والإخلاص وإن كان من أعمال القلوب التي لا يطلع عليها إلا علام الغيوب، غير إن الله جعل ما يشير إلى ذلك في الظاهر وهو مما يدلل على ما في الباطن غالبًا، ألا وهو التحلي بالخشوع في التلاوة، فمن تحلى بالخشوع في قراءته ظهر أثر ذلك عليه لأولى الألباب، وذلك مصداق ما رواه ابن ماجه في السنن من حديث جابر بن عبدالله ﵁ قال قال رسول الله عليه وسلم: "إن من أحسنِ الناسِ صوتًا بالقرآنِ الذي إذا سمعتَه يقرأُ، رأيتَ أنَّه يخشى اللهَ" (^٤)، ولا شك في أن الخشوع عمل قلبي غير إن الله أظهره على الجوارح.
_________________
(١) الشيخ: أبو منير؛ محمد السيد إسماعيل: وهو من مواليد غوطة دمشق الشرقية - عربيل (عربين) ١٩١٣ م تقريبًا. وهو أحد شيوخي (الكلام لأبي الخير صلاح كرنبه- كاتب المقال) وقد التقيناه من حوالي الشهر في مدينة رسول الله صلى الله علية وسلم حيث جاءها زائرًا بعد تأديته للعمرة وهو من فضل الله بكامل قواه العقلية والجسمية ولكن الذي أعاقه على العطاء في مجال القراءات ضعف سمعه قليلا بارك الله فيه وفي أمثاله من -الصفوة- أهل القرآن أهل الله وخاصته.
(٢) - الإخلاص في تلاوة القرآن، أبو الخير صلاح كرنبه، ملتقى أهل التفسير بتاريخ: ٥/ ٧١٤٢٨ هـ.
(٣) -عيون الأخبار، لابن قتيبة الدينوري: (٢/ ١٤٨).
(٤) - أورده السيوطي في الجامع الصغير (٣٩٦٥) وعزاه لابن ماجه عن جابر، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب فقال: "وروي" وهي من علامات الضعف عنده كما ذكر في مقدمته، فقد خرجه الشيخ أبو إسحاق الجويني في أجوبته عن أسئلة القراء فى مجلة التوحيد المصرية عدد رجب ١٤٢٥ فى باب اسئلة القراء فقال في تخريجه: وأخرجه ابنُ ماجه (٩٣٣١)، والآجري في «أخلاق حملة القرآن» (٣٨)، وفي "فوائده"، وابنُ أبي داود في «كتاب الشريعة» - كما في "إتحاف السادة" (٤/ ١٢٥) - من طرقٍ عن عبد الله بن جعفر المدينيُ، عن إبراهيم ابن إسماعيل بن مجمع، عن أبي الزبير، عن جابرٍ مرفوعًا فذكره. قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (١/ ٦٨٢): "سندُهُ ضعيفٌ". وقال البوصيريّ في "الزوائد" (٦٣٤/ ١): "هذا إسنادٌ ضعيفٌ لضعف إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وعبد الله ابن جعفر". قُلْتُ: وعنعنة أبي الزبير أيضًا، فالصوابُ أن السَّند ضعيفٌ جدًّا، واللهُ أعلمُ. انتهى. وقد صححه الألباني في صحيح الجامع (٢٢٠٢)، وفي صحيح ابن ماجه ج ١ حديث، وخرجه كذلك فى الصحيحة (١٥٨٣).
[ ٧١ / ١٩ ]
فإن التَّعبُّدَ للهِ ﷿ بتِلاوَةِ القُرآنِ من أفضَلِ العِباداتِ، خاصَّةً إذا كان بتَدَبُّرٍ وخُشوعِ وعَمَلٍ بما فيه؛ وحتى يَحصُلَ الخُشوعُ في التِّلاوَةِ؛ فإنَّ اللهَ ﷿ أمَر بحُسْنِ التِّلاوَةِ مع التَّدَبُّرِ، وفي هذا الحديثِ: يُخبِرُ النَّبيُّ ﷺ عن ذلك؛ حيثُ قال: "إنَّ مِنْ أحسَنِ النَّاسِ صَوتًا بالقُرآنِ"، أي: أفضَلِ الأصْواتِ تِلاوَةً للقُرْآنِ "الذي إذا سَمِعتَه يَقرَأُ، رَأيتَ أنَّه يَخْشى اللهَ"، أي: أنَّ المَطْلوبَ من تَحْسينِ الصَّوتِ بالقُرآنِ أنْ تُنتِجَ قِراءَتُه خَشيَةَ اللهِ، فمَن رأيتُم فيه الخشيَةَ، فقد حسَّن الصَّوتَ بالقُرآنِ، وهذا حَثٌّ من النَّبيِّ ﷺ على تَحْسينِ الصَّوتِ به، وعلى تَرْتيلِه، فإذا قَرَأَ بهذه الصِّفَةِ، كان أوقَعَ في القَلْبِ وأشَدَّ تأثيرًا لسامِعِه. (^١) وقوله: (حسبتموه يخشى الله) أي المطلوب من تحسين الصوت بالقرآن أن تنتج قراءته خشية الله فمن رأيتم فيه الخشية فقد حسن الصوت بالقرآن المطلوب شرعًا فيعد من أحسن الناس صوتًا. (^٢)
ولذا يجب أن يكون الخوف من وقوع الرياء في القراءة باعثًا للقارئ على الإخلاص في قراءته، ولا يكن ذلك الأمر مثبطًا له عن المضي في القراءة بخشوع وحضور قلب؛ فإن الشيطانَ يخوف العبدَ شاهرًا في وجهه سلاح الرياء، ليحمله على ترك العمل الصالح، فالمؤمن يقرأ ويحسن قراءته مبتغيًا بذلك وجه الله تعالى متوكلًا عليه، قائلًا لنفسه "ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله عنهما" (^٣)، وما من أحد عمل عملًا إلا سار في قلبه سَوْرَتان (^٤)، فإذا كانت الأولى منهما لله فلا تَهيدَنَّه الآخرة. (^٥).
قال ابن الأثير (ت: ٦٠٦ هـ) - ﵀-:
المعنى: إذا أراد فعلًا وصحت نيته فيه فوسوس له الشيطان فقال: إنك تريد بهذا الرياء، فلا يمنعه ذلك عن فعله. (^٦)
_________________
(١) - يُنظر: شرح الحديث- الدرر السنية
(٢) - حاشية السندي على ابن ماجه: (١/ ٤٠٣).
(٣) - رواه البيهقي في شعب الإيمان (٦٨٧٩) أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت علي بن بندار، يقول: سمعت عبد الله بن محمود، يقول: سمعت محمد بن عبد ربه، يقول: سمعت الفضيل، يقول: فذكره، وإسناده ضعيف.
(٤) - قال ابن الأثير في النهاية (٢/ ٤٢٠) سورة أي ثورة من حدة. ومنه يقال للمعربد سوار.
(٥) - رواه أبو عبيد، في غريب الحديث (٤/ ٤٥١) قال: سمعت ابن عدي يحدث، عن عوف، عن الحسن البصري، قال: فذكره، وإسناده صحيح.
(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٨٦). النهاية في غريب الحديث والأثر المؤلف: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير (المتوفى: ٦٠٦ هـ) الناشر: المكتبة العلمية - بيروت، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م تحقيق: طاهر أحمد الزاوي - محمود محمد الطناحي عدد الأجزاء: ٥.
[ ٧١ / ٢٠ ]
فالإخلاص أن لا يكون للناس أي حظ من العبادة، ولا يترك المتعبد شيئًا منها لأجلهم. (^١)، ولو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس، والاحتراز من تطرق ظنونهم الباطلة لا نسد عليه أكثر أبواب الخير، وضيع على نفسه شيئًا عظيمًا من مهمات الدين، وليس هذا طريق العارفين (^٢). فليقبل العبد على ربه وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، كما قال ربنا العظيم: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) (النحل: ٩٨ - ١٠١).
إذًا فلا بد من استحضار النيَّة عند تلاوة القرآن، ولتكن تلاوته استجابةً لأمره سبحانه
القائل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (النمل: ٩١ - ٩٢).
_________________
(١) - يُنظر: شرح عمدة الأحكام لابن العطار (٣/ ١٧١٩). العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام المؤلف: علي بن إبراهيم بن داود بن سلمان بن سليمان، أبو الحسن، علاء الدين ابن العطار (المتوفى: ٧٢٤ هـ) وقف على طبعه والعناية به: نظام محمد صالح يعقوبي الناشر: دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م عدد الأجزاء: ٣.
(٢) الأذكار، للنووي (ص: ١٠). الأذكار المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: ٦٧٦ هـ) تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط ﵀ الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان طبعة جديدة منقحة، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.
[ ٧١ / ٢١ ]