وهذا الضابط من الأهمية بمكان لتفادي أي لحن خفي، إذ إن الكثير من القراء المعاصرين لهم اختلاسات واضحة وجلية تظهر لأهل التحقيق والتدقيق من أئمة الأداء وسادة الإقراء لأول وهلة، وذلك يرجع غالبًا للهجة القارئ ومنشئه، إذ اللهجات المحلية لبعض البلدان والقبائل يغلب عليها اختلاس بعض حركات الحروف كما هو معروف.
والمطلوب من قارئ القرآن هو القراءة بتؤدة واطمئنان وترسل وتمهل مع العناية بتبيّن الحروف، مع عدم العجلة المخلة بالقراءة؛ كما قال الله تعالى: (ورتّل القُرآنَ تَرتِيْلًا) (المزمل: ٤)
والترتيل كما هو معلوم تبيين الحروف وإظهارها، ولا يكون ذلك إلا بإخراجها من مخارجها.
قال الزجاج (ت: ٣١١ هـ) - ﵀-:
رتّل القرآن ترتيلًا، بينه تبيينًا، والتبيين لا يتم بأن يعجل في القرآن، إنما يتم بأن يبين جميع الحروف، ويوفي حقها من الإشباع. (^٢)
وقال ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ) - ﵀-:
الترتيل مصدر من رتل فلان كلامه؛ إذا أتبع بعضه بعضًا على مكث … قال صاحب العين: "رتلت الكلام: تمهلت فيه. (^٣)
ومراتب القراءة وإن كان قد قال عنها بعض أهل التجويد أنها أربعة مراتب من جهة الإسراع والبطء، وهي: "التحقيق، والتدوير، والترتيل، والحدر" (^٤)، والبعض
_________________
(١) أحكام قراءة القرآن الكريم، للشيخ محمود خليل الحصري (ص: ٣٨٩). أحكام قراءة القرآن الكريم- محمود خليل الحصري المتوفى سنة ١٤٠١ هـ، تحقيق محمد طلحة بلال، جماعة تحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.
(٢) - يُنظر: تفسير الفخر الرازي (١٦/ ١٠٧).
(٣) - التمهيد، لابن الجزري (١/ ٥٩).
(٤) - كـ "القسطلاني" في اللآلئ السنية ص ٥٢.
[ ٧١ / ٢٦ ]
قد جعلها ثلاثًا: (الترتيل، والتدوير، والحدر) (^١)
ومنشأ الخلاف بين هذه الأقوال يرجع إلى مرتبة "التحقيق"، فالبعض يجعلها مع الترتيل مرتبة واحدة، كالإندرابي في " الإيضاح"، والبعض يجعل الترتيل صفة من صفات التحقيق، كالداني في "التحديد" (^٢)، ومنهم من يجعله مرتبة مستقلة، كالقسطلاني في "اللآلئ السنية" (^٣)، والبعض يرى أن الترتيل هو الأصل وباقي المراتب تندرج تحته وتنبثق عنه فالترتيل يندرج تحته التحقيق والحدر والتدوير.
قال ابن الجزري - ﵀- في "النشر: "
فإن كلام الله تعالى يقرأ بالتحقيق وبالحدر وبالتدوير الذي هو التوسط بين الحالتين مرتلًا مجودًا بلحون العرب وأصواتها وتحسين اللفظ والصوت بحسب الاستطاعة ثم شرع في الكلام على كل مرتبة على حدة الى أن قال: عن التحقيق: وهو نوع من الترتيل وقال أيضًا: فالتحقيق داخل في الترتيل كما قدمنا والله أعلم. (^٤)
والخلاصة
أن كلّ من يقرأ بهذه المراتب الثلاث هو في الحقيقة مرتلٌ للقرآن كما أمر الله، ما دام يقرأه كما أمره الله بأحكامه التي أُخِذَت مشافهة ونقلت بالتواتر، وهو في ذلك مؤتمرٌ بقوله تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) (المزمل: ٤)، فالمراتب الثلاث الأخرى يقرأ فيها القارئ بأحكام التجويد، غير أنها تتباين فيما بينها حسب حال القارئ والمقام المقتضي للقراءة سرعة وبطأ. فقد يكون القارئ في موطن يريد فيه أن يسرع شيئًا ما، كمن يريد المراجعة وضبط المحفوظ مثلًا، أو أن يكون في صلاة التهجد في رمضان أو غيره فيُسرع مع إعطاء الحروف حقها ومستحقها، وفي موطن آخر يريد فيه أن يبطئ شيئًا ما، كمن يقرأ بتدبر وتمعن في معاني الآيات التي يتلوها، وقد يكون في مقام التعليم والتلقين فيحتاج لبطء القراءة أكثر ليجلي صفات الحروف ومخارجها وحركاتها وأحكام التلاوة للمتعلمين بصورة جلية فيقرأ بمرتبة التحقيق، وقد يريد القارئ أن يقرأ لنفسه فيكون أسرع قليلًا وهكذا.
_________________
(١) - كـ "الإندرابي" في الإيضاح ص ٢٩٠.
(٢) -يُنظر: التحديد للداني ص ٦٩. التحديد في الإتقان والتجويد المؤلف: عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر أبو عمرو الداني (المتوفى: ٤٤٤ هـ) المحقق: الدكتور غانم قدوري حمد الناشر: مكتبة دار الأنبار - بغداد/ ساعدت جامعة بغداد على طبعه الطبعة: الأولى ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٨ م عدد الأجزاء: ١.
(٣) -يُنظر: اللآلئ السنية للقسطلاني ص ٥٢.
(٤) النشر في القراءات العشر، لابن الجزري (١/ ٢٠٥).
[ ٧١ / ٢٧ ]
يقول أبو عمرو الداني (ت: ٤٤٤ هـ) - ﵀- في "التحديد":
الترتيل يكون للتدبر والتفكر والاستنباط، والتحقيق لرياضة الألسن وترقيق الألفاظ الغليظة وإقامة القراءة وإعطاء كل حرف حقه. (^١)
ففي هذه المراتب كلها يقرأ القارئ بتؤدة واطمئنان، مسرعًا كان، أو متوسطًا في سرعته في التلاوة، أو كان يقرأ بين ذلك، وهذا يعتمد على المقام الذي يقرأ فيه (^٢)، كما يعتمد على مهارة القارئ ورياضة لسانه وكثرة دربته وتمرسه مع القراءة، وجميع تلك المراتب يجب أن يعتني فيها القارئ بأحكام التجويد.
فمراتب القراءة إذًا تعود في هذه المسألة حسب المصلحة الشرعية لما يتلوه القارئ.
وفي نحو ذلك يقول ابن الجزري﵀- في "النشر ":
لا أعلم سببًا لبلوغ نهايةِ الإتقان والتجويد، ووصول غاية التصحيح والتشديد - مِثل رياضة الألسُن، والتكرار على اللفظ المتلقِّي من فم المحسن. (^٣)
وأما مساواة وضبط مقادير المدود، والغنن، ومرعاة مراتب التّفخيم والتّرقيق الخ، فإنه أمرٌ لابد فيه من التلقي والضبط والعرض بالمشافهة على أهل الإتقان من أئمة الإقراء، مع وجوب العناية بهذا الجانب لأنه مع مكانته وقدره، فهو كذلك من حلية التلاوة، ومع المشافهة والتلقي لابد من الدربة والمران والرياضة حتى يصبح هذا الجانب سجية في تلاوة القارئ.