مات سنة ٢٠٣هـ، عن أربع وثمانين سنة "طبقات القراء: ١-٢٤٧".
[ ٩٧ ]
معناه أنه ليس يريد به حرفه الذي يخالف المصحف، إنما أراد ترتيله إذا قرأ.
حض النبي "ﷺ" أمته على ترتيل القرآن.
وقد أمر الله "﵎" نبيه بذلك فقال:
﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ١.
قلتك ولا ينكر أن يكون "ﷺ"، أراد حرفه الذي كان يقرأ به، ونحن نقرأ بذلك من قراءته، ونتولى ذلك، ونرويه، ونرغب اليوم فيه، ما لم تخالف قراءته المصحف. فإن خالف المصحف لم نكذب بها، ولم نقرأ بها؛ لأنها خارجة عن الإجماع، منقولة بخبر الآحاد، والإجماع أولى من خبر الآحاد؛ ولأنا لا نقطع أنها قراءة ابن مسعود على الحقيقة، إذ لم يصحبها إجماع.
ولذلك قال مالك وغيره: القراءة التي تنسب إلى ابن مسعود. فقال: تنسب إليه. ولم يقل قراءة ابن مسعود، والشيء قد ينسب إلى الإنسان، وهو غير صحيح عنه.
ولذلك قال إسماعيل القاضي:
_________________
(١) ١ سورة المزمل آية ٤.
[ ٩٨ ]
ما روي من قراءة ابن مسعود وغيره، يعني مما يخالف خط المصحف، ليس ينبغي لأحد أن يقرأ به اليوم؛ لأن الناس لا يعلمون علم يقين أنها قراءة ابن مسعود، وإنما هو شيء يرويه بعض من يحمل الحديث، ولا يجوز أن يعدل عن اليقين/ ١٠ش إلى ما لا يعلم يقينه.
وقد فسرنا هذا القول فيما مضى، وهو مارد مالك وغيره، وإنما عنوا من ذلك ما يخالف خط المصحف لا يقرأ به اليوم.
وقد قال عمر "﵁": على أقضانا، وأبي، أقرؤنا.
ومعناه: أنه وصفهما بأكثر علمهما، وهما يعلمان غير ذلك من العلوم.
ويروى أن أبيا، كان أقرب الناس عهدا بآخر قراءة النبي "ﷺ"، وهي العرضة الآخرة.
وقد ثبت عن النبي "ﷺ"، أنه قال لأبي:
إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، في حديث طويل معناه: أنه "ﷺ"، أمر أن يقرأ على أبي ليتعلم أبي منه
[ ٩٩ ]
قراءته، ويسمع ألفاظه وترتيله، لا ليتعلم النبي "ﷺ" منه شيئا.
وقد خص أبو بكر زيدا بجمع القرآن في السعف والجريد، ولم يخالفه فيه أحد من الصحابة.
ثم خصه عمر بجمعه في الصحيفة، ولم يخالفه أحد من الصحابة.
ثم خصه عثمان بجمع المصحف مع غيره، ولم يخالفه فيه أحد من الصحابة.
وهذا كله يدل على فضل ظاهر، بارع، وثقة وأمانة في زيد.
ويقوي ذلك تخصيص رسول الله "ﷺ" بكتابة الوحي. ولذلك خصه أصحابه بجمع القرآن، مع أنه كان قد جمع القرآن على عهد رسول الله "ﷺ"، وقرأه على النبي كأبي.
ولذلك أضاف أكثر القراء القراءة إليهما، عن النبي "ﷺ"، أعني أبيًّا وزيدًا.
فإن قيل:
[ ١٠٠ ]
فإنك قد ذكرت أولا عن زيد أنه قال: فقدنا آية كذا في عهد أبي بكر، وآية كذا في عهد عثمان، فوجدنا ذلك مع فلان، ومع فلان فأثبتنا ذلك.
وقد روى أنه قال، إذ أمره أبو بكر بجمع القرآن:
فجمعت القرآن من صدور الرجال،
ومن كذا، ومن كذا.
