ثبت في الصحيحين أن النبي -ﷺ- سمع صوتَ أبي موسى الأشعري﵁- يقرأ من الليل فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال: " لقد أوتي مِزْمَارًا من مزامير آل داود" (^٣) وفي رواية قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي مُوسَى: " لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ " (^٤)، قال أبو موسى: "لو علمت يا رسول الله أنك تستمع إليَّ لحبرتّه لك تحبيرًا". (^٥)
وقوله: "مزمارًا من مزامير آل داود": قال النووي﵀-: قَالَ الْعُلَمَاء:
الْمُرَاد بِالْمِزْمَارِ هُنَا الصَّوْت الْحَسَن، وَأَصْل الزَّمْر الْغِنَاء، وَآلُ دَاوُدَ هُوَ دَاوُدُ نَفْسه، وَآلُ فُلَان قَدْ يُطْلَق عَلَى نَفْسه، وَكَانَ دَاوُدُ ﷺ حَسَن الصَّوْت جِدًّا " (^٦)
ومما يؤيد كلام النووي ويؤكده أن المراد بِالْمِزْمَارِ هُنَا الصَّوْت الحسن لا الألحان- قولهﷺ- لأبي موسى (أُوتِيتَ) -بتاء المخاطب- بما لم يسم فاعله، مما يدل على أن الذي وهبه الصوتَ الحسن هو اللهُ ﷾، وأنه لم يحصل له ذلك بالتعلم والتمرن والتريض.
قال ابن الأثير﵀- في "النهاية":
وفي حديث أبي موسى سَمِعه النبي - ﷺ - يقرأ فقال: (أُعْطِيتَ مزْمارا من مَزَامِير آلِ دَاودَ). شبَّه حُسنَ صَوته وحلاوة نَغْمَته بصوت المِزْمارِ. وداودُ هو النبي﵇- وإليه المُنْتَهى في حُسْن الصَّوت بالقراءةِ. (^٧)
وقال ابن خلدون (ت: ١٣٣٢ هـ) - ﵀-:
وأما قولهﷺ - (لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ) فليس المراد به الترديد والتلحين، إنما معناه حسن الصوت وأداء القراءة والإبانة في مخارج الحروف والنطق بها. (^٨)
_________________
(١) - رواه الحاكم في المستدرك (٢١٢٥)، والدارمي (٣٥٠١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (ج ١ حديث ٣٥٨١)، وفي مشكاة المصابيح (٢٢٠٨).
(٢) رواه الطبراني في الكبير (٩٨٨١)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣١٤٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب (فضائل القرآن)، باب (حسن الصوت بالقراءة للقرآن) برقم: ٤٦٦٠، ومسلم في صحيحه كتاب (صلاة المسافرين وقصرها) باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن برقم: ١٣٢٢.
(٤) - صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم ٧٩٣.
(٥) - يُنظر: فتح الباري (١٤/ ٢٧٢)
(٦) شرح النووي على صحيح مسلم ج ٣ ص ١٤٦
(٧) النهاية، لابن الأثير (٢/ ٧٧٨).
(٨) - تاريخ ابن خلدون (١/ ٤٢٦).
[ ٧١ / ٣٦ ]
وقول أبي موسى "لحبرتّه لك تحبيرًا"
يُرِيدُ لَجَعَلْته لَك أَنْوَاعًا حِسَانًا، وَهُوَ التَّلْحِينُ، مَأْخُوذٌ مِنْ الثَّوْبِ الْمُحَبَّرِ، وَهُوَ الْمُخَطَّطُ بِالْأَلْوَانِ.
وَالْقُلُوبُ تَخْشَعُ بِالصَّوْتِ الْحَسَنِ كَمَا تَخْضَعُ لِلْوَجْهِ الْحَسَنِ، وَمَا تَتَأَثَّرُ بِهِ الْقُلُوبُ فِي التَّقْوَى فَهُوَ أَعْظَمُ فِي الْأَجْرِ وَأَقْرَبُ إلَى لِينِ الْقُلُوبِ وَذَهَابِ الْقَسْوَةِ مِنْهَا.
وَالْأَصْوَاتُ الْحَسَنَةُ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَزِيَادَةٌ فِي الْخَلْقِ وَمِنَّةٌ. وَأَحَقُّ مَا لُبِّسَتْ هَذِهِ الْحُلَّةُ النَّفِيسَةُ وَالْمَوْهِبَةُ الْكَرِيمَةُ كِتَابُ اللَّهِ؛ فَنِعَمُ اللَّهِ إذَا صُرِفَتْ فِي الطَّاعَةِ فَقَدْ قُضِيَ بِهَا حَقُّ النِّعْمَةِ. (^١)
يقول سماحة شيخنا الإمام ابن باز (ت: ١٤٢١ هـ) - ﵀-:
لم ينكر عليه النبي ﵊ ذلك؛ فدل على أن تحبير الصوت وتحسين الصوت والعناية بالقرآن أمر مطلوب؛ ليخشع القارئ والمستمع، ويستفيد هذا وهذا (^٢).