يبين الباحث هنا حقيقة التغني بالقرآن المأمور به شرعًا وبين القراءة بـ"المقامات الموسيقية"، والتي يسميها البعض بـ" المقامات الصوتية" هروبًا من
_________________
(١) -أحكام القرآن، لابن العربي المالكي (٤/ ١٥٩٥)
(٢) نشر في كتاب (فتاوى إسلامية)، جمع وترتيب الشيخ/ محمد المسند، ج ٤، ص: ١٨. (مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز ٢٤/ ٣٧٨). مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ المؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: ١٤٢٠ هـ) أشرف على جمعه وطبعه: محمد بن سعد الشويعر عدد الأجزاء: ٣٠ جزءًا.
(٣) أخلاق أهل القرآن، للآجري (ص ١٦١).
[ ٧١ / ٣٧ ]
مسماها الأصلي مع توضيح وتجلية الفرق بينهما.
وإنما تأتي تسميتها بغير اسمها من باب قلب الحقائق، لترويج الباطل، وذلك ليسوغ للمتلقِّي قبولها، واستحسانها، غير مُعَظِّمٍ لحرمتها، وذلك لما تضفيه علي تلك المسميات "التي تقلب الحقائق" عن أصلها إلى قالب مستساغ "لفظه" من أسماء براقة، وذلك ليهون من فظاعتها وفظاظتها وشدة قبحها وحرمتِها.
ولقد كان للشيطان قدمُ السبق في هذا المضمار، وذلك لأنه كان أول من سن تلك السنة السيئة التي تقلب الحقائق الثابتة بتغير مدلولاتها بألفاظ أُخر- مكرًا وخديعة وكذبًا وتدليسًا- ليتلقَّاه ويتلقَّفها منه أولياؤه، ويوحي بها بعضهم لبعض زخرف القول غرورًا، كما قال ربنا: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (الزخرف: ١٢)، ومن أظهر ذلك قلبه لحقيقة الشجرة التي نهى الله الأبوين من قربانها فسمها بغير اسمها، سماها بـ" شجرة الخلد وملك لا يبلى".
قال ابن القيم﵀- في إغاثة اللهفان":
وإنما كذبهما عدو الله، وغرّهما، وخدعهما؛ بأن سمّى تلك الشجرة "شجرة الخلد"، فهذا أول المكر والكيد، ومنه وَرِثَ أتباعُهُ تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحبُّ النفوسُ مسمَّياتها، فسمَّوا الخمر أمَّ الأفراح، وسمَّوا أخاها بلُقَيْمة الراحة (^١)، وسمَّوا الربا بالمعاملة، وسمَّوا المُكُوسَ بالحقوق السلطانية، وسمَّوا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان، وسمَّوا أبلغ الكفر- وهو جحد صفات الرب- تنزيهًا، وسمَّوا مجالس الفسوق مجالس الطَّيبة! فلما سمَّاها "شجرة الخلد" قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا منها فتخلدا في الجنة ولا تموتا؛ فتكونان مثل الملائكة الذين لا يموتون. (^٢).
وحين تقلب الحقائق عن معانيها المقصودة فلابد من التحاكم للغة العرب التي نزل بها القرآن، ونطق بها أفصح الخلق ﵊، فمن تأمل الألفاظ التي رغَّب فيها الشرعُ بتحسين الصوت يجدها ترجع إلى عبارات لغوية تدور حول هذا المعنى مثل ألفاظ "التغني بالقرآن"، أو غيرها من الألفاظ التي وردت على ألسنة بعض شراح الأحاديث التي رغَّب فيها الشرع بتحسين الصوت، كلفظ "الترنم"، ولفظ "النغم"، ولفظ "التطريب"، فمن تأمل تلك الألفاظ وجد مادتها تدور حول تحسين الصوت بالتلاوة والجهر به فحسب.
_________________
(١) - لعله يقصد الحشيش.
(٢) إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان: (١/ ١١٢ - ١١٣).