وهذا كله يدل على أن زيدا، لم يكن يحفظ القرآن على عهد النبي ﷺ" وإذا لم يحفظ، فكيف قرأ على النبي "ﷺ"، وهو لا يحفظه.
فالجواب عن ذلك:
أن من حفظ القرآن من الأولين والآخرين، لا ينكر أن يشك في آية وفي أكثر، وأن تسقط عنه الآية والحرف والأكثر، ولا يخرجه ذلك من أن ينسب إليه حفظ القرآن، وأن يقرأه على غيره.
وإنما جرت الناس، فيمن نسب إليه حفظ القرآن، أن يكون ذلك على الأعم والأكثر، وإلا فليس يسلم أحد من الحفاظ، من وهم أوشك أو غلط فيه. لكن الناس يتفاضلون في ذلك:
فمنهم من يقل منه ذلك، وهو الممدوح بقوة الحفظ.
[ ١٠١ ]
ومنهم من يكثر ذلك منه، ولا يخرجه ذلك من أن ينسب إليه حفظ القرآن؛ لأنه/ ١١ى يحفظ الأكثر والأعم بلا شك.
وقد صح أن النبي "ﷺ"، أسقط في قراءته في صلاته شيئا من القرآن. فهل يقول أحد: إن النبي "ﷺ"، كان لا يحفظ القرآن؟!
وأما قول زيد بن ثابت: "جمعت القرآن من صدور الرجال". فإنما معنى ذلك أنه استوثق فيما نقل بحفظ غيره مع حفظه.
ويجوز أن يكون أراد جمع ما وهم فيه، أو نسي من صدور الرجال، فلما ذكره غيره بما نسى من حفظه تذكره وتيقنه؛ لأنه كان يحفظه، فأثبته على يقين منه به، ولم يخالفه أحد فيما أثبت، فصار غجماعا لا أنه١ فيه خبر الواحد.
وقد بينا هذا المعنى فيما تقدم٢.
_________________
(١) ١ في الأصل؛ لأنه، والسياق يقتضي "لا أنه". ٢ انظر ص: ٦٠، ص: ٧٧.
[ ١٠٢ ]
فإن قيل:
فإن بعض القراء السبعة المشهورين، ومن تقدمهم من أنهم يسندون قراءتهم إلى ابن مسعود عن النبي، وإلى علي عن النبي، وإلى عثمان عن النبي.
وهلاء لم يكونوا يحفظون القرآن على عهد النبي "ﷺ"، فكيف قرءوا على النبي، ونقلوا عنه القراءة، وهم لا يحفظون القرآن؟
فالجواب:
أن عثمان "﵁"، قد روي أنه كان يحفظ القرآن على عهد النبي ﷺ".
وأما ابن مسعود فإنه قال: قرأت من لسان رسول الله "ﷺ"، سبعين سورة قال: وقد كنت أعلم أنه يعرض عليه القرآن في كل رمضان، حتى كان عام قبض، فعرض عليه القرآن مرتين، فكان إذا فرغ النبي أقرأ عليه فيخبرني أني محسن.
فأما ما بقي عليه من القرآن، فيجوز أن يكون قرأه بعد موت النبي "ﷺ"، على من قرأ على النبي فأسنده إلى النبي.
[ ١٠٣ ]
ويجوز أن يكون قرأه على النبي تلقينا، ولم يكمل له إتقان حفظه، إلا بعد موت النبي "ﷺ".
ويجوز أن يكون سمعه من النبي، فيقوم سماعه منه مقام قراءته عليه.
وكذلك تأويلنا في علي وعثمان إن كانا لم يكمل لهما حفظ القرآن على عهد النبي "ﷺ".
على أن القراء يسندون قراءتهم في الأكثر إلى أبي، وزيد، والنبي "ﷺ".
وقد صحت قراءتهم على النبي "ﷺ".
[ ١٠٤ ]