إن علم الوقف والابتداء من أجلِّ علوم القرآن المتعلقة بإيضاح وجوه معاني القرآن، وهو من أهم العلوم التي يستعان بها على فهم مراد الله من كلامه سبحانه، ولا شك في أن اعتماد علماء الوقف والابتداء في وضع تلك العلامات المعروفة والمشاهدة في المصاحف، إنما بُنِيَ على التأمل في معاني آي القرآن، بحيث يقف القارئ ويبتدئ على حسب ما تقتضيه المعاني والألفاظ التي يحسن الوقوف عليها أو الابتداء بها، ولا شك أن مراعاة تلك العلامات والالتزام بها يُعد من أجَلِّ الأسباب المعينة على فهم كلام الله وتدبر آياته، وإنما قد أُخِذ اعتمادها من
_________________
(١) - يُنظر: التحديد للداني، ص ٧٢
(٢) - يعني تعليمًا، أو تلاوة مراجعة لضبط المحفوظ، أو قراءة يحتاج فيها لإسراع في القراءة لكثرة ما يقرأه كحال القيام في رمضان وغيره- ونحو ذلك من المقامات والأحوال التي يتعرض لها القارئ.
(٣) - النشر في القراءات العشر، لابن الجزري (١/ ٢١٠ - ٢١٥).
[ ٧١ / ٢٨ ]
المنقول والمعقول.
وفي نحو ذلك يقول علم الدين السخاوي - ﵀-:
ففي معرفة الوقف والابتداء الذي دونه العلماء تبيين معاني القرآن العظيم وتعريف مقاصده وإظهار فوائده، وبه يتهيأ الغوص على درره وفرائده. (^١)
وقال ابن النَّكْزَاوي (^٢):
باب الوقف عظيم القدر، جليل الخطر؛ لأنه لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن ولا استنباط الأدلة الشرعية منه إلا بمعرفة الفواصل .. (^٣)
وقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ (ت: ٩٢٦ هـ) - ﵀-:
من تمام معرفة القرآن معرفة الوقف والابتداء؛ إذ لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن إلَّا بمعرفة الفواصل، فهذا أدل دليل على وجوب تعلمه وتعليمه. (^٤)
وهذا العلم، علمٌ دقيق رقيقٌ قلَّ مَنْ يُتْقِنَه ونَدُرَ من يُحسنهُ، فكثيرًا ما تسمع من بعضِ القراء وقفًا قبيحًا مغايرًا للمعنى المراد، فيُكَدِّرُ سمعك ويُحْزِنُ قلبك.
لذا ينبغي على قارئ القرآن الاهتمام بضبطُ قواعدِ الوقفِ والابتداءِ الكليةِ والعناية بمواضعها الدقيقة، لما يترتب من جراء ذلك من تولد المعاني الصحيحة التي وضعت علامات الوقف والابتداء في المصاحف من أجل تحصيلها. (^٥)
_________________
(١) -جمال القراء (ص: ٥٥٣). جمال القراء وكمال الإقراء المؤلف: علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني المصري الشافعي، أبو الحسن، علم الدين السخاوي (المتوفى: ٦٤٣ هـ) تحقيق: د. مروان العطيَّة - د. محسن خرابة الناشر: دار المأمون للتراث - دمشق - بيروت الطبعة: الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م عدد الأجزاء: ١.
(٢) - معين الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمر بن أبي زيد الأنصاري المدني أصلًا ثم الإسكندراني المصري، المعروف بالنَّكْزَاويّ (٦١٢ - ٦٨٣ هـ). يُنظر: غاية النهاية ١: ٤٥٢ وحسن المحاضرة ١: ٢٨٨، وتُنظر: ترجمته في: الإعلام للزركلي.
(٣) - يُنظر: الإتقان، للسيوطي: (١/ ٢٣٠). الإتقان في علوم القرآن المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ) المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب الطبعة: ١٣٩٤ هـ/ ١٩٧٤ م عدد الأجزاء: ٤.
(٤) منار الهدى في بيان الوقف والابتداء (١/ ١٣). منار الهدى في بيان الوقف والابتداء ومعه المقصد لتلخيص ما في المرشد مؤلف منار الهدى: أحمد بن عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الأشموني المصري الشافعي (المتوفى: نحو ١١٠٠ هـ) مؤلف المقصد لتلخيص ما في المرشد: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: ٩٢٦ هـ) المحقق: شريف أبو العلا العدوي الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م عدد الأجزاء: ١
(٥) هذا الكلام لم يُكْتَب بقلم الباحث، فنقله هكذا، ولم يقف له على عزو، وعليه جرى التنبيه.
[ ٧١ / ٢٩ ]