لقد أنزلَ الله تعالى القرآنَ على رسوله الكريم ﷺ ليعلّمه أمته، وليكون منهاجًا لهم في حياتهم يتدارسونه ويعملون به، فيأتمرون بأوامره وينتهون عن نواهيه.
فعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ، فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ، فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا. (^١)
قال السندي (ت: ١١٣٨ هـ) - ﵀-:
(حَزَاوِرَةٌ) جمع الحَزْوَر، ويقال له: الحزوَّر بتشديد الواو؛ هو الغلام إذا اشتد وقوي وحَزُم. كذا في الصحاح، وفي النهاية: هو الذي قارب البلوغ قوله: (فازددنا به) أي بسبب القرآن. (^٢)
وفي نحو هذا الأدب يقول أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: ٢٢٤ هـ) - ﵀-:
أن يحرص قارئ القرآن على أن يعمل بما قرأه من القرآن الكريم في حياته الدنيا حتى تكون التلاوة حجة له يوم القيامة وليست حجة عليه". (^٣)
وهذه هي الحال التي وصفها ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) - ﵄- بقوله:
لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا وَإِنَّ أَحْدَثَنَا يُؤْتَى الْإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَتَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَتَعَلَّمُ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ فِيهَا كَمَا تَعْلَمُونَ أَنْتُمُ الْقُرْآنَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا يُؤْتَى أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ مَا يَدْرِي مَا أَمْرُهُ وَلَا زَاجِرُهُ، وَلَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهُ يَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقَلِ. (^٤) .. (^٥)
_________________
(١) - رواه ابن ماجه (٦١)، وصححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه (١/ ٣٧ - ٣٨).
(٢) - حاشية السندي (١/ ٣١).
(٣) - فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص: ٥١، ٧٥)، البرهان (١/ ٤٤٩: -٤٧٤). فضائل القرآن: المؤلف: أبو عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي (المتوفى: ٢٢٤ هـ) تحقيق: مروان العطية، ومحسن خرابة، ووفاء تقي الدين الناشر: دار ابن كثير (دمشق - بيروت) الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ -١٩٩٥ م.
(٤) -بفتح الدال المهملة بعدها قاف مفتوحة وهو رديء التمر ويابسه وما ليس له اسم خاص وقيل: هو أردأ التمر، غريب الحديث لإبراهيم الحربي (٢/ ٨٨٩) والنهاية لابن الأثير (٢/ ١٧٢).
(٥) - رواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤/ ٨٤)، رواه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٥)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً، ووافقه الذهبي، وصححه ابن منده في " الإيمان " (١٠٦)، والهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/ ١٧٠).
[ ٧١ / ٢١ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) -﵀: -
الصحابة أخذوا عن الرسول لفظَ القرآن ومعناه، بل كانوا يأخذون عنه المعاني مجردةً عن ألفاظِه بألفاظٍ أُخَر، كما قال جُندب بن عبد الله البَجَلي وعبد الله بن عمر: تعلَّمنا الإيمانَ ثم تعلَّمنا القرآن، فازددنا إيمانًا. فكان يُعلِّمهم الإيمانَ، وهو المعاني التي نزل بها القرآن من المأمور به والمخبَر عنه المتلقَّى بالطاعة والتصديق، وهذا حق، فإن حفاظ القرآن كانوا أقلَّ من عموم المؤمنين. (^١)
ولقد أسهم تقدم الإيمان على حفظ القرآن في جيل الصحابة، وذلك لأنه كان من أول القرآن نزولًا في العهد المكي هو "سور المفصّل" التي تركز على قضايا الإيمان بالله واليوم الآخر وتؤسس الجانب العقدي الذي بُنِي عليه أس الإسلام، وكان ابن مسعود ﵁ يُطْلِق على سور المفصّل "لباب القرآن". "لأنه فصل فيها ما أجمل في غيره". (^٢)
فعن عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂، قالت: " إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلَامِ، نَزَلَ الحَلَالُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) (القمر: ٤٦) وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ. (^٣)
وروى الإمام مالك في "موطئه" عن يحيى بن سعيد القطان، أنّ عبد الله بن مسعود ﵁ قال لإنسان: إِنَّكَ فِي زَمَانٍ قَلِيلٌ قُرَّاؤُهُ كَثِيرٌ فُقَهَاؤُهُ، تُحْفَظُ فِيهِ حُدُودُ الْقُرْآنِ، وَيُضَيَّعُ حُرُوفُهُ، قَلِيلٌ مَنْ يَسْأَلُ، كَثِيرٌ مَنْ يُعْطِي، يُطِيلُونَ فِيهِ الصَّلاةَ، وَيُقْصِرُونَ فِيهِ الْخُطْبَةَ، يُبْدُونَ فِيهِ أَعْمَالَهُمْ قَبْلَ أَهْوَائِهِمْ، وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ، قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ، تُحْفَظُ فِيهِ حُرُوفُ الْقُرْآنِ، وَتُضَيَّعُ حُدُودُهُ كَثِيرٌ مَنْ يَسْأَل، قَلِيلٌ مَنْ يُعْطِي، يُطِيلُونَ الْخُطْبَةَ، وَيُقْصِرُونَ الصَّلاةَ، وَيُبْدُونَ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ. (^٤)
_________________
(١) -جواب الاعتراضات المصرية (ص: ١٢). جواب الاعتراضات المصرية علي الفتيا الحموية، ط عزير شمس; الناشر: مجمع الفقه الإسلامي - جدة; عدد المجلدات ١.
(٢) مرعاة المفاتيح، كتاب فضائل القرآن (٧/ ٢٥٤). مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح المؤلف: أبو الحسن عبيد الله بن محمد عبد السلام بن خان محمد بن أمان الله بن حسام الدين الرحماني المباركفوري (المتوفى: ١٤١٤ هـ) الناشر: إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء - الجامعة السلفية - بنارس الهند الطبعة: الثالثة - ١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤ م.
(٣) - رواه البخاري (٤٩٩٣).
(٤) موطأ مالك، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة (١/ ٥٩٨). الموطأ المؤلف: مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: ١٧٩ هـ) المحقق: محمد مصطفى الأعظمي الناشر: مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية - أبو ظبي - الإمارات الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م عدد الأجزاء: ٨.
[ ٧١ / ٢١ ]
إنما عظُم فيهم من جمع بعض سور القرآن، لما كان من شأنهم العمل بالقرآن، ولذا يقول أنس - ﵁-: "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا". (^١)، يعني: عظُم شأنه وارتفع قدره فينا، لعمله بمقتضى ما حفظ.
ويؤكد ابن عمر - ﵄- هذا المعنى فيقول:
كان الفاضل من أصحاب رسول الله في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يقرؤون القرآن، منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به. (^٢)
وتحقيقًا لهذا المطلب الأسنى تراهم يتأخرون جدًا في حفظ السورة من القرآن، وليس هذا من باب العجز عن الحفظ أو قصورًا في ذلك، وإنما لانشغالهم بالعمل بما دلت عليه آيات تلك السورة، فمن ذلك ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر - ﵄ - قال: تعلم عمر - ﵁ - البقرة في اثنتي عشرة سنة، لما ختمها نحر جزورًا. (^٣)
فهذا الأثر يبين أن طول مكث عمر - ﵁ - في تعلم سورة البقرة ليس من باب العجز أو الكسل أو التراخي-وحاشاه- ومن هو في فضله ومكانته وسبقه في كل خير وبر- وإنما لأن العلم بالقرآن عندهم اقترن بالعمل به.
وها هو ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) - ﵁- يؤكد نفس المعنى فيقول:
إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن مَنْ بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به. (^٤)
_________________
(١) - تفسير البغوي: (٨/ ٢٣٨). معالم التنزيل في تفسير القرآن، المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: ٥١٠ هـ) المحقق: عبد الرزاق المهدي الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ عدد الأجزاء: ٥
(٢) تفسير القرطبي (١/ ٣٩). الجامع لأحكام القرآن، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: ٦٧١ هـ) تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة الطبعة: الثانية، ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م عدد الأجزاء: ٢٠ جزءا (في ١٠ مجلدات).
(٣) -أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: (٣/ ٣٤٦)، وينظر: تفسير القرطبي: (١/ ٤٠).
(٤) - أخلاق أهل القرآن للآجري (ص: ١٠) أخلاق أهل القرآن المؤلف: أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّيُّ البغدادي (المتوفى: ٣٦٠ هـ) حققه وخرج أحاديثه: الشيخ محمد عمرو عبد اللطيف بإشراف المكتب السلفي لتحقيق التراث الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الثالثة، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م عدد الأجزاء: ١، ويُنظر: تفسير القرطبي (١/ ٤٠).
[ ٧١ / ٢١ ]