لقد ذكر النبي ﷺ أحوال الناس مع قراءة القرآن، وأثره فيهم:
كما ثبت في الصحيحين من حديث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
"مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ؛ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ. (^١)
قال الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) - ﵀- في" الفتح":
قوله: طعمها طيب، وريحها طيب قيل: خص صفة الإيمان بالطعم، وصفة التلاوة بالريح؛ لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن، إذا يمكن حصول الإيمان بدون القراءة. (^٢)
وعن إياس بن عامر قال أخذ علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) - ﵁- بيدي ثم قال:
إنك إن بقيت سيقرأ القرآن ثلاثة أصناف: فصنف لله، وصنف للجدال، وصنف للدنيا ومن طلب به أدرك. (^٣). أي أدرك ما كان يقرأ القرآن من أجله، وهذا أمرٌ واقعٌ وُمشَاهْدٌ في حياة الناس.
قال ابن القيم -﵀-: والناس في هذا أربع طبقات:
الأولى: أهل القرآن والإيمان، وهم أفضل الناس.
والثانية: من عدم القرآن والإيمان.
والثالثة: من أوتي قرآنًا، ولم يؤتَ إيمانًا.
والرابع: من أوتي إيمانًا، ولم يؤتَ قرآنًا.
قالوا: فكما أن من أوتي إيمانًا بلا قرآن أفضل ممن أوتي قرآنًا بلا إيمان، فكذلك من أوتي تدبرًا وفهمًا في التلاوة، أفضل ممن أوتي كثرة قراءة وسرعتها بلا تدبر. (^٤)
_________________
(١) - صحيح البخاري، برقم: (٥٤٢٧)، واللفظ له، وصحيح مسلم، برقم: (٧٩٧).
(٢) - فتح الباري (١١/ ٨١).
(٣) سنن الدارمي (٢/ ٥٢٦).
(٤) - زاد المعاد (١/ ٣٣٨، ٣٣٩). زاد المعاد في هدي خير العباد المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ) الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت الطبعة: السابعة والعشرون، ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٤ م عدد الأجزاء: ٥.
[ ٧١ / ١٨ ]
وفي نحو ذلك يروي أحد القراء المعاصرين فيقول:
روى لنا شيخنا المُعَمَّر، المقرئ، الشيخ: أبو منير؛ محمد السيد إسماعيل (^١) حفظه الله وأمد في عمره: "أن السلطان: عبد الحميد العثماني، جمع كبار القراء من أقطار العالم الإسلامي، وذلك في قصر يلدز، "وهو قصر الخلافة العثمانية في اسطنبول" وطلب السماع منهم، وكان آخرهم قراءة المقرئ الشيخ: حسين موسى شرف الدين المصري الأزهري "وهو أحد مشايخ شيوخ الشيخ محمد راوي القصة؛ والذي يرد ذكره في شجرة القراء وكان مجاورًا في المدرسة البادرائية بدمشق" وبعد أن أتم القراءة. صفقت زوجة السلطان من وراء الستارة: أن يقرأ آخر مقرئ مرة أخرى. ولما طلب السلطان من الشيخ إعادة القراءة؛ غضب الشيخ وأبى قائلًا: "قرأنا لله؛ ولا نقرأ لفلان، وفلان". (^٢)، فأين قراء زماننا من هذا.؟!
قال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) - ﵀-:
قُرَّاءُ القرآنِ ثلاثة:
الأول: رجل اتخذه بضاعة ينقله من مصر إلى مصر، يطلب به ما عند الناس
الثاني: وقوم حفظوا حروفه، وضيعوا حدوده، واستدروا به الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم
الثالث: ورجل قرأ القرآن، فبدأ بما يعلم من دواء القرآن، فوضعه على داء قلبه، فسهر ليله، وهملت عيناه، وتسربلوا بالخشوع، وارتدوا الحزن، وركدوا في محاريبهم، وحثوا في برانسهم. فبهم يسقيِ اللهُ الغيثَ، وينزل المطر، ويرفع البلاء، والله لهذا الضرب في حملة القرآن أقل من الكبريت الأحمر. (^٣)