[ ٧١ / ٣٨ ]
ولنا أن نتأمل في معنى الترنم الذي أورده الزبيدي (ت: ١٢٠٥ هـ) في تاج العروس حيث يقول﵀-:
أولًا: قال في معنى "الترنم":
«و) الرَّنَم (بالتَّحْرِيك: الصَّوتُ). وقد رَنِم بالكَسْر: إذا رَجَّع صَوْتَه كما في الصحاح، (والرَّنِيم والتَّرْنِيم: تَطْرِيبُه) كما في المُحْكَم، وقال الجوهريّ: والتَّرْنِيم: تَرْجِيعُ الصَّوت).
وترجيع الصوت: تَرْدِيدُهُ في الَحْلْقِ. (^١)
ثانيًا: قال في معنى "النغم":
(النَّغَمُ: مُحَرَّكَةً، وتُسَكَّنُ: الكَلَامُ الخَفِيُّ، الوَاحِدةُ بِهَاءٍ)، قَالَ شَيْخُنَا: فَمُفْرَدُهُ تابَعٌ لِجَمْعِه في الضَّبْطِ، انتهى، وفُلَانٌ حَسَنُ النَّغْمَةِ، أي: حَسَنُ الصَّوْتِ في القِرَاءَةَ، كَمَا في الصَّحَاحِ).
والنَّغْمةُ: جَرْسُ الكلمة وحُسْن الصوت في القراءة وغيرها. (^٢)
ثالثًا: قال في معنى "الغناء":
«والغِناءُ، ككِساءٍ؛ من الصَّوْتِ: ما طُرِّبَ به) قالَ حُمَيْدُ بنُ ثَوْر: وعَجِبْتُ به أَنَّى يكونُ غِناؤُها، وفي الصِّحاح: الغِناءُ، بالكسْرِ، من السماعِ. وفي النِّهايةِ: هو رَفْعُ الصَّوْتِ وموالاته. وفي المِصْباح: وقيِاسُه الضَّم لأنَّه صَوْتٌ).
قال الحافظ ابن حجر - ﵀-:
الغناء يطلق على رفع الصوت، وعلى الترنم الذي تسميه العرب (النَّصْب)، وعلى الحُداء، ولا يسمَّى فاعله مغنيًّا، وإنما يسمَّى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح. (^٣)
رابعًا: قال في معنى "التطريب":
(والتَّطْرِيب في الصَّوْت: مَدُّهُ وتَحْسِينُه. وطَرَّبَ في قِراءَته: مَدَّ ورجَّعَ وطرَّبَ الطَّائِرُ في صَوْتِه كَذَلِكَ، وخَصَّ بَعْضُهُم بِهِ المُكَّاءَ. وفُلَانٌ: قَرأَ بِالتَّطْرِيب). (^٤)
وطَرَّبَ في صَوْتِهِ: رجَّعَهُ ومَدَّهُ وحَسَّنَهُ. (^٥)
وفي ضوء المفهوم اللغوي لألفاظ الترنم، والنغم، والغناء، والتطريب، يتبين بوضوح وجلاء أنها ألفاظ تدل على تحسين الصوت وعلوه وتردده في الحلق، ومنه سمي الغناء غناءً.
_________________
(١) -تعريف ومعنى ترجيع الصوت في معجم المعاني الجامع.
(٢) - لسان العرب: مادة نغم.
(٣) - فتح الباري (٢/ ٤٤٢). فتح الباري شرح صحيح البخاري المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي الناشر: دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز عدد الأجزاء: ١٣.
(٤) يُنظر: تاج العروس - الزبيدي (٢/ ١٨٢). تاج العروس من جواهر القاموس المؤلف: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: ١٢٠٥ هـ) المحقق: مجموعة من المحققين الناشر: دار الهداية.
(٥) -تعريف ومعنى التطريب في معجم المعاني الجامع
[ ٧١ / ٣٩ ]