ولقد حذر النبي -ﷺ- أمته وخوفها أيما تخويف فقال في ذلك فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁: "إنَّ اللهَ ﵎ إذا كان يومُ القيامةِ، ينزلُ إلى العبادِ (^١)، ليقضيَ بينهم، وكلُّ أمةٍ جاثيةٌ، فأولُ من يُدعى به رجلٌ جَمَعَ القُرْآنَ، ورجلٌ قُتِلَ في سبيلِ اللهِ، ورجلٌ كثيرِ المالِ، فيقولُ اللهُ ﷿ للقارئ: ألم أُعلِّمْك ما أَنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فما عملتَ فيما علمتَ؟ قال: كنتُ أقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ، فيقولُ اللهُ ﷿ له: كذبتَ، وتقولُ له الملائكةُ: كذبتَ، ويقولُ اللهُ ﵎: بل أردتَ أن يقالَ: فلان قارئٌ، وقد قيل ذلك ويُؤتى بصاحبِ
_________________
(١) - وهو نزولًا على الحقيقة يليق بذاته العلية، وهذا هو معتقد أهل السنة، كما هو معتقدهم في سائر صفات الرب جل في علاه -إثباتها على الحقيقة- على وجه يليق بذاته تعالى بلا تأويل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل كما قال ربنا: (ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: ١١)
[ ٧١ / ١٦ ]
المالِ، فيقولُ اللهُ ﷿: ألم أُوَسِّعْ عليك حتى لم أدعْك تحتاجُ إلى أحدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ؛ قال: فماذا عملتَ فيما آتيتُك؟ قال: كنتُ أَصِلُ الرَّحِمَ، أتصدَّقُ. فيقولُ اللهُ له: كذبتَ، وتقولُ الملائكةُ: كذبتَ، ويقولُ اللهُ ﵎: بل أردتَ أن يُقالَ: فلانٌ جوَادٌ، وقد قيل ذلك. ويؤتَى بالذي قُتِلَ في سبيلِ اللهِ، فيقولُ اللهُ له: فبماذا قُتِلْتَ؟ فيقولُ: أيْ ربِّ! أُمرتُ بالجهادِ في سبيلِك، فقاتلتُ حتى قُتِلتُ، فيقولُ اللهُ له: كذبتَ، وتقولُ الملائكةُ: كذبتَ، ويقولُ اللهُ: بل أردتَ أن يُقالَ: فلانٌ جريءٌ، فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسولُ اللهِ على رُكبتي فقال: يا أبا هريرةَ أولئك الثلاثةُ أولُ خلقِ اللهِ تُسَعَّرُ بهم النارُ يومَ القيامةِ". (^١).
وقيل: إنَّما كان هؤلاء الثَّلاثةُ أوَّلَ خلْقِ اللهِ تعالى تُسعَّرُ بهم النَّارُ؛ لكونِ هذه العِباداتِ (تعلُّم القُرآنِ وتَعليمه، الجهاد، والإنفاق) رَفيعةَ القدْرِ عندَ اللهِ تعالى؛ فلمَّا لم يَبتَغِ أصحابُها بها وجْهَ اللهِ تعالى، بلْ طلَبوا بها العاجِلَ في الدّنْيَا، وآثَروا الفانِيَ فيها على الباقي في الآخِرةِ؛ فجازاهم اللهُ تعالى بأنْ جعَلَهم أوَّلَ مَنْ تُسعَّرُ بهم النَّارُ؛ إذ العِقابُ على قدْرِ عِظَمِ الجُرْمِ. وفي الحديثِ: التَّحذيرُ من الرِّياءِ، وبَيانُ شِدَّةِ عُقوبتِه. (^٢)
وعن جندب بن عبدالله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به. (^٣)
قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) - ﵀ - تعليقًا على هذا الحديث:
أي: من عمل عملًا على غير إخلاص، إنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جوزي على ذلك بأن يَشْهَرَه الله ويفضحه، ويبدو عليه ما كان يبطنه ويُسِرُّه من ذلك. (^٤)
وقال ﷺ: " تعلموا القرآن، وسلوا الله به الجنة، قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرؤه لله". (^٥)
ولعظم قدر القرآن ومكانته فإنه لا يُطلب به عرضًا زائلا من أعراض الدنيا كشرف المنزلة عند الناس وحسن ثنائهم عليه وصرف وجوههم إليه، أو ارتفاع
_________________
(١) - رواه الترمذي (٢٣٨٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٢)
(٢) - يُنظر: شرح الحديث- الدرر السنية.
(٣) - رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب الرياء والسمعة ١١/ ٣٣٦ (٦٤٩٩)، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله ٤/ ٢٢٨٩ (٢٩٨٧).
(٤) - الكبائر، للذهبي (ص: ٦٥).
(٥) صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٨٥)، ويُنظر: قيام الليل، محمد بن نصر المروزي (ص: ٧٤).
[ ٧١ / ١٧ ]
على أقرانه، أو كطلب رئاسة أو جاه أو مال، أو لقضاء حوائجه والإفسحاء له في المجالس وتصديره فيها، أو نحو ذلك مما سوى التقرب إلى الله تعالى .. من حظوظ النفس ومشتهياتها. ومن أعظم ما يزجر عن هذه الخصال المذمومة قول الله - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزمر: ٦٥